الاثنين، 31 مارس 2025

يوميّات امرأة في حرب السودان، ابنة عائلة توارثت النزوح مراراً



 قديماً إبّان الحرب الأهلية الأولى في السودان من 1955 إلى 1972، جنوبيّ البلاد، تركَ أهلُ جدّتي لأُمّي قِدرَ الشاي على اللَّداية، أي الموقد، في المنزل ونزحوا شمالاً. تركوا منازلهم في الصباح الباكر مثل أيّ يومٍ عادي. منازل نظيفةٌ ومرتبة وكلّ شيءٍ منظّم. ولم يعودوا إليها حتى الآن. ثمّ دُمّر كلّ شيء. ما فتِئَت جدّتي تذكر ذلك اليوم حتى وفاتها: هنا كانت بيوت زينب الممتدّة في أراضيها الواسعة في عدّة مناطق مختلفة بالجنوب، حيث عاداتنا وتقاليدنا ولغتنا الأم.

وبعد، أصبحنا ما ترونه الآن. لا ننتمي سوى للقِدر الذي يحلو لي تخيّله باقياً مكانَه، على اللَّداية، فوق الحطب الذي قطعناه بأنفسنا ولا يزال مشتعلاً. وتحب جدّتي أن تقتطع المشهد مجيء زوج أمّها لينبّههم بذعرٍ أن الحرب طالتهم وعليهم مغادرة البيت فوراً. كلما قصّت جدتي لنا الحكاية تقولُ إنهم تركوا أنفسهم في البيت عندما غادروه. وتصمتُ برهةً ثم تواصل حكايتها عن رحلة النزوح الشاقّة بعد وصولهم مدينة الرنك، الواقعة شمال دولة جنوب السودان اليوم. ساروا في طريقٍ طويلٍ تحكمه نقاط تفتيشٍ لا تشبه التي نعرفها اليوم.

 ففي تلك الحرب تُقتلُ حسب لونك أو لسانك أو قبيلتك، والسبيل الوحيد للنجاة أن تكون أسودَ البشرة بلسانٍ غير عربي. نزح أجدادي في السبعينيات. واليوم يعيد التاريخُ، أو بالأحرى يعيد السودان سيرتَه الأولى. لأعيش، وأنا بنتٌ من الجيل الثالث في أسرتي، تجربةَ الحرب والنزوح ذاتَها التي لا تنفكّ تلاحق أجيال عائلتي في كلّ ركنٍ من السودان نرتحل إليه.          

****

عرفتُ مفهومَ الحرب وما هي عليه من حكاية جدّتي أكثر من مطالعتي قصصها في الكتب. ومع ذلك أعتقد بأني لم أفهم الحرب، ولم أستشعر في أيام الحرب الأولى، أي بعد 15 أبريل 2023، خطرَها المحدق بنا أو ما ستؤول إليه أحوالنا بتفاقمها. فهذه تجربتي الأولى معها. بدأتُ أفكر بالحروب وأسبابها جديّاً، ولم أفهمها حتى الآن. ولكني، وإن كنتُ لا أستطيع شرح شعوري باللامبالاة إن متُّ أو عشت، فهمتُ الآنَ جيّداً معنى أن تترك منزلك دون تفكيرٍ تحت تهديد الموت. وأتذكرُ الآن أجدادي الذين مرّوا بتجربةٍ مماثلة. أحزنُ لحزنِهم وأقدِّر شعورَهم أكثرَ، بعد مروري بالتجربة نفسها. مع بدء الحرب في السودان، يوماً بعد يومٍ، اضطررتُ للتعامل مع أشياء لم تخطر عليّ. ومن ذلك مثلاً “التدوين المدفعي”، وهو أسلوب الجيش وقوّات الدعم السريع في إثبات الوجود وإنذار العدوّ. كذلك أصوات الرصاص، والقذائف الصاروخية التي تهزُّ المنازل أو تنهار بسببها، وموت الآخرين، والنشرات الإخبارية التي تنذر دائماً بكارثية الوضع وتفاقمه المستمر. صعوبةُ النوم، ونوبات الحزن، والأسوأ ألّا ندري ما القادم.

 كلّ هذا أنهكنا سريعاً، ناهيك عن الهلع والخوف وسماع كلماتٍ مثل انتهاك واختفاء وموت وإصابات واعتداءات، وتوقف خدمات الكهرباء، والماء، وصعوبة العثور على الأدوية، والنقص في الطعام. صار علينا أن نتكيّف وندبّر شؤوننا. كنّا في شهور الحرب الأولى وحدنا بالعاصمة الخرطوم نشهد كلّ شيء. نراقب القتال ونحتاط منه. وفي ذاكرةٍ من شمعٍ رُسِمَت صورٌ واضحةُ المعالم لما يحدث. صورٌ لم تُمحَ أبداً في ليالٍ طوالٍ عاشتها ثلاثة أجيال. سبعون عاماً تخلّلتها حروبٌ عانت منها وورثتها أسرتي، بين جنوب السودان وغربه، من نزوحٍ ولجوءٍ وتشرّدٍ وفقدٍ وجوع. أدركتُ في لحظةٍ ما أنّ الحياة تغيّرت، وأن الحرب في السودان أصبحت واقعاً مفروضاً علينا. بعد أسبوعين متتاليين من زخّات الرصاص والقذائف الصاروخية، واحدةً إثرَ أخرى، في الشهر الأول من الحرب. جنوب الخرطوم، هطلَ مطرٌ توقّف معه كلّ شيء.

في تلك الليلة أصلحنا ثقباً وسطَ الغرفة أحدثَته رصاصةٌ، ثم جمعنا الماء المتسرِّب بعد أن بلّل المطر كلّ شيء. تفقّدنا بقيّة المنزل، وعُدنا لنجلس في الغرفة تحت الثقب الناتئ الملتئم حديثاً. بين الحين والآخَر يقطعُ صوتَ المطر صوتُ إطلاق رصاصتين أو أربعٍ من مكانٍ بعيد. وقفتُ في مكانٍ عالٍ أعاين الوضع، وأحسستُ بضآلتي تنكشف وبدا لي أن ساقَيَّ الضعيفتين داخل البنطال الواسع سترتجفان في أيّ لحظة. علمتُ أن أخي، الذي أكبُره بأربعة أعوامٍ، لاحظَ ذلك وبدا لي أنه سيتفوّه بتعليقٍ ما، ولكنه لم يفعل. كنّا نرتجف مبلّلين وخائفين، والمطر في الخارج لا يُنبِئ عن توقُّف. لَعَنّا المدينة والحرب، وسِرّاً تمنّينا أن تشفى البلاد.                            

****

 بالكاد عاش السودان سنوات سلامٍ طوالَ نصفِ قرنٍ من الاستقلال. لا تكاد تنتهي حربٌ حتى تبدأ أُخرى تُودي بحياةِ أبناء البلد. وانشقَّ السودانُ إلى بلدان جديدةٍ، لكلّ واحدةٍ تَرِكَتُها من الفشل، فشلٌ نفسيٌّ وسياسيٌّ وجغرافيّ. لكثيرٍ من السودانيين قصةُ نزوحٍ ورحيلٍ دائم. رحيلٌ من أجل التوسع أو العكس. ونزوحٌ قسريٌّ وهجرةٌ وهلاكٌ بسبب النزاعات والحروب وأحياناً المجاعات. فالحركةُ والنزوح سبيل نجاة السودانيين والسودانيات، جماعاتٍ ووحداناً. وطبعاً ليس كلّ النزوح سواءً. فالنزوح الموسمي للرعي مثلاً، أو الرحيلُ من أجل العمل أو التعليم، مختلفٌ عن نزوح الحرب. هناك أيضاً هجرةٌ مؤقتةٌ من الريف إلى المدن. نَمَت مدن السودان سريعاً، بدءاً بالخرطوم ثمّ نيالا ومؤخّراً جوبا العاصمة الجنوبية.

انتقل القرويون من الضواحي إلى المدن وأصبحوا حضريين، وإن عاشوا في فقر. تجري هذه التنقّلات المكانية الآن على قدمٍ وساقٍ في معظم ولايات السودان بسبب الحرب الدائرة. يبحث الجميع عن مساحةٍ صغيرةٍ آمنةٍ له داخل هذا البلد الآيل للسقوط وخارجه. فلا يكادُ امرئٌ أو جماعةٌ يحطّون رحالهم بعد ارتحالٍ شاقٍّ ومُهلِكٍ، إلّا وشرعوا بعد استراحةٍ قصيرةٍ مؤقتةٍ بارتحالٍ جديدٍ من حيث انتهى الأوّل. ومن موقعي قربَ خطوط النار، رأيتُ رأيَ العينِ قوافلَ البَشَر هذه تَتْرَى. وقد مررتُ بإحداها وعايشتُها. وربّما لغايةٍ أجهلُها، عدتُ أدراجي بعد رحلة نزوحي الأولى من الخرطوم في 28 يونيو 2023 لأشهدَ مزيداً. بالقرب من خط النار تصطبغ الأشياء بصوت الحرب ورائحتها ولونها.

تحضرُ الحربُ في حياتنا اليومية بقضّها وقضيضها. فالأسلحة منتشرةٌ في كلّ مكانٍ، ورائحة البارود والدم، وأصوات الأسلحة الثقيلة تهدر بلا توقّف. العجزُ في الطعام والماء والكهرباء والخدمات الأخرى أصبح معتاداً عند السواد الأعظم. واختفاءُ الناس صار مثل اختفاء السلع في الأسواق. العاديّة تطغى حتى على أشدّ الأفعال فظاعةً. ولا يناقش أحدٌ لِم لَم تعد حياتنا طبيعية. فالموت أصبح خبراً متداولاً، مثله مثل تغيّر أسعار السلع. والاختفاء القسري والانتهاكات التي ترتكب طوال الوقت صارت موضع نقاشٍ عاديٍّ بين الناس. أرى الوجود الآن بعدسةٍ رماديةٍ، عدسة الواقع الذي صنعته أيدٍ كثيرةٌ متعاقبةٌ على السودان، حتى صيّرته مكاناً خالياً من الألوان، وجرّدته من غلالة السحر التي يصبغها شعور الاحتفال بأثر الحياة في الأشياء والناس.                                

****

رحلة نزوحي الأولى بدأت من العاصمة الخرطوم إلى مدينة كوستي بولاية النيل الأبيض. في طريقنا مررنا بنقاط التفتيش والارتكازات المتناثرة في كلّ مكان. واسترجعنا أنا ووالدتي تاريخَ أسرتنا الذي يعيد نفسه كلّ مرّةٍ، مأساةً فقط. حكت لي والدتي –التي تمتدّ جذورها عميقاً في بحر الغزال جنوب السودان– أنَّ أسرة أمّها التي استقرّ جزءٌ منها في منطقة السامراب، وجزءٌ في منطقة الديم بالعاصمة الخرطوم، لم يعودوا أدراجَهم أبداً ولا حتى للزيارة. وبعد قرابة ستّة عقودٍ، طالتهم الحرب مرّةً أخرى في الخرطوم، ليتجرّعوا المرارة نفسها التي ذاقوها في السبعينيات. يروي والدي تجربة نزوحٍ مماثلةٍ خاضتها أسرته بسبب الحرب غرب السودان بعد نشوب صراع دارفور سنة 2003. يحكي والدي عن أحداثٍ عصيبةٍ شهدها وأسرته. ويتذكر كيف وقفت أمّهُ في ساحة المنزل وأبناؤها حولها، محاولةً تهدئتهم وطمأنتهم بقولها مبتسمةً: “ما تخافوا يا أولادي، بنمرق من هنا إن شاء الله”. ولم يكن أمامهم إلّا الموت أو حمل السلاح، فهجروا البلاد وابتعدوا مجدّداً في نزوحٍ أبدي. أفرادٌ هامشيّون، ولو كانوا في بلدتهم الأمّ، وسط دارفور.

نزحوا شباباً إلى الهامش في الخرطوم فغيَّروا مِهنَهم ومُنِحوا هوياتٍ جديدةً، ولكن ظلّوا أفراداً من الهامش وفيه. وبغضّ النظر عمّا وصلوا إليه، فإن العيون هناك تزدريهم. أخبرني أبي بكلّ ذلك في أثناء رحلةِ نزوحٍ جديدةٍ شملتني وإخوتي، جيلاً ثالثاً يعيش تاريخاً مُعاداً. مكثتُ في ولاية النيل الأبيض ستّة أشهرٍ ويومين، بعيداً عن البيت مصابةً بالحنين إلى المكان. كانت تجربةً نوعيةً لم أعِشْ مثلَها من قبل. في العشرين عاماً الماضية لم أنَم ليلةً واحدةً خارج العاصمة الخرطوم.

 وفي النيل الأبيض بدت كلّ المشاهد ضبابيةً. لا شيء يسعد القلب على امتداد البصر. وفي لحظةٍ ما، نهاية سنة 2023، قررتُ العودة وسط الحرب والدمار إلى الخرطوم. إلى البيت، بيت أمّي. ما إن وصلتُ الخرطوم، ولاحت لي منطقتي التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع جنوب العاصمة، حتى رأيتُ الورود في أفواه البنادق. صورةٌ تنمّ عن تناقضٍ لا تخطئه العين. وكلّما خَطَوتُ في المكان اتّسعت دائرة التناقض لتشمل كلّ شيء. فالمركبات المحلّية منزوعة الأسقف ومزيّنةٌ بالورودِ في الحوافّ والأسلحة في المقدّمة. سياراتُ القتال بباقات ورودٍ بلاستيكيةٍ ضخمةٍ على النوافذ، وفي حوضها “دوشكا” وعناصر بشريةٌ تمتشق أسلحةً خفيفة. الدراجات النارية مزيّنةٌ بأضواء ملوّنة. حتى الحمير قُلّدت أعناقها بأكاليل مبهرجة. والموسيقى لا تتوقّف البتّة. أنا الآتية إليهم بأفكارٍ مبتذلةٍ عن حروبٍ لا تجتمع فيها الموسيقى مع السلاح، لم أرَ سوى التناقض. واكتشفتُ أننا لسنا وحدنا المهمومين بالحياة. فالمشغولون بالحرب يعكفون على الحياة.          

****

عشتُ تجربة الحرب في العامين الماضيين، ومررتُ بثلاث تجارب نزوح. وخضتُ تجربة العيش في منطقةِ سيطرةٍ عسكريةٍ تحت حكومةِ أمرٍ واقعٍ، كما لو أنني في كشمير المحتلّة من الهند. مكثتُ عاماً ونصف العام جنوبَ الخرطوم في منطقة “الكلاكلة اللفة”. كانت منطقتنا ولا تزال، مثل باقي العاصمة، تحت سيطرة قوات الدعم السريع منذ شهور الحرب الأولى.

انتشرت القوات في كلّ مكانٍ، في الأحياء السكنية والأسواق والمصالح الحكومية. عاملوا المدنيين بفظاظةٍ وعنفٍ، وفرضوا نوعاً من حياةٍ طبقيةٍ في مناطق سيطرتهم. فكنّا لا نخرج من المنزل إلّا لماماً لجلب الضروريات. لم يمنعونا من الحركة، لكن رَدَعَنا الخوف والهلع، فلم نرغب بالخروج. إلا أني كنت أخرجُ ما استطعت. وفي حديثٍ قصيرٍ لي مع “حكمدار خلا”، القائد العسكري في قوات الدعم السريع الذي انتقلَ للسكن في المبنى المقابل لبيتنا مع أسرته وجنوده، قال بزهوٍ: “الدعامي [مجنّد الدعم السريع] يجازف سلاحو براهو [يحصل عليه بطريقته الخاصة]”، وليس من مؤسسةٍ توفّر له زيّه العسكري أو تُجري عليه راتباً أو ضمانات. و”بعد ده بتسابق كمان عشان يمشي المقدمة تفتكري ليه؟”.

 اكتفيتُ بالنظر إليه. فأردَف: “عشان القضية، عشان التارات، عشان كلنا نبقو واحد في البلد ده وماف شجرة ما حتهبّا الريح [ولن توجد شجرة لن تمسّها الريح]”. يقصد أن الحرب ستعمّ البلاد كلّها. لم أعقّب على كلامه بشيءٍ حتى لا ندخل في سجالٍ عقيمٍ، فكلانا عالِمٌ ببواطن الأمور. كلانا يرى النهب والسلب والترويع والانتهاكات التي تحدث، وطبيعة الحياة التي فرضتها قوّاته ويخضع لها الناس كرهاً في أجزاء واسعةٍ من مناطق سيطرتهم حالياً، حيث تغيبُ مؤسسات الدولة تماماً. بغضّ النظر عن مدى نزاهة تلك الدولة أو صلاحها أو عدلها عندما كانت ما تزال فاعلةً بهياكلها قبل الحرب، فالفرق بينها وبين حكومة مناطق السيطرة الحالية –أو الدول المصغَّرة– هو أنَّ الأولى كانت تملك أيديولوجيا تشرعن وتبرّر بها ممارساتها وقمعها. أمّا هذه الأخيرة فلا يبدو أنها تملك أيّ فكرٍ، بل تكتفي بالعنف المباشر. لَفَتَني حديثٌ للفيلسوف الساخر سلافوي جيجك، ينتقدُ فيه أطروحةً يروّج لها الطبّ النفسي مفادُها: إذا تعرّفتَ على عدوّك وروى لك قصّةَ حياته الشخصية وأحلامه ومخاوفه وتطلّعاته إنساناً، فلن يظلَّ بعدَها هذا العدوُّ عدوّاً.

وهذا “مجرّد هراءٍ طبعاً”، يقولُ جيجك بلهجته الحادّة والساخرة، فالعدوّ يظلّ عدوّاً طالما اختار هذا المسارَ وتجاهل خياراتٍ أُخرى أقلّ عداوةً ووطأة. اختارَ العدوُّ ما هو فيه الآن، ويحتلّ مدينتَك ويعطِّل الحياة فيها. وها هو أمامك يتابع سرد تفاصيل حياته الشخصية. هذا ما تفعله قوات الدعم السريع في أماكن انتشارها. يسوّقون خطاباً عاطفياً للتواصل والتفاهم مع المدنيين القابعين تحت سيطرتهم. لم أتوقع أنَّ لِخطر الموت صورةً ماديّةً، حتى رأيتُ ناسي من خلف الشاشات الزجاجية مغلوب على أمرهم في شتى الأرجاء، يفرّون من نيران الحرب نساءً ورجالاً وأطفالاً في عناء. الجسر الذي تهدّم فوق النازحين الفارّين من قُراهم في نيالا. شعوب الخيام، كما يطلِق عليهم محمود درويش، في المخيمات ومراكز الإيواء خارج السودان وداخله. رأيتُ رجالاً مذلولين مُهانين نصفَ أحياءٍ، وأُسراً بأكملها وسط البلاد وغربها محاصَرين تارةً ومعزولين جائعين تارةً أخرى، يُعامَلون بقانون “حكم القويّ على الضعيف”. سمعتُ قصصاً من نساءٍ عُزّل أُحيلت أجسادهنّ جبهات قتالٍ في هذه الحرب.

أتخيّلُ ديستوبيا هذا القرن: أجزاءٌ واسعةٌ من العالم تحكمها الميليشيات سنواتٍ طويلةً، بوصفها الحكومة الوحيدة القائمة والمقدّرة قيادة هذه الأجزاء وتقرير مصير من فيها. وضحايا هذه الميليشيات مدنيّون مغلوبون على أمرهم، عليهم المقاومة. وهي، غالباً، مقاومةٌ سلبية. إمّا بالرضوخ أو التبعية أو الهروب، لا خيارات أُخرى متاحةٌ إلّا حمل السلاح. فالمسؤولون عنهم والجهات التي يفترض أنها “نظامية” في البلاد لم تحمِهم. أوقات السلم مختلفةٌ عن زمن الحرب. فزمنُ السلم للحياةِ وتبعاتها، وزمنُ الحرب سعيٌ للنجاة. وأنا أحاول أن أنجوَ ما استطعتُ إلى ذلك سبيلاً. أجرّب معالجة نفسي بممارسة الكتابة والقراءة، وسماع الموسيقى، وبالمشي المقيّد في الشوارع حول منزلي. وبالفُرجة، وتأمّل الأشياء من منظورٍ آخَر، بالمكابدة وخلق جمالياتٍ صغيرةٍ وسط الخراب.

أفكّرُ في أهلي، في تجاربهم مع النزوح والحروب. وأفكّر في الحرب نفسها وتداعياتها علينا، نحن النساء السودانيات عامّةً، ونساء أسرتي خاصة. على افتراض أن الحرب هي ممارسةٌ يسهم فيها الرجل بنسبة مئةٍ بالمئة، وتقع تداعياتها بنسبةٍ أكبر على النساء والأطفال المغلوب على أمرهم. ترتسم هنا أمامي بوضوحٍ صورة الإنسان السوداني، الذي فُرضت عليه الهوية السودانية القومية قسراً مع تنوّع البلاد الديني والثقافي والعرقي الواسع. لقد اختُصرنا في: سوداني وسودانية، وصرنا منفيّين خارج المكان والذاكرة.            

                                                                    ****

أتصفّح كتاب “ذا سودان هاندبوك” (دليل السودان) المنشور سنة 2011 عن معهد “ريفت فالي”. يحوي الكتاب فصولاً لعدّة مؤلّفين، يَعرضون فيه طريقةً مختلفةً لقراءة تاريخ السودان باعتباره تاريخ خرائط، ويبحثون وراء قصّة صنع كلِّ خريطةٍ لمناقشتها وإعادة تشكيلها مرّةً أخرى. تلك الخرائط لا تكشفُ فقط كيف تغيّرت حدود البلاد بمرور الوقت، بل كيف أُوجدَ أصلاً ما يسمّى اليوم سوداناً. قسَّم المستعمر البريطاني البلادَ سياسياً لأقاليم. أراضي الشمال والوسط على طول النيل بين دنقلا والخرطوم، وبين النيل الأزرق والنيل الأبيض. وشكَّل هذا اقتصاد المركز وسياسته للحكومات المتعاقبة في عقود السودان الحديثة. ثم هناك أراضي أقصى الشمال، ممالك النوبة القديمة قرب الحدود مع مصر. ثم إقليم الصحراء شرقاً، الممتد حتى سواحل البحر الأحمر. ثم إقليم شمال دارفور وكردفان في الغرب. وأخيراً خلف كلّ ذلك الجنوب، منطقة الاستوائية، في الحدود الجنوبية لغرب السودان وإفريقيا الوسطى.

 في بلدٍ مثل السودان، المقسّم سلفاً منذ أن وجد، الانفصال هنا حاضرٌ في كلّ شيء. لا في السياسة والجغرافيا فقط بل في دواخل الناس. واحتمالية حدوثه سياسياً تبدو مسألة وقتٍ لا غير. في بدايات القرن التاسع عشر أرسلَ محمد علي باشا جيوشَه جنوباً إلى أراضٍ بلا اسم. قروناً بعد أُخرى كانت المنطقة شمال شرق إفريقيا تُعرف ببلاد السودان، أي “أرض السود”. أمّا المساحات الشاسعة الخالية في الخرائط التي رُسمت للإشارة إلى الأقاليم جنوب مصر فحملت عدّة أسماء، كالنوبة وكردفان وسنار ودارفور. لم يكن لها اسمٌ واحدٌ يطلق على الأراضي التي حكمها محمد علي باشا وعائلته بين 1820 و1870. شملت تلك الأراضي مناطق مراكز الحضارة القديمة في وادي النيل، والصحراء الشمالية، والغابات الاستوائية ومستنقعات السافانا بينهما، وكل من يقطن هناك من العرب وغير العرب المسلمين وغير المسلمين، وأهلُ المدن والبدو والمزارعون.

ومع غياب مصطلحٍ واحدٍ يُطلق على تلك الأراضي والناس، تسلّلت كلمة “سودان” وأصبحت تستخدم أولاً في مصر ثم بعد ذلك في أوروبا كلّها. في تقدمة كتاب دليل السودان، يجادلُ اثنان من محرّريه، جون رايل وجستن ويليس، بانتهاء السودان الذي بُنِيَ في القرن التاسع عشر على يد السلطة العثمانية المصرية، ولاحقاً بيدِ الاستعمار الإنجليزي على مصر. سنةَ 2011 بانفصال الجنوب، تَبَدّى انتهاء ذلك السودان الذي شكّله محمد علي باشا والبريطانيون دولةً مركزيةً موحّدة الجغرافيا. وكان هذا الحدث من مظاهر تناقضات السودان السياسية والاجتماعية وإرث الاستعمار فيه. ويحوي الكتاب فصلاً للمؤرخ البريطاني بيتر وودوارد، من مؤرّخي السودان الحديث، وعنوانه “دولة السودان الهشّة 1956-1989”.

يقولُ وودوارد إنّ للتاريخ دوراً مهماً في فهم نظام الدولة الجديدة بعد الاستقلال من الاستعمار البريطاني. فتلك الدولة حاولت تطوير سياسات جديدة وفرضها لإعادة بناء البلد مستخدمين ما تبقّى من تركة الاستعمار. يجادل وودوارد أنّ لدى السودانيين تصوّراتٍ مختلفةً عن تاريخهم وتاريخ بلدهم. في الجنوب، الذي استنزفته الحروب الأهلية سنواتٍ طويلةً كما في الغرب، يبدو تاريخُ السودان تاريخَ فرصٍ ضائعةٍ لاتفاقيات السلام والمفاوضات مع الحكومة في الخرطوم. ولكثيرٍ من أبناء الجنوب يمثل تاريخ السودان تاريخاً من العبودية في القرن التاسع عشر. إذ يروون عن غارات الشماليين لخطفهم واسترقاقهم ليعملوا بالسخرة جنوداً وخدماً، أو لبيعهم إلى مصر. ولكن بين الذين يسكنون بمحاذاة النيل شمالاً، فالقصة مختلفةٌ تماماً. العبودية هناك غير مرئية.

القصة الأساسية هي قصة نضالٍ من أجل الاستقلال عن النفوذ خارجي. عندها لم يكن السودان هو السودان اليوم. اليوم في مدارس الخرطوم يدرس الأطفال قصة ألمك نمر، القائد الشعبيّ الذي قَتَلَ ابنَ محمد علي باشا سنة 1822. مناهجُ الأطفال تُدرّس على نحوٍ مختلفٍ في بلدٍ مقسّم. فما وقعَ في الشمال يُدرّس على أنه جزءٌ أصيلٌ من تاريخ البلاد القومي، مع أن ألمك نمر نفسه عاش قبل أن يوجد بلدٌ اسمه السودان. وفي الخرطوم اسم أبوقرجة مرادفٌ لبطلٍ قومي ناضل ضدّ مصر وإثيوبيا، لكن الاسم في جبال النوبة يستدعي ذكرى حقبةٍ تاريخيّةٍ بائسةٍ لحاكمٍ عنيف. أما جنوباً في الاستوائية فلا يعني اسم أبوقرجة شيئاً. بالنسبة للجنوبيين، لا يحرّك اسم شارع زبير باشا في الخرطوم حسّهم القومي. فما الزبير عندهم إلّا تاجرُ رقيق. وهذه المهنة تغيب عن صورته التي يستحضرها السودانيون شمالاً، مقاوماً لنفوذ مصر الخديوية فرضَ سيادته على مناطقه دون تدخل خارجي بريطاني أو مصري تركي، ولذا فهو بطلٌ جديرٌ بأن يسمّى شارعٌ بِاسمه.                                            

****

في طريق العودة إلى الخرطوم نهاية العام الماضي توقفنا لسببٍ لا يعلم كُنهَه سوى السائق نفسه. كنت أجلس بمحاذاة النافذة، وأتت سيدةٌ بتعابير غامضةٍ على وجهها وبابتسامةٍ تشبه ابتسامة النساء من بلاد أمّي. وسألتني بعربيّةِ جوبا: “إتّا بنيّة بتاع غرّابة؟”. أومأتُ لها بالنفي، فأردفَت “بنيّة بتاع شُلُلُك؟”، تقصد قبيلة الشلك الجنوبيّة. عندها تحسستُ “طابورا”، وهي وسومٌ تُرسم بالحديد والنار على الجبين ولكلّ قبيلةٍ علاماتها، وهميّاً على جبيني ولم أجده البتّة. فكرّرتُ النفيَ بالإيماء. واصلت السيدة تقصّيها بإصرارٍ، وهذه المرّة كان الارتباك واضحاً على وجهها أكثر من ذي قبل: “طيب بنيّة بتاع دينكا؟”، وهي قبيلةٌ جنوبيّة أُخرى. أجبتها: لا. فقالت “بنيّة بتاع شنو خلاص؟”. أجبتها “بنيّة ساي”، أي لا أنتمي لقبيلةٍ، وضحكنا. ولمّا تحرّكنا مساءً قاصدين مدينة الدويم، جلست المرأة بمحاذاتي. لم نتحدث أبداً حتى الغداةِ عند وصولِنا الخرطوم، وحينها افترقنا دون كلمةٍ واحدة.

 نشأتُ في منزلٍ يعجّ بهوياتٍ ثقافيةٍ مختلفة. فأمّي من الجنوب وأبي من الغرب، ولي إخوةٌ من الشمال من أمّي، ولدينا زيجاتٌ من قبائل مختلفةٍ، وأقاربُ مترامون في كلّ شبرٍ من البلاد. كثيراً ما سألني الناس “من أين أنت؟”. بالطبع يمكنني أن أجيب إجابةً بسيطةً، أنا فلانة ومن كذا، لكني أحسُّ بالزيف فور إقدامي على ذلك. وفي أحسن الأحوال أسردُ تاريخاً طويلاً عن التشكُّل الهويّاتي الذي نشأتُ فيه. ففي البيت الذي وُلدت فيه السودانُ كلّه، بميراثه من الفشل والنجاح، بقبائله ومدنه وعاداته وتقاليده. وهذا التنوعُ الرهيب الغنيّ غنىً أوسعُ من أن يقع على كتف شخصٍ واحدٍ، مثلي أنا. في رحلتنا رأينا الخنادق محفورةً حول المدن. كل شيءٍ كان يوحي بالحرب. أوّلاً في رَبَك، ثمّ عسلاية، ثم الجزيرة أبا، فيما بعد الشوّال والكوَّه، وهكذا دواليك حتى الدويم. خلّفنا النيلَ بعد الجسر مباشرةً. بدا منحسراً بمقدارٍ بادٍ للعيان. فكّرتُ: “يا ترى، هل هذا انحسارٌ موسميّ؟ مذ متى أصبح النيل بخيلاً هكذا؟ منذ متى وهو يتراجع القهقهرى؟”. لا أعرف. ما أعرفه هو أن هذا النيل شاهدٌ منذ الأزل على كلّ شيء. وفي تلك اللحظة تحديداً بدا لي عجوزاً ملولاً، منهكاً وفقيراً، هادئاً ووحيداً، يشبه السودانيَّ اليوم.        

 

****

قبل رحلة نزوحي الأخيرة إلى أقصى جنوب السودان، وبعد شهورٍ من توقّف الاشتباكات في جنوب الخرطوم، ظهر الطيران الحربيّ في سماء المدينة مرة أخرى. استيقظنا على موجات نزوحٍ واسعةٍ وافدةٍ من المناطق المجاورة لسلاح المدرعات. وتكرَّر ما شهدتُه في شهور الحرب الأولى. خوفٌ وهلعٌ وانهيارٌ نفسيٌّ أفراداً وجماعاتٍ، وموجات نزوحٍ كاسحة. أصوات الأسلحة بمختلف أنواعها وازدياد وتيرتها وانقطاع التيار الكهربائي، وإغلاق الطرق والعودة إلى العزلة القسرية، المفروضة سلفاً منذ بداية الحرب، والترقُّب، ما التالي؟ قررتُ النزوح مرّةً أخرى. هذه المرّة أخذَ الطريق من عمري شهرين. تنقّلتُ بين ولاياتٍ ومدنٍ كثيرةٍ وحدي. حاول الجميع أن يثنيني عن هذا القرار. امرأةٌ وحيدةٌ في الثالثة والعشرين تسافر وتقطع الحدود في رحلةٍ شاقّةٍ على ثلاث جولات. قضيتُ أياماً طويلةً أسافر برّاً في مناطق سيطرةٍ عسكريةٍ ومدنٍ مُعسكرة. الجولة الثانية كانت بحراً طيلة أربعة أيّامٍ شاقّةٍ في قاربٍ ضائعٍ مررتُ فيها بأكثر من سبعة موانئ جنوب البلاد. والجولة الأخيرة كانت ساعةً واحدةً بالطائرة من مدينة ملكال إلى العاصمة الجنوبية جوبا. وحدي في الطريق، مدّة شهرين. من حيث المبدأ، هي الرحلة نفسها التي مرّ بها أسلافي. لكن بطريقةٍ ما، رحلاتي لا تشبه رحلات أهلي، لأنني كنت وحدي على الطريق. الأيام لا تمرّ، أو ربما تدور على المنوال نفسه. لا أعرف. كأنّ الزمان توقّف أو أصابه عطب. الطعامُ مكرورٌ وبلا مذاقٍ معيّنٍ، أو أنني في لحظةٍ ما توقّفتُ عن تذوّقه. كذلك تخلَّى الجميع عن المظاهر المعتادة اليومية الأخرى. ما عدنا نحسب الساعات والأيام. وخيّم حزنٌ ويأسٌ جماعيٌ على المكان.            

    

****

في آخِر أيامي بالعاصمة الخرطوم قبل ثلاثة أشهرٍ، عندما هدأت المعارك ذات يومٍ، خرجتُ من المنزل ليلاً لأتمشّى دون التفكير في خطورة ذلك الفعل الذي يبدو ساذجاً. الكهرباء مقطوعةٌ منذ أيّام. وفي أثناء سَيري نَضَحَ منّي عَرَقٌ باردٌ ولزجٌ ومزعجٌ، أظنّه عَرَق العزلة والخوف والتوتر.

وفي هدأةِ الليل مشيتُ وكأن المشي هو الفعل الوحيد الصحيح في جملة الأشياء المحيطة بي. مشيتُ في الشوارع حول منزلي. كانت المباني العالية ترمي بظلالها العريضة على جسدي الضئيل الهشّ والمُهمَل. مشيتُ ودستُ غير مباليةٍ على الأوساخ والحجارة والأغصان المتكسرة الجافّة منذ آماد. وفكرتُ لو كان لذلك كلّه معنى. فكرتُ في الحرب وتداعياتها على الناس حولي وفي كلّ خطوط النار الأخرى في البلاد. فكرتُ في الرحيل وفي ما آلت إليه المدينة وما ستؤول إليه في الأعوام المقبلة. تبدّت ملامح يدي كاملةً إذا ما فردتُها أمامي. استغربتُ وضوحَ يدي هكذا حتى إذا ما تلفّتُ ورائي ونظرتُ نحو السماء عرفتُ سبب ذلك. كان القمر مكتملاً، جميلاً مثل ولدٍ صغيرٍ، بلونٍ يميل إلى بياض اللَّبَن. وكانت هناك تلك الغزالة منقوشةً فيه. لا أعلم لماذا، لكن دوماً ما بدت لي تلك الحُفر الصغيرة والكبيرة على سطح القمر كغزالةٍ ما، مرسومةٍ أو منقوشةٍ هناك، وحيدةً، ومعزولةً منذ الأزل. بين الحين والآخر يقطع الصمت صوت رصاصتين أو أربعٍ من مكانٍ ليس ببعيدٍ، تُنبّهك قائلةً: أنت أيضاً مثلي، ترى الحقائق. ومُذكّرةً كلّ من هناك، رغم توقف أصوات الأسلحة الثقيلة، وهدوء الليل البهيم، أن الحرب ما تزال قائمة. وربما الآن قائد المنطقة يحشد جنوده لدورة معارك أخرى مرتقبة.

وهذا السهو، المُتَمثّل في الصمت الوجيز المُدرَك، ما كان سوى وَهم. محض سلامٍ مؤقّتٍ، عمره دقائق فقط لا غير. أردّد مرّةً أخرى، رحلات نزوحي لا تشبه رحلات نزوح أجدادي، ولكن بيننا قاسمٌ مشترك. خضنا دوماً حرباً ضروساً لأسبابٍ خارجةٍ عن أيدينا. هم لم يعودوا أدراجَهم ولكنّي فعلتُ أكثرَ من مرّة. رحلةُ العودة أخذت منّي ثلاثة أيامٍ بلياليها. وعندما قرّرت الخروج من العاصمة آخِر مرّةٍ أخذت منّي الرحلة أربعة أيامٍ مرعبةٍ في الطريق. يومان في مناطق قوات الدعم السريع في طرقاتٍ مرسومةٍ بالارتكازات ونقاط التفتيش، حيث كنّا نمكث بالساعات للاستجواب. ويومان مثلهما في مناطق قوات الجيش السوداني. وبعدها مكثتُ شهرين في الطريق، وحدي. مررتُ بخمس مدنٍ مختلفة.

سافرتُ برّاً وبحراً وجوّاً حتى أصل إلى أرض أمّي في أقصى الجنوب. أرى البيت الآن فردوساً مفقوداً. أتمنّى أن أعود يوماً، مرّةً واحدةً وإلى الأبد. عودة إلى حيث انتهى الآخَرون من أسرتي، لأن البيت الوحيد الّذي أعرفه بيت أمّي. أتذكّره تحديداً ذات يومٍ، في جنوب الخرطوم بعد الثانية عشر ظهراً، وأمّي جالسةٌ أرضاً منهمكةً في تجديد لحافٍ قديم. تأتي أختي وزوجها ويجلسان. ثم نتجاذب أطراف الحديث وأمّي ما زالت منهمكةً في تجديد لحافها الوثير. يلقي زوج أختي الدعابات علينا فنضحك ضحكاتٍ خفيفةً. ثم تلتفت أمّي وتستلم دفّة الحديث، ويمضي الوقت من غير أن نشعر، وأمّي تقصّ علينا قصص الطفولة والشباب.


-----------

نُشر في مجلة "الفِراتْس" بتاريخ 2025-03-12، تحت عنوان " السودان المفقود.. يوميّات امرأة سودانية في أيام الحرب".

لقراءة المقال في مصدره:

https://alpheratzmag.com/experience/20250301201/?fbclid=IwY2xjawI_rH9leHRuA2FlbQIxMQABHSg1J4hKe4ZHxkqf0QuVUqo3cW0GpnVu5kNEAqKBY_NPrXmK0xcsgaw6Ag_aem_5c9kP1OcKag1ZbZcHrY86g

----------

اللوحة بعنوان " النزوح المجهول"، للفنان السوداني "صالح عبدو".

الأحد، 2 مارس 2025

بَابُور كُسُونَا (فَصْلٌ مِنْ رِواية)

 بقلم/ تسنيم طه

      مسودة التهجير...أو الشتات

      القطار 1964

أول مرة ركبتُ فيها القطار، كنتُ طفلًا في الثامنة، رافقتُ جدي ووالدي إلى الخرطوم.

 ثم مرت سنوات، أصحبتُ فيها رجلًا، وتزوجتُ فيها من أرحيلة ابنة خالتي؛ قبل أن أركب القطار مرة ثانية في اتجاه العاصمة لقضاء شهر العسل.  كانت زوجتي تريد الصعود شمالًا إلى القاهرة والإسكندرية، لكنها احترمت رغبتي رؤية الخرطوم الجديدة بعد نيل السودان استقلاله عن الاحتلال البريطاني قبل شهر، لمقارنتها بما رأيته قبل 23 عاما، يوم قاطع فيه ذلك الرجل البدين حواري مع جدي عن معاوية محمد نور، ليبدي تضجره من نسيان الإنجليزي أمر تطوير بقية مدن السودان وصب اهتمام وجهودهم على العاصمة المتنعمة مسبقًا بدور سينما وبارات ونوادي ثقافية ومكاتب بريد ومستشفيات ومدارس وجامعات وأحياء سكنية مخططة وطرق مواصلات معبدة وخطوط سكة حديد وغيرها من الخدمات.

وخلال تسع بعد زواجي، لم آخذ قطار "اكسبريس حَلْفَا" جنوبًا إلا للسفر إلى عطبرة أو شَنْدِي  حيث عملتُ معلمًا، دون أن تراودني فكرة الذهاب إلى العاصمة، بعد نسياني حلمي القديم بأن أصبح صحفيًا مشهورًا، وانشغالي بالإنفاق على عائلتي الصغيرة.

كنتُ أحب قطار "اكسبريس حَلْفَا" أثناء تنقلاتي المهنية تلك، وأتلهف لعيش جمال لحظات مروره بمحطة "أبو حمد" في الرابعة صباحًا، حيث تمتزج أصوات الديكة والعصافير ونداءات المساجد لصلاة الفجر مع أصوات الركاب المتحمسين، وهم يتدافعون نحو الباعة لشراء العجوة الشاي والفول السوداني والتسالي والنبق، متسابقين نحو بائعات الشاي لتناول الزلابية المصاحبة للقهوة بالزنجبيل أو شاي اللبن المقنن بالقرفة.

لكن حبي لذلك القطار وذكريات الجميلة معه طوال سنوات، تحولت اليوم إلى نقمة وحقد وغضب وتشاؤم، وأنا لا أرى فيه سوى ماكينة شؤم تريد اجتذاذنا من جذورنا لتلقي بنا إلى مصير مجهول.  

ولم أدرِ إلى أين أهرب من تزايد رغبتي في اغتيال عَبُّود، وتصاعد ألمي وقهري أمام منظر دموع الرجال والنساء وتدافعهم منكسرين ليتكدسوا داخل قطار الشؤم، يغلف وجوهم الحزن والقهر وكلاحة قلة الحيلة أمام ترحيل قسري وترك أراضيهم التي أجبروا على بيعها للحكومة بثمن زهيد، بعد تخديرهم بوعود تعويضات لن ينالوها أبدًا.

ظللتُ واقفًا اصغي لوالدي يشارك بصوت مخنوق بقية الرجال في الندب على الفدادين الزراعية ونخيل التمور وبيوت الطين التي تشاركوا عجن طين جدرانها بمياه النيل وسقفوها بجريد النحيل الملون، والحسرة على تاريخ سيطمر بمياه الخزان، وتجديد الحداد على أموات لن يستطيعوا زيارة قبورهم لقراءة الفاتحة على أرواحهم، وأخرهم أمي، التي أصابها قرار عَبُّود بفاجعة لم تتحملها فماتت كمدًا.

شعرتُ بقلبي ينفطر أمام عجزي على تهدئة والدي الذي كان ينتحب بحرقة ويكاد يموت كمدًا أثناء مناجاته شواهد قبور والديه وقبر أمي، التي انتزعها ووضعها داخل كيس مملوء بحفنة تراب قبورهم، كغيره من سكان البلدة الذين انتزعوا شواهد قبور أحبابهم، واقتلعوا بعضًا من سعف أشجار نخيلهم، ليأخذوها ذكرى منها قبل أن تغرقها المياه بعد رحيلهم. 

ولما ضعفت مقاومتي، استسلمتُ وتركتُ العنان لدموعي وانفجرتُ في نحيب محموم، أشارك أبي وبقية المنتحبين، رجالا ونساء، البكاء على تاريخ وحضارة بلدة سيمحى بضغطة ذر. لا أدري كم مر من الوقت، مسحتُ فيه دموعي بكم قميصي، واستحضرتُ فيه بوجع حكايات جدي القديمة عن أهله الشجاع المشارك أغلبهم في معارك السودان ضد المحتلين (أتراك وانجليز ومصريين)، وحمدتُ الله أن رحل في موته سعيدًا بعد شهر من حضوره زواجي من أرحيلة واستقلال السودان عن الانجليز، ولم ينتظر ليشاهد هذا الشتات الذي حُكم علينا به. 

 ولما هدأتُ ورفعتُ رأسي لأتفقد حال زوجتي، تفاجأتُ بخلو عينيها الكحيلتين من آثار الدموع، خلافـًا لبقية النساء، واستعجبتُ من اشعاع وجهها النحيل بوميض تفاؤل، لا يتناسب مع تعبها في الأيام الماضية وانهماكها في تحزم الأمتعة رغم انتفاخ بطنها بالحمل، مقسمة ألا تترك وراءها شيئًا لتطمره الماء. ولم أعرف إن كان سر هدوءها وصفاءها هو بقايا رضى البارحة بعد أن رافقتنا للإلقاء الوداع الأخير على النيل والجروف واشجار النخيل؟ أم أنه بسبب رؤية قلبية جعلتها تأمل أن يكون فألها حسنًا في مقرنا الجديد بمنطقة خَشْم القِرْبة في أرض "البُطَانة"؟

عاد الحزن ينهش قلبي، عند استرجاع مشهد البارحة الجنائزي لوداع النيل، المختلط فيه هدير الأمواج بعويل النساء وبكاء الرجال وتمخطهم بصغب في أكمام جلابيبهم البيضاء، اثناء تلويحهم له بسعف النخيل.

دققتُ في وجه زوجتي، فخيل إليَّ بأنها تبتسم بشرود لم أجد له تبريرًا سوى احتمال أنها غارقة في ذكرى لقائها بأمهما خالتي ست البنات، التي جاءت برفقة ابنتها بتول من أسوان الأسبوع الماضي لوداعنا قبل انتقالنا إلى "حلفا الجديدة"، أو في ذكريات سعيدة بعيدة كاحتفالات "عاشوراء" في "أشكيت"، أيام كنا نحرص للذهاب لحضورها عندما نعلم بأنهم سيحيونها بأغنيات الفنان النوبي "حمزة علاء الدين"، فتكون مناسبة للعروج إلى أسوان لزيارة والدتها  التي تتركنا نغادرها مالم نكمل معها أسبوعًا تكون قد حضرت لنا فيه كميات من السمن البلدي والدجاج والبط والفسيخ لنعود بها إلى وادي حَلْفَا.

وأثناء تمزقي بين ألمي من مشاهدة نحيب رجال بشوارب ولحى، وبين استعجابي من حياد وجه زوجتي، كان سمعي يُخترق ببكاء أطفال جوعى وبصيحات نساء حبلات من المقصورات المجاورة واتهن المخاض، ثم بصرخات حياة لأطفال كتب عليهم أن يروا النور في قطار الشؤم.

ولم أفِق من شروي في تأمل تلك التراجيديا، إلا لحظة دوي صرخة زوجتي التي أصابتها عدوى المخاض، أو ربما هي حركة القطار، ما أجبرتها أن تضع حملها قبل ميعاده بشهرين؛ ليموت الطفل بعد ساعتين من اطلاقه صرخة الحياة، ليؤرثني حقدًا إضافيًا على قطار التهجير: بابور كسونا.  

 -----------------------

من رواية "سهام أرتميس"، الصادرة عن دار "مسعى 2023

الجمعة، 24 يناير 2025

قِصَّة قَصِيرة :هُنَا أُمْ دُرْمَانْ

 بقلم/ تسنيم طه


كان لون شعرها البنفسجي، هو أول ما لفت انتباهي، ثم الضحكة الرنانة التي أطلقتها بعد أن همس لها رفقيها بجملة لم تمكنني الضوضاء حولنا من سماعها.  تقدمتُ نحوها بحماس وبادرتها الحديث بدون تردد:

-         مساء الخير، معكِ برنامج "صوت الشعب"! هل تقبلين الظهور معنا على التلفاز؟

فطالعتني بعينين تشع منهما البهجة والطموح، قبل أن تجيب بحماس:

-         بالتأكيد، بكل سرور.

شكرتها، ثم بادرتها بسؤال عن سر لون شعرها المميز، فرسمت ابتسامة فخورة على شفتها المكتنزتين المطليتان بأحمر شفاه قرمزي، ثم أخذت تشرح بأنها تضيف للحناء الأصلية القادمة من مدينة "الدَّامَر"، مطحون قشور الباذنجان المجففة وعصير البصل الأحمر ومنقوع الزعفران والكركديه والشاي، قبل أن تضع الخليط على شعرها مدة ليلة كاملة. ابتسمت لها بامتنان وشكرتها على سر الخلطة، ووعدتها بأن أجربها. ثم مددتُ لها الميكروفون وأنا أظن بأنها ستشرع في تهنئة أقاربها بالسنة الجديدة وتهنئة الشعب السوداني في الاحتفالات بالذكرى الـ 62 للاستقلال عن الاستعمار الانجليزي. لكن ظني خاب، وتحول حماسي إلى توتر، ما أن افتتحت الفتاة العشرينية كلامها برغبتها توجيه رسالة إلى والي الخرطوم؛ مادام أنها ستظهر لأول مرة على شاشة تلفاز. حاولتُ التحكم في شعوري بالتوتر وأنا أشرح لها بأن هدف الاستطلاع ترفيهي؛ لإعطاء الناس فرصة لتبادل التهاني بمناسبة رأس السنة الميلادية المتزامنة مع ذكرى أعياد الاستقلال، لأهاليهم وأصدقائهم مع الالتزام بعدم التطرق للسياسة، وخاصة............

لكن الفتاة العشرينية ذات الخصلات البنفسجية لم تتركني أُنهي جملتي، وشرعـت فورًا في ثرثرة اندفعت من فمها كاندفاع المياه في خرطوم سيارة مطافي تخمد حريقًا كبيرًا:

أيها الوالي، اسمح لي أن أوجه لسعادتك، من هذا المنبر رسالة ضرورة الاهتمام بأمر تنظيف ولاية الخرطوم من النفايات التي غيرت ملامح المدينة، وجعلتها مرتعًا للكلاب والقطط. وأن أبلغك احتجاجات الشعب على تتالي الإدارات غير المكترثة لأمر هذه المدينة البائسة المنهوبة خيراتها. هل تدري أن الشعب على علم بأن هناك أموالًا طائلة تدخل جيوب الأفراد بدل من أن تذهب لخزينة الدولة وتساهم في تنمية هذا البلد؟ أخبرنا بالله عليك، كيف كان سيكون الحال، لو أعيد بناء خارطة البنية التحتية للمدينة تطويرها بمواصفات عالمية؟ هل كان سيتوجب على المدارس أن تغلق أبوابها سنويًا وتؤخر الطلبة، بسبب السيول والأمطار التي تحول الشوارع إلى برك من الطين؟

نحن لا ننكر الجهود التي قمتم بها لتطوير شبكة المواصلات، وجلب حافلات وباصات بمواصفات عالية كباصات الأكورديون من كوريا والصين واليابان من تايوان وأوروبا، وافتتاح خطوط ميترو قللت بعض الشيء من الاكتظاظ المروري. كما أننا نقدر محاولتكم إدارة هذه الكثافة السكانية التي اجتاحت العاصمة في هذه السنوات العشر الماضية. فالخرطوم أصبحت اليوم مركزًا تجاريًا يوفر فرص عمل لكثير من الشباب العاطلين عن العمل، جاء معظمهم من بقية أقاليم السودان، وبعضهم من الدول المجاورة، خاصة بعد افتتاح خط السكة حديد الذي يربط بين موانئ شرق إفريقيا البحرية في بورتسودان وسواكن في السودان، ومُصَوَّع في إريتريا، بدول وسط وغرب إفريقيا؛ ليصبح اليوم خط قطارات "بورتسودان-الخرطوم-الأُبِيِّضْ-الفاشِر- الجِنينة" الواصل غربًا حتى العاصمة   التشادية "انجمينا"؛ معززًا ليس فقط للاستثمارات التجارية والسياحية، ولكن أيضًا للسياحة الروحية، وذلك بتوفير طريقًا لحجاج غرب إفريقيا إلى بيت الله، يشابه "درب الأربعين" في الماضي.

لكن اسمح لي يا سعادة الوالي أن أعيب عليكم إهمالكم للسياحة التي لو كرستم لها بعض الجهود، ستصبح مصدرًا اقتصاديًا جديدًا للبلاد. فالسودان يمكن أن يصبح بلدًا مضيفًا بموصفات عالمية راقية، تجتذب السياح من جميع أنحاء العالم وتوفر لهم إمكانية زيارة منتجعاته ومحمياته الطبيعية واهراماته وبقية مواقعه الأثرية حيث مدافن الفراعنة السود، ملوك وكنداكات حضارة "كوش"، إحدى أقدم الحضارات في إفريقيا، ذات الأثر الكبير في الترابط بين حضارة أخرى مجاورة، مثل حضارة "الفراعنة" في مصر، وحضارة "أكسوم" و"عدوليس" في شرق إفريقيًا، وحضارة "سبأ" و"أوسان" في اليمن.

فالطفرة التي حدثت في الخرطوم في السنوات الأخيرة كبيرة جدًا، حتى سكان الخرطوم أنفسهم لا يكادون يصدقون هذا التحول المفاجئ في ديمغرافية المدينة وخريطتها الجغرافية. لقد تغيرت ملامح المدينة بعد قيام أبراج سكنية وأخرى لشركات ومؤسسات متعددة الجنسيات، وأصبحت تسمع في الشوارع لغات أجنبية عالمية ومحلية كثيرة، نتيجة هذا المزيج من ثقافات العالم، الذين اجتذبتهم المدينة الجديدة. شعوب جاؤوا من مختلف بقاع الأرض من أجل الاستثمار ومقابلة رجال أعمال آخرين وفدوا من غرب افريقيا من النيجر ونيجريا والسنغال وساحل العاج وموريتانيا وليبيا وتشاد؛ لكي يؤسسوا شركات استيراد وتصدير لن يتوجب عليها عبور قناة السويس ثم البحر المتوسط، أو الدوران عبر رأس الرجاء الصالح في رحلة طويلة، لوصل البحر الأحمر بالمحيط الأطلسي، بعد افتتاح خط السكة حديد "بورتسودان-الخرطوم-الأُبِيِّضْ-الفاشِر- الجِنينة- انجمينا "، المفترض أن يصل قريبًا حتى "داكار"، على المحيط الأطلسي.

وبعد هذا الإطراء، اسمح لي يا سعادة الوالي أن أوجه لكم لومًا أخيرًا: لماذا وافقتم على توقف خدمة المواصلات العامة من خطوط ميترو وترام وباصات وحافلات في الساعة الحادية عشر مساءً، بينما في بقية عواصم العالم الكبرى، تستمر الخدمة حتى الواحدة صباحًا وفي بعضها تستمر طوال الليل؟

-         هل تظننين بأنكِ تعيشين في نيويورك أم في باريس حتى تستمر خدمة المواصلات العامة حتى الصباح؟ أم أن بقية أيام العام ستتحول إلى أعياد لكي تستمتع هي بالسهر حتى الفجر؟

يا إلهي!، بلعتُ غصتي دون أن أستطيع البوح لذات الشعر البنفسجي بغيظي من طموحها الشاطح، لأنها لم تعطني فرصة وهي تتابع ثرثرتها، معبرةً أسفها لاضطرارها مغادرة صالات السينما هي وخطيبها قبل انتهاء فيلم الساعة العاشرة والنصف مساءً؛ حتى لا تتأخر في العودة إلى البيت وتتحمل تعنيف والدها، ولكيلا يضطر خطيبها أن يدفع لها ثمن أجرة تاكسي ويستنزف مدخراته المتواضعة، وهو حديث التخرج مثلها، ويسعى بكامل جهده في العثور على وظيفة في هذه المدينة المجنونة، الفائرة باجتياح وفود المستثمرين الوافدين إليها من كل مكان.

ثنيتُ لساني ووضعته تحت سقف حلقي حتى لا أنفجر من الغيظ، قبل أن أتشاغل بتأمل المارة وهم يلتفتون نحونا وينظرون بفضول للفتاة المتأنقة وهي تمسك الميكروفون بإحكام وكأنه سيطير منها. ولولا الملامة وخشيتي في أن أنعت بالهمجية، لكنتُ انتزعتُه منها بقسوة ولطمتها على فمها؛ لكي تتوقف عن الثرثرة. لكنني صبرتُ نفسي، قائلة في سري: لا بأس، درسٌ جديد من الحياة لكي أتعلم الصبر. وهكذا واصلتُ تصبير نفسي بالتشاغل بتأمل وجوه المارة الفضوليين، عاقدة العزم الطلب من فريق المونتاج حذف هذه الفقرة، قبل إذاعة غدًا على قناة "أُم دُرمان".

"هنا أُم دُرمان، إذاعة جمهورية السودان"، هذه هي الافتتاحية التي كنتُ أبدأ بها عندما كنت في قسم الأخبار. تذكرتها الآن، وهونت على غيظي من ذات الشعر البنفسجي، لكنها نقلتني لذكرى بعيدة، استعدتُ معها ذِلة الإعلامي "أيوب صديق"، الذي بدل أن يفتتح برنامجه على إذاعة الـ"بي بي سي BBC"، بجلمة "هنا لندن" أخطأ وافتتحه بجملة: "هنا أُم دُرمان". لكنه تدارك الموقف سرعة بتلاوته فورًا لبيت شعر أحمد شوقي:

وطني لو شُغلتُ بالخلد عنه،،،نازعتني إليه في الخلد نفسي.

ومع ذهابي بعيدًا في الذكريات واسترجاع تعليق الدكتور عبد الله الطيب " أصاب أيوب صديق حين أخطأ"، نسيت غيظي من الفتاة، وانتبهتُ أخيرًا لخطيبها الواقف بجوارها كصنم. تأملتُ برهة شعره اللامع، وتمنيتُ لو أسأله إن كان حقًا جادًا في مشروعه الزواج بهذه الفتاة الثرثارة. وأثناء تأملي في شعر الخطيب اللامع، لاح لي من وراءه كومة قمامة تنبش فيها القطط. فأخذتُ أجول ببصري في المكان بتفرس؛ لأقع في حيرة وتشوش، عندما لم أعثر على أبراج سكنية ولا مباني لشركات عالية ذات نوافذ زجاجية، ولا لرجال أعمال يرتدون البدلات الأنيقة وربطات العنق الفخمة. تأملتُ البشر المسرعين في مشيهم الشبيه بالهرولة وهم يتسابقون ليصعدوا على مركبات المواصلات العامة المتجهة إلى الخرطوم وأُم دُرْمان وضواحي شمال بَحْري، وانتابني ذهول وحيرة. فملتُ ناحية الخطيب الصامت كخيال المآتة، وسألته ألا يرى أن خطيبته تبالغ كثيرًا في كلامها عن الخرطوم. ابتسم بعدم اكتراث، واكتفى بهز كتفيه دون أن ينطق بكلمة واحدة.  تنامت حيرتي، فسألته باستغراب: نحن في أي عام؟ فأجاب بهدوء دون أن يرمش له جفن: يناير 2031.

-         2031؟ مستحيل!

-         بل حقيقة. والدليل على ذلك الاحتفال باكتمال مشروع "رؤية" بالمملكة العربية السعودية العام الماضي، ووصول خط الميترو رقم (1) في باريس من ضاحية "لاديفانسLa Défance " الشرقية، حتى ضاحية "فال دو فونتونيه الغربية"، وفي الأرجنتين يقولون بأن المسيح سينزل هذا العام.

حدقتُ فيه بدهشة، ولم أنجح في النطق لتصحيحه بأننا بالكاد في يناير 2017، وبأنه وخطيبته يهذيان، لأن لساني انعقد وانشغل بمتابعة فكري المشوش بالأسئلة التي كانت تدور داخلي رأسي كدوران حمار الرحى: متى تطورت الخرطوم وأصبح فيها خطوط سكة وميترو أنفاق؟ ومتى توقف أبناء شعبها عن مواصلة المواكب والمظاهرات الاحتجاجية، وعن تخريب الشوارع بالتماريس الحجرية وبإطارات السيارات المحروقة؟ وهل اتنبه حكامها أخيرًا إلى أنه لا طائل من الصراعات السياسية والنعرات العنصرية والقبلية؛ لأنها لن تساهم في مشروع التنمية، بل ستقود الجميع إلى التهلكة؟

واصلتُ بلع لساني والاحتفاظ بأسئلتي لنفسي؛ لأتن هذا النوع من التساؤلات لا يحق لي البوح به والتصريح أمام الملأ، ما دمت أعمل في الإعلام؛ وإلا سيتم تصنيفي على أنني كذا أو كذا، وقد أفقد وظيفتي بين ليلة وضحاها. تأملتُ الفتاة وشعرها البنفسجي، ثم ألقيتُ نظرة ناحية المصور وغمزتُ له غمزة ذات مغزى. وبعد أن استجمعتُ شجاعتي، تقدمتُ خطوة جريئة، قبل أن أخطف من يدها الميكروفون بقوة، وتراجعتُ بسرعة للوراء لأنظر بتشفي في عينيها وهي تطالعني بذهول، وكأنني تعديتُ على أحد ممتلكاتها. وبعد أن أصدرتُ تنهيدة انتصار وجهتُ حديثي لها:

-         شكرًا على مداخلتك القيمة، رسالتك ستصل حتمًا إلى والي الخرطوم الذي....

لكنها فاجأتني بحركة مباغتة وخطفت الميكروفون من يدي.

-         لديَّ رسالة أخرى أريد توجيهها إلى والي الخرطوم!

نطقت جملتها ثم شرعت في شكوى جديدة من ازدحام المدينة وتضاعف عدد سكانها الذي تجاوز العشرة ملايين، قبل أن تطالب الوالي بإعادة التفكير في زيادة خطوط الموصلات ومد خطوط الميترو؛ لكي تصل حتى مدن الضواحي البعيدة، مقترحة عليه أن يفكر في حلول بديلة مثل تشجير المدينة للتخفيف من شدة حرارة الجو وتنقية الهواء من عوادم السيارات، وإغراء عاشقي الدراجات أن يتخلوا عن السيارات، وأن يتهم بخطوط التُّرام، خاصة خط تُرام "شَمبات السوق المركزي -الخرطوم أبو جنزير"، الخط الذي تركبه يوميًا للذهاب لوظيفتها في وسط الخرطوم.

-         أيتها الكاذبة، ألم تقولي إنك وخطيبك حديثي التخرج وتبحثان عن عمل؟ يا إلهي! أخرجني من هذه الورطة؟

لم تسعفني شجاعتي لأن أبوح لها بهذه الجملة التي وقفت في حلقي كغصة أخرى، بسبب انشغال آخر مني بتحيين فرصة تسمح لي بخطف الميكرفون منها. ولما حانت هذه الفرصة، التي ملأتني بشعور انتصار جديد ومشاعر تشفي، تراجعتُ إلى الوراء؛ لأقرأ في عينيها نفس الذهول من ردة فعلي، وكأنني تعديتُ على أحد ممتلكاتها. وتجنبًا لأن تباغتني مرة أخرى، وليتُ لها ظهري واستدرتُ ناحية خطيبها الصامت وسألته إن كان يريد قول كلمة أخيرة قبل أن نختم هذ اللقاء. وكانت تلك حجة مني لكي أتخلص منهما، لأن المصور كان قد توقف عن التصوير منذ أن غمزتُ له.

 لم يرد الخطيب على سؤالي بسبب انشغاله بالتحديق في شيء ما ناحية بائع الكتب المفروشة على الأرض. دفعني الفضول للالتفات ناحية تركيز بصره، فانتابتني دهشة عند ملاحظة مخرج محطة ميترو مكتوب على لافتة تعلوها بالخط الأزرق العريض "بَحْري-المحطة الوُسطى. تساءلتُ باستغراب عن عدم رؤيتي لها من قبل، وتفاقمت دهشتي أثناء تحديقي في حشود البشر الخارجة من تحت الأرض عبر فتحة سلم المحطة العريض، تحكي سحناتهم وألوان بشرتهم وطريقة ملابسهم المختلفة عن تنوع أصولهم الجغرافية، وتؤكد صحة كلام ذات الشعر البنفسجي في رسالتها للوالي قبل قليل: أثيوبيون وصوماليون وأريتيريون...يمنيون ومصريون وسوريون....سينغاليون وتشاديون...سودانيون من مختلف أقاليم السودان، جنوبيون وشماليون وغرابة وأقباط وهدندوة.

 تابعتُ تتدافع الجوقة البشرية المتدافعة وهي تدخل أو تخرج قبل أن تتفرق ويختفي معظم أفرادها داخل الكافتيريات والمطاعم المنتشرة حولنا، ولاحظتُ توجه أغلبهم ناحية محل "علي إبراهيم للعرديب". ثم وقعتُ في حيرة أخرى، لما لفت انتباهي تغيير لافتة المحل الشهير في منطقة بحري ببيعه لأفضل عصير محلي سوداني لعلاج الملاريا، ليصبح "بَحْري الجديدة للعرديب". تأملتُ صورة الفنان "على إبراهيم اللَّحَوْ" وتساءلتُ إن كان ماتزال هناك علاقة بصورة هذا الفنان وباسم المحل الذي مررتُ من أمامه كثيرًا أيام الثانوية، عندما كنتُ آتي لزيارة صديقتي القبطية في بيتهم في "حِلَّة حَمَد".

خرجتُ من تساؤلاتي عندما اجتاحتني رائحة أكل، يفوح منها خليط البهارات الممزوجة برائحة أضلاع لحم الضأن "الكُستوليتة"، ورائحة شيش الطاووق والزغني والأنجيرا الأثيوبية والسلتة اليمنية، ومخبازة بورتسودان، روائح شهية حركت فيَّ الجوع، وأنستني مكاني وما أقوم به من مهمة. لكن يد الخطيب الممدودة لي بحماس، أعادتني إلى الواقع.

سلمته الميكروفون بحذر خشية أن ينتهج نهج خطيبته. وبعد أن تنحنح ومسح بيده النحيفة على شعره الممشط للوراء بكتلة من الفازلين يسيل جزء منها على جبينه العريض، بدأ بتهنئة الشعب السوداني بالعام الجديد وبذكرى أعياد الاستقلال المجيد، قبل أن يعبر عن نيته بأن يتزوج في هذا العام، بخطيبه ورفيقة دربه منذ أول يوم في قاعات الدراسية الجامعية. ثم صمت برهة والتفت لينظر في وجهها ليقرأ وقع كلماته عليها، قبل أن يضيف بأنه قرر قضاء رحلة شهر العسل بين الأورجواي، بلد كاتبه المفضل "إدواردو غاليانو"، مؤلف رواية "الأيام" أجمل كتاب قرأه على الأطلاق، وبين الأرجنتين بلد "ليونيل ميسي"، لاعبي المفضل في كرة القدم؛ لينطلقا بعدها لاكتشاف بلدان أخرى من أمريكا اللاتينية، أهمها البرازيل، حيث نهر الأمازون وغاباته الكثيفة، التي تمثل أحد نقاط التوازن لحماية هذا الكوكب من تهديدات التلوث. اهدته خطيبته ابتسامة عريضة اثناء ازاحتها لأحد خصلاتها البنفسجية للوراء بحركة ذات غنج. بادلها الابتسامة ثم مرر يده مرة أخرى على شعره اللامع قبل أن يضيف أثناء غمزه لها بعينه اليسرى:

-          ولكن بشرط أن تتنازل عن شرطها في الزواج مني في أن تكون العصمة في يدها.

وهنا أطلقت الفتاة صرخة هستيرية، جذبت نحونا نظرات فضولية إضافية، قبل أن تطلب من المصور أن يوقف التصوير؛ حتى تلقن خطيبها الدرس الذي يستحقه مع بداية هذه السنة.

تنفستُ الصعداء وابتسمت بمكر؛ لأن التصوير كان قد توقف بالفعل منذ أن غمزت للمصور لحظة بدء الفتاة في بث رسالتها الثانية الى والي الخرطوم الذي لن يسمعها أبدًا.  أطلق الخطيب المسكين ضحكة متوترة قبل أن يسحب كلامه بطريقة درامية:

-           انتي صدقتي؟ دي كذبة يناير 2031. أنا عارفك ما ح توافقي تتنازلي عن العصمة زي ما أنا ما ح أوافق أتنازل عنك.

تابعتُ ملامح خطيبته تلين ثم تبتسم له، وتخيلته يقول في سره بمرارة، أثناء مبادلتها الابتسام بافتعال: يبدو أنني لن أجد فتاة تقبل التنازل عن امتلاك العِصْمَة في هذا الزمن العجيب، الذي تطاولت فيه النساء بنيل حقوقهن، وبالغن في انتهاج الندية مع الرجل.

في هذه اللحظة دوى صوت انفجار قوي، تبعته صرخات هلع وخوف ثم تنظيرات عن سببه، فسره البعض على أنه لابد انفجار كهربائي في أحد المحلات التجارية التي تشغل مولدات كهربائية كبيرة تسمح لها بعد التوقف عن العمل عن انقطاع التيار الكهربائي عن المدينة، وبعضهم افترض بأنه صوت رصاص، ولابد أن هناك قناصة في أحد أسطح المباني حولنا.

-         قناصة؟ ولكن لماذا؟

سألتُ ولم أجد أحدًا يجب على سؤالي. ثم ارتعدت فرائصي، لما رفعتُ رأسي ولمحتُ القناص في أعلى المبنى المقابل. فخطفتُ الميكروفون من فم الخطيب، وبدأتُ أتلثم دون أن أعرف كيف أتصرف وماذا أقول لكي أنقل هذا الخبر على الهواء مباشرة. ولما تذكرتُ أنني أقوم بتسجيل برنامج ترفيهي لكي أبثه غدًا على إذاعة صوت الشعب، خطر ببالي فتح هاتفي، لنقل الخبر الجلل في بث مباشر على صفحتي على الفيس بوك.  لكن قبل أن أفعل، دوى صوت انفجار آخر أقوى، دفع بالمصور لأن يرمي بالكاميرا ويركض في أثر الهلعين وهم يتبعثرون شرقًا ناحية الكنيسة الإنجيلية وموقف موصلات "كُوبَرْ" و"الحاج يوسِف". ظللتُ في مكاني متسمرة من الدهشة ومن الرعب، أدير رأسي كالمروحة بين بقية الأفواج التي تبعثرت في جميع الاتجاهات.

 ولما تذكرتُ ذات الشعر البنفسجي وخطيبها، وبحثتُ عنهما ولم أجدهما، رفعتُ رأسي مجددًا ناحية المبنى المقابل. ولم أدرِ إن كان ما أسمعه دق طبول الحرب في الخارج، أم دقات قلبي الذي يكاد يقفز خارج صدري من شدة الخوف، حركتي عندما لمحتُ القناص يوجه فوهة بندقيته ناحيتي. ومن فرط خوفي لم أجرؤ على الالتفات؛ لكي أتبين مصدر الصوت الذي كان يهتف باسمي:

-         نِبْراس! اركضي يا نِبْراس!

وكل ما استطعتُ فعله خلسة، أن رميتُ الميكرفون وهاتفي وحقيبة يدي بجوار كاميرا المصور، وصوبتُ بصري شرقًا وهممتُ بالركض ناحية الكنيسة الإنجيلية وموقف موصلات "كُوبَرْ". لكن قدماي خانتاني وتسمرتا مكانهما، قبل أن تخونني كامل قوتي وتخور؛ لأتهاوى كالخرقة البالية بجوار أشيائي، بينما ينصب في أذنيَّ من بعيد الصوت الهاتف باسمي، ويتخافت تدريجيًا:

-         أجري يا نِبْراس! ما تقفي مكانكِ وإلا ح تموتي. يلا يا نِبْراس، أجري بسرعة .... أجري بسرعة ....بي سرعة... بي سرعة .... بي سرععععععععة!

 

*****

-         نِبْراس! نِبْراس.....قومي يا نِبْراس! ..... نِبْراااااااااس!

خرجت من كابوسها على يد أمها تهزها بعنف. ففتحت عينها بصعوبة وأخذت تتفرس في وجه أمها بذهول. لكن أمها لم تتركها تواصل فرك عينيها لتستوعب مكان تواجدها؛ إذ أخذت تكرر عليها وتتوسلها أن تسرع في النهوض. فهضت وجلست في وسط السرير، لتجده مبللًا بعرقها. فأخذت تدير عينها بين المروحة الثابتة على السقف وبين جهاز التكييف الصامت على الجدار على يسار سريرها، وتحاول إيجاد تفسير لهذا الجحيم الذي يلفها بقولها في سرها: " لابد أن التيار الكهربائي انقطع اثناء نومي"، قبل أن تتذكر أن الكهرباء مقطوعة منذ أكثر من أسبوع عن حييهم وعن أحياء أخرى في الخرطوم.

 والناس بسبب خوفهم على حياتهم، توقفوا عن التفكير في عودة الكهرباء، وتعلموا التعايش مع شدة ارتفاع درجة الحرارة التي تفوق الخمس وأربعين درجة مئوية، وكأن شمس الخرطوم تنفث غضبها على ما يفعله أبنائها فيها تخريب وفظائع.

-         قومي يا نِبْراس! قومي بي سرعة ما في وقِت!

عادت تحدق في وجه أمها بذهول. ولما لاحظت أن دموعها تسيل كالسيل وشفتيها ترجفان، صرخت بهلع:

-         في شْنُو يا أمي، الحاصل شِنُو؟

ولما بركتْ الأم على الأرض لتواصل نحيبها وصراخها، وتتوسل ابنتها بالاستعجال في النهوض وحزم بعض الأمتعة لكي يأخذوها معهم قبل مغادرتهم الخرطوم، أفاقت نِبْراس من ذهولها، ونهضت لتعانق أمها في محاولة لطمأنتها، كما فعلت كثيرًا في الأيام الماضية؛ حتى تقنعها بأنهم في مأمن في "الكلاكلة"، البعيدة عن مسارح المعارك بين الفئتين المقتتلتين، المتركزة أكثر حول الشريط الشرقي للقيادة العامة، وفي منطقة "بَحْرِي"، شمال الخرطوم. لكن الأم واصلت النواح والبكاء بحرقة، قبل أن تبوح لابنتها بسبب حزنها، الذي يفوق جميع أحزان الأيام السابقة، بعد تلقيها للتو خبر موت اختها مع أفراد أسرتها الخمسة؛ نتيجة سقوط "دانة" على بيتهم في حي "المَعْمُورة" على حدود شارع "الستين"، وخبر موت ابن صديقتها برصاصة قناص أثناء سيره في شارع "المَشْتَل" بحي الرياض؛ نتيجة تجاسره وإصراره على الخروج من البيت لإحضار الخبز لأهله من المخبز في الحي المجاور.

ألجمها عمق الحزن والخوف في عيني أمها، المنهمرة منها الدموع بغزارة. فلم تعرف أي حجة يمكنها جعل أمها ترضخ مرة أخرى لتوسلاتها، وتقبل تأجيل المغادرة، عسى أن يحدث شيء يوقف هذه الحرب، وتعود الحياة إلى طبيعتها. كانت كبقية الناس، تتابع الأخبار؛ فيصيبها الاكتئاب عند رؤية مناظر ألسنة اللهب وهي تأكل المباني والمعالم المهمة في الخرطوم، ومناظر الدماء وصور الجثث المرمية في الشوارع دون أن تجد من يدفنها.  وعندما يتفاقم اكتئابها، وتتخذ قرار اعتزال مواقع التواصل الاجتماعي ومتابعة الأخبار، ترجع رغمًا عنها؛ لتجد نفسها مضطرة لمتابعة يوميات هذه الحرب، بسبب عملها كإعلامية، بل ومراسلة لإحدى القنوات العربي. 

لكن منذ مدة، تخلت عن وظيفة المراسلة، بعد أن أقسمت عليها أمها ألا تخرج من البيت، وتعرض نفسها للخطر من أجل نقل خبر على خلفية مستشفى فارغة من المعدات الطبية، أو مبنى عريق أتلفته النيران، أو صور أفواج الناس وهم يغادرون في جماعات، رجالًا ونساء وأطفال على أقدامهم، وفوق الدواب، بعد تعذر الحصول على الوقود الذي بدونه تحولت السيارات عديمة الجدوى، كعدم جدوى الثلاجات التي تحولت لخزائن مطبخ بسبب انقطاع التيار الكهربائي طوال اليوم. منذ مدة، وهي باقية بجوار أمها في البيت، تعاني الاكتئاب من كثرة متابعة مواقع التواصل الاجتماعي، والكوابيس عندما تخلد للنوم.

-         قومي يا بتي!، عليك الله قومي، ما في زمن!

يا إلهي، هل قلبي تحجر حتى لا أقوى على البكاء على خالتي؟ أم أن نهر دموعي قد جف من كثر البكاء في الأيام الماضية؟ كانت تحاول إيجاد منطق لعدم ذرفها دمعة واحدة على خالتها وأسرتها، أثناء تفرسها في دموع أمها المنهمرة على خديها بغزارة. 

ظلت مكانها تلوك الصدمة وعدم تصديق فكرة مطاوعة أمها والسير في طريق النزوح؛ لتجد نفسها بين ليلة وضحاها منفية، تحمل أطياف مستقبل بلا ملامح، وتراكمات ماضٍ مؤلم، لبلدها الذي كم شهدت وكتبت عن جراحه، خلال مسيرتها الصحفية، وكم نقمت على أبنائه المتنافسون على السلطة، وهم يدور في نفس رحى النزاعات والصراعات الحزبية منذ عقود، دون أن يتعلموا من أخطاء الماضي، ويتجنبوا تكرار هفوات التاريخ. وأخيرًا، انهمرت دموعها، لكن ليس على خالتها وعلى اسرتها، بل على وطنها وعلى أهله، وهم يجابهون هذه الحرب الشعواء، ويعيشون صراعاتهم الداخلية مثلها الآن، بين مطرقة الخوف من البقاء وشهود الموت أو الأهوال، وبين المغادرة والنزوح، لمكان غير معروف بشكوك ومخاوف من مستقبل غير واضح الملامح.

عانقتها أمها عندما رأت دموعها، أثناء ترحمها على أختها وعائلتها، قبل أن تنهض وتعاود بمطالبتها بالإسراع في النهوض وعدم المماطلة في لملة أقل القليل من الأشياء المهمة في حقيبة سفر صغيرة، والتأكد على عدم نسيان جوازات السفر وبقية الأوراق الثبوتية، خاصة شهاداتها الجامعية، وشهادات خبرتها في العمل. وهنا وقفت الغصة في حلقها، وضاعفت من انهمار دموعها، قبل أن تتمكن أخيرًا من النطق لتسفهم من أمها التي كانت قد بدأت في لملة بعض الملابس:

-         وح نمشي وين يا أمي؟

-         بلاد الله واسعة.

أجابتها أمها دون أن تلتف نحوها. فكررت سؤالها بنبرة مخنوقة من الألم: وين يعني يا أمي؟

فقد كانت تعرف بأنه لم يعد لديهما أهل في الخرطوم بعد موت خالتها الوحيدة وأسرته، بل وحتى في بقية أقاليم السودان الأخرى، ليس لديهم أهل ولا معارف؛ لكي يذهبوا إليهم كما نزح معظم سكان الخرطوم لأهاليهم في ولايات الجزيرة أو الشمالية أو نهر النيل. 

أما غرب السودان، فأهله الآن، لا بد يواصلون النزوح منه كما فعلوا منذ حرب دارفور قبل عشرين سنة، ولكن هذه المرة، لن تكون وجهتهم الخرطوم؛ لكي يحتموا بها من لهيب الحروب، كما لن يكون لأهالي الخرطوم عزاء في أن يتوجهوا غربًا. ظلت تحدق في وجه أمها بتأهب لأجابتها؛ حتى تكرر محاولات اقناعها بأن البقاء في بيتهم النائي عن وسط الخرطوم، سيظل أفضل الخيارات. على الأقل ما يزال هناك القليل من جيرانهم، الذين يشبهونهم في الأحوال، والذي ولدوا وعاشوا طوال عمرهم في العاصمة، ولم يعرفوا لهم وطنًا سواها.

خنقتها الغصة عند توقفها مع كلمة "وطن"، غصة اتسعت في حلقها عند استعادة افتتاحية أيوب صديق على إذاعة (البي بي سي): وطني لو شغلتُ بالخلد عنه، نازعتني إليه في الخلد نفسي". ولما هزمتها الغصة التي كانت تتسع وتزيد في اتساع شعور الضعف والغبن في داخلها، استلمت للبكاء. ظنت أمها أنها تبكي اضطرارها لمغادرتها البيت الذي ولدت وتربت فيه، أو تبكي خالتها وأفراد أسرتها الخمسة الذين ماتوا جميعهم في نفس الوقت. وفي الحقيقة كانت تبكي ذلك كله، وتبكي معه جميع الذين قتلوا في هذا الحرب العبثية، وجميع الذين تشردوا ونزحوا وتركوا بيوتهم وغادروا ممتلكاتهم وعزهم وتحولوا إلى لاجئين في بلاد الغير.

بكت. وبكت. وبكت. وتذكرت في بكائها كابوسها الأخير، وفوهة بندقة القناص الموجهة نحوها من أحد أسطح المباني أعلى المباني في المحطة الوسطى بالخرطوم؛ فعاد الهلع يطبق على صدرها عند استرجاع مشهد الناس الهلعين وهم يتبعثرون في جميع الاتجاهات.

وللغرابة، شعرت ببعض الهدوء، عند استرجاع تفاصيل حوارها مع ذات الشعر البنفسجي ومضمون رسالتها لوالي الخرطوم، وخالج خالجها أملٌ في أن تكون هذه بشارة خير بأن السلام سيعود قريبًا للخرطوم، وتعود معه مشاريع التنمية والاستثمار ومشاريع الجذب السياحي، وتحول الخرطوم لمدينة عظيمة تربط بلدان شرق أفريقيا بغربها من البحر الأحمر وحتى المحيط الأطلنطي.

 مسحت دموعها، وقررت أن تحكي لأمها هذه الجزئية من كابوسها قبل قليل، أملًا في ثنيها عن فكرة الرحيل، وتبشيرها بأن خير كثير قادم لهذا البلد. لكن أمها سخرت من أحلامهما ومن تعلقها بحبال بالآمال أثناء تحركها في الغرفة وإخراج بعض الملابس من الخزانة، قبل أن تتوجه نحوها عندما طفح كيلها، لتمسكها من يدها، مجبرة إياها على النهوض:

-         قومي يا نِبْراس!  عليك الله اسمعي كلامي، ما تْتَعبيني معاك يا بِتِّي!

-         طيب وريني ح نمشي وين يا أمي؟

-         قلت ليك أرض الله واسعة.

-         طيب وريني!

وأمام عناد ابنتها، وبعد تفكير طويل، افصحت الأم بأن وجهتهم ستكون بلد النجاشي، أرض الحَبَشة، التي هاجر إليها الصحابة لما ضاقت عليهم أرضهم.

-         اثيوبيا؟

صرخت باستنكار، فأجابتها أمها بصوت تخنقه العبرات، بأن حدسها يشجعها على السير في الطريق الذي سارت فيه جارتها "أم مُزَمِل"؛ لتنضم إلى ابنها الوحيد، الذي سبقها وأخواته الإثنين قبل خمسة أعوام، أصبح فيها رجل أعمال وتاجر "بُن" لا يشق له غبار، ونجح فيها من إعادة بناء بيتهم في حي "الكَلاكْلة اللَّفة"، وحوله لبيت من الإسمنت بثلاثة طوابق بعد أن كان مجرد بيت "جالوص" بسيط مبني الطين، تصارع جدرانه قسوة عوامل الطبيعة كل عام في مواسم الخريف في شهر يوليو؛ لكيلا تسقط. وهنا، انهزمت الأم وتركت العنان لدموعها أسفًا وحزنًا على حال جارتها التي اضطرت لترك جميع ممتلكاتها الثمينة في هذا البيت، بما فيها الجدران التي أنفقوا الملايين من الأموال في بنائها، ولم تأخذ معها شيء سوى أوراقهم الثبوتية وبعض الملابس الضرورية. 

لم تتفاعل نبراس مع دموع أمها وحزنها على جارتها إلا بسؤال مستنكر:

-         ولي شنو ما نمشي مصر؟ على الأقل بلد بنعرف لغته وثقافته بتشبه ثقافتنا.

رفعت أمها رأسها وحدجتها بعينين كالمجمرتين قبل أن تعطيها قائمة طويلة بأسماء من أهلها ومعارفها المتكدسين في المعابر على الحدود المصرية السودانية في "وادي حلفا" أو في "بورتسودان" منذ أسابيع بل منذ شهور، يفترشون الأرض وينامون في الشوارع وتحت ظلال الأشجار وفي أفنية المدراس، من أجل الحصول على تأشيرة دخول، بعضهم فقد أطفاله بلدغات العقارب والحيات، وبعضهم فقد والديه من كبار السن؛ لعدم تحملهم تلك الظروف القاسية، وقد كانوا قبل أيام معززين مكرمين في بيوتهم، ينامون تحت هواء التكييف، ويأكلون ويشربون في مواعيد وجباتهم، ويتنعمون بنعمة الأمن

سامحنا يا الله، سامحنا لأننا لم نشكرك على نعمة الأمن وعلى جميع نعمك الأخرى، فسلبتها مننَا، وحكمت علينا بالتشرد، يا وجعي عليك يا السودان يا وجعي!، ظلت نبراس تردد "سامحنا يا الله"، بينما يديها تكفكفان دمعها الغزير في طرف قميصها، دموع قلة حيلتها ودموع حزنها على أمها وعلى نفسها، وعلى جميع النازحين المتكدسين في المعابر، وجميع الذي مثلها في هذه اللحظة، يجابهون الصراع الداخلي، والتردد بين البقاء وبين الرحيل. 

ولم يخرجها من بكائها المغبون ذلك، إلا دوي صوت انفجار من بعيد، أطلقت على إثر صرخة ذعر، وعلمت أن الوقت قد حان؛ لكي تطيع كلام أمها. ولما نهضت وشرعت في لملمة الأشياء من حولها، بينما عيناها تواصلان ذرف الدموع، أخذت تبرر وتحكي لأمها من بين عبراتها، أنه ربما عليها التوقف عن التمسك بحبال بالأمل، من أجل النجاة بأرواحهما.

 النجاة بروحي أنا، صححتها أمها، لأنكِ، وأنتِ بهذا الشباب والجمال، لن ليقتلوك، ولكنهم قد يغصبونك أو يأخذونك جارية أو سبية، لإيمانهم أن كل ما يقع تحت أيديهم هو غنائم حرب، أو قد يرحلونك بعيدًا؛ لكي يبيعونك في أسواق النخاسة في دارفور شرق تشاد، لأنكِ حتمًا ستجلبين لهم أموالًا كثيرة، ما دمتِ تدخلين في فئة الفتيات اللاتي يتم بيعهم بثمن غالٍ؛ لكونك من بنات الخرطوم وذات بشرة فاتحة. اختطاف الفتيات...اغتصابهن...بيعهم في أسواق النخاسة...تحويلهن لعبدات يعملن في الحقول أو في الأعمال المنزلية...في أي عصر نحن؟ يا إلهي! هل رجعت البشرية إلى عصر الظلام؟ هل رجعنا إلى العصور الوسطى؟ عصور التتار؟ جنكيز خان؟ هولاكو؟ الموت القادم من الشرق؟

كل هذه الأسئلة كانت تدور في رأس نِبْراس وهي تبكي مع أمها، التي انهارت بعد نطقها لجملتها الأخيرة. لحظات عصيبة مرت عليهما، كل منهما تصارع أحزانًا ومخاوف. وبينما أمها تكاد تمود كمدًا وهي تنوح وتترحم وتتحسر على أختها وأسرتها، الذين لن يستطيعوا الذهاب إليهم للمشاركة في تشيع جثامينهم، لأنهم حتمًا سيدفنون في بيتهم، مثل أغلبية سكان الخرطوم الذين دفنوا في بيوتهم؛ بسبب هذا الحرب التي أحالت الذهاب إلى المقابر أو المستشفيات أو الأفران أو لأي مكان، خطرًا يهدد بفقد الحياة، كانت نِبْراس تبكي على أحلام الشباب الضائعة، أحلامها هي، التي تشبه كلام ذات الخصلات البنفسجية في كابوسها قبل قليل.

 وهنا عانقتها أمها، وحاولت مواساتها بأن المستقبل أمامها، وبأنها ستعثر على وظيفة جديدة بسهولة بفضل شهاداتها وخبرتها، إما كمراسلة لإحدى القنوات العربية من هناك، أو في قناة محلية، بفضل اجادتها للغة الإنجليزية واللغة الإيطالية، وبأنه لن يصعب عليها تعلم اللغة الأمهرية إذا أرادت. فهي ما تزال شابة.

ثم ساد صمت ثقيل، ظنت نِبْراس خلاله أن الحديث قد انتهى، لكن أمها فاجأتها بفتح الموضوع الذي لم تتحدثان فيه منذ عامين، لتفترض ربما تكون في خطوة مغادرتها السودان، فاتحة خير لها وفرصة لكي تلتقي بشاب تقع في حبه ويسنيها المرحوم خطيبها، فتتزوج به وتحقق لها حلم أن تصبح جدة، وتحمل أحفادها بين يديها قبل أن تموت.

-         الله يديكِ الصحة والعافية وطول العُمر يا ست الحبايب.

 نطقت نِبْراس هذه الجملة بصوت مرتجف ثم ارتمت على حضن أمها لتواصل النشيج، علها تتخف من الثقل الجاثم على صدرها منذ أشهر. لكن ألمها كان أكبر من أن يهدئه حنان ودفئ حضن أمها الرؤوم. ألم فظيع يتحرك داخل صدرها كسكاكين حزنًا على الفقد العظيم لتاريخ حياتها، فقد رائحة تراب الأرض التي ولدت وعاشت فيها طوال حياتها، وفقد جميع ذكرياتها مع أهلها وأصدقائها ومعارفها وأحبائها. فقد الهوية وفقد الوطن.

 سملت أمرها لله وانفككت عن أمها، لكي تواصل نحيبها أثناء حزم الحقائب، مجبرة نفسها على الصمود لكيلا تسقط من فرط التعب والألم والحسرة، دون أن تصدق فكرة وجود مستقبل مشرق ينتظرها في مكان ما نتيجة هذا النزوح.

 ففي داخلها كان هناك حدسٌ كبيرٌ وصوتٌ عنيد يشوش لها بإصرار بأنها لا بد سائرة في درب "أيوب صديق"، وبأنها لابد ستخطئ في يوم من الأيام عندما يغلبها الحنين للسودان، وستفتتح برنامجها الإذاعي من أي مكان في بقاع الأرض بجملة: "هُنا أُمْ دُرْمَان...إذاعةُ جمهورية السودان".

----------------

قِصَّة "هُنَا أُمْ دُرْمَانْ" من المجموعة القصصية "الدَّعَّامي التَّائِه"، الصادرة عن "منشورات عندليب"