‏إظهار الرسائل ذات التسميات مختارات سودانية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مختارات سودانية. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 16 ديسمبر 2020

قصة قصيرة: باحة بروكا

 بقلم/ محمد حسن النحات

وضعتُ أمامي أوراقاً بيضاء، مَحبرَة نحاسية، ريشةً اختلستُهَا من بطة جيراني, أشعلتُ شمعةً وأحكمتُ تثبيتها على منتصفِ المنضدةِ ، ألصقتُ أطرافَ أصابع يدي وأسندتُ مرفقي على حافةِ الطاولةِ، كنت عارياً تماماً. تنزلق حُبيباتُ عرقي من أسفل عنقي إلى مُفترق مؤخرتي و عندها يختفي إحساسي بسريانها لتبدأَ حُبيبات أخرى الرحلة من محطة العنق. كتمتُ أنفاسي مترقباً هُبوط الوحي.

عشر دقائق ، نصف ساعة ، ساعة... و لا شيء حدث… تصاعدتْ رائحةٌ مقززة من جسدي وفترتْ مؤخرتي من تقبل عرقي و حَملي. فأطفأتُ ببؤسٍ الشمعة وأدرتُ مروحة السقف وارتميتُ منهكاً على السرير.

أفقتُ من نومتي متكدراً برأسٍ ثقيلٍ، و أطرافٍ مُتيبسةٍ، تلصصتُ على أوراقي علها مُلئت ، بالطبع كانتْ بيضاء فزمان المعجزات قد ولى. قمتُ مترنحاً صوب الحمام ، تبولتُ واقفاً وأنا أراقبُ خَيط البول المُصفر بتمعنٍ لا معنى له. وقفتُ تحت الدش مغمضاً عيني متنصتاً على دوشةِ الماء و عراكه مع درن جسدي. أرخميدس هبط عليه الوحي و هو عارٍ مثلي ، إلا أنه للأسف لم تكن لي رفاهية البانيو.

كانت الساعة تقاربُ العاشرة مساء عندما هاتفتُ جارتي الأرملة، وأنا أداعبُ عضوي الضامر... أجابتني بهمسٍ و تعذرت بضيوفٍ لديها ، شتمتها بأقبحِ الألفاظ؛ فأغلقتْ المكالمة في وجهي. كنتُ في حاجةٍ لإفراغ طاقتي عسى أن تخطر على عقلي أية فكرة. طوّفتُ بأنحاءِ المنزلِ؛ لأخلص إلى تناول عشائي، ازدردتُه مرغماً وأنا أتخيلُ دمائي الجائعة تعدو من كل جهات جسدي لتتكدس عند معدتي، فتتفاجأ بجبنٍ باردٍ و قطعَ خبزٍ جافة. ضحكتُ حتى شَرِقتُ.

عند ظهيرة اليوم التالي كنتُ قابعاً في ركني المفضل من المقهى، كنت دوماً أفضلُ المقاعد الخلفية؛ فمنها استطيعُ الاطلاع على العالم، اتسمرُ لساعاتٍ مراقباً الناس، و تنقلات النادل بينهم، طريقة حمله لطلباتِ الزبائن، تأرجح السوار النحاسي على معصمه، و صوت احتكاك خواتمه العديدة على أسطح الطاولات كلما وضع طلباً، و على الرغم من لحيته الكثة إلا أنني أراهن دون دليلٍ ملموس على أنه شاذ جنسياً. تكرعتُ كوب الماء على معدتي الخاوية و طقطقتُ ظهري متلمساً مواضع الألم عند نهايته، كانت ليلة أمس مكتظةً بالأحداثِ المُرهقة. لم أنمْ أبداً و ظللتُ أعمل طوال الليل دون طائل. كانتْ لدي العديد من عُلب الدهان التي لم تستخدم فرصصتها عند إحدى حوائط بيتي، و بفرشاةٍ قديمة أخذتُ ألطخُ الجدارَ كيفما اتفق، تداخلت الألوانُ في نفورٍ و امتلأَ المكانُ برائحةِ الطلاء المُسكرة، ثم وقفتُ متصلباً أمام اللوحةِ الجدارية، في يدي أوراقٌ و قلمٌ، تركتُ عيني تتمشيان على الألوان علّ فكرة ما تنبجسُ من رأسي، لو كنتُ أنا و لطخات الألوانِ هذه جزءاً من لوحة سيريالية لرُبما نالت استحسان النقادِ، و بيعتْ في مزاداتِ أوربا بأبهظ سعرٍ.

خمنتُ أن الأفكارَ تتمنع عني لأن الألوانَ المتداخلة تشتتُ تفكيري؛ فقررتُ طلاءَ الجدارِ بلونٍ واحدٍ. تزاحمَ أمامي الأبيض و الأحمر والأزرق فاخترتُ الأخضرَ الداكنَ عسى أن تتراءى أمامي كُل غابات أفريقيا بشجارات قردتها وقفزاتِ غُزلانها المتهورة و كَسَل أسودها، و رقصات قبائلها. لكن الأخضر لم يمنحني سوى رؤية باعوضةٍ تعيسة عَلقتْ في الطلاءِ اللزجِ، فمكثتُ أراقبها حتى همدتْ.
ازدادَ عددُ زوارِ المقهى، عجائزٌ فاتهم قطار الإبداع ، شبابٌ عبقري الحرفِ لا يجدُ مساحةً لدس كِتاباته في عُقول نُقاد أصابتهم الكلاسيكيات بالتخمة، آخرون يزجون بالعضو الذكري بين كُل كلمةٍ و أخرى، الباحثون عن مأوى و جماعة، و البوهيميون الذين تزكم روائحهم الأنوف، و أنا الروائي الذي لم تجد رواياته الثلاث سوى صدى قذفَ حجر في نهرٍ. آلام الظهر تزداد، شتمتُ الأمريكي " دان براون " على نصيحته الغبية، بالأمس تشقلبتُ_ كما قرأت في مقالته _رأساً على عقب على عارضة الباب، طنتْ أُذناي و أحتقن وجهي بالدماء. المأفون أكد أن هذه الوضعية تجلب الأفكارَ لكنها أصابتني فقط بالدوار؛ فسقطت على ظهري بمهانة لا تُناسب عمرَ الأربعين.
تحاشيتُ النظرَ إلى زميل المهنة " عبدالرؤوف " لكنه بكُل لُزُوجته المعتادة التصق بطاولتي، احتضنني بتكلف و احتضنته بتكلف، و جلسنا نتجاذب سراويلَ الحديثِ. عليك كمثقف عندما تحادثُ مثقفاً أن تنفخَ صدركَ، تنظرُ بعيداً خلفه إلى اللاشيء، تصمتُ لهنيهاتٍ كحكيم صيني، و أنْ تستخدمَ بضع كلماتٍ كمتلازماتٍ لغوية مثل: اندغام، تماهي، أفريقانية، الأنجلو سكسونية.
و كَمَن رأى أمراً طريفاً على الفيس بوك قلتُ له و أنا أعيد هاتفي إلى جيبي: هل مررتَ بشُح في الكتابةِ؟
نظر إليَّ مطوَّلاً ثم قال: لا طبعاً!... المبدعُ معينه لا ينضبُ، كما تعلم فأنا سنوياً أصدر كتابين، هل تَمُر أنتَ بحبسةِ الكاتب؟

_تراجعتُ بظهري على المقعد كَمَن يتقي شرَ سهمٍ طائشٍ : لا... مستحيل!... إنه شابٌ راسلني يطلبُ علاجاً لهذا المرض

_شبك يديه قائلاً: همنجواي وروث يقولُ : الحيلة للتخلص من حبسة الكاتب هي أن تقوم بالكتابةِ فحسب.

_صحيح!... أجبته كاتماً غيظي عليه و على همنجواي هذا.

و استرسلنا في الحديث حتى شاهد " عبدالرؤوف " شاعرةً شابةً تدلفُ إلى المقهى فقطع جلسته معي وودعني حاملاً معه مشروبي الغازي و هرَع إليها.

أخبرتُ النادل ذا الخواتمِ العديدة بطلبي، أمسكتُ قلمي مبارزاً الأوراقَ البيضاءَ، وأنا أحتسى القهوة، و كُلما نفدَ قدحى جلبَ لي النادلُ واحداً أخراً، قرأتُ أن الكاتبَ العظيم " فولتير " كان يشربُ أربعين قدحاً من القهوة عندما يكتبُ، و اليوم سأحطمُ رقمه هذا، و أنهي عجزي الكتابي. عندما وصلتُ للقدحِ العاشرة قال لي النادل بنظرة متشككة : أستاذي هل أنت متأكد من أنك تريدُ المزيد ؟! .

عند القدح الخامسة عشرة شعرتُ بتنميل في أطرافي, ظل يزدادُ بوتيرةٍ متسارعةٍ ليشمل كل جسدي، الطاولة اللعينة أصبحت تدور بي برعونة، فتقلصتْ معدتي و فقدتُ السيطرة تماماً على بلعومي الذي أفرغ عُصارة بطني الصفراء المُبقعة بسوادِ القهوة على الطاولةِ وعلى قميصي، بعد كل دفعة قيء أخذتْ غازات بطني تنفجر بفضائحية، كنتُ كمن ترفرفُ روحه في السقفِ مراقبةً تراجيديا الجسد، تَحلّقَ الجمعُ من حولي؛ يحاولون مساعدتي، شاهدتُ شاباً عربيداً يخرجُ هاتفه؛ ليدونَ تغريدةً بالحدثِ، أو فكرةً تصلحُ لقصةٍ قصيرةٍ مركزها بشاعة موقفي. أخيراً التقطتُ أنفاسي وبدأت ضرباتُ قلبي تنتظم، خيروني بين الذهاب بي إلى مشفى أو إلي بيتي لكنني فضلت البقاء للملمة نفسي. و شيئاً فشيئاً ابتعدتْ أنظارُ الناسِ عني و عدتُ وحيداً على طاولتي بعقلٍ خاوٍ، و أوراقٍ بيضاء.

ثم أخذتِ الأمورُ منحى خطيراً عندما دلفَ إلى المقهى عملاقٌ ضخمٌ استطاعَ بمشقةٍ العبور من البابِ، و بالكاد بعدت رأسه بوصات قليلةٍ عن السقف، و في صحبته عجوزٌ ذات صوتٍ عالٍ وضحكة خشنة رجولية، تجاهلا أعين الجميع و توقفا فقط عند طاولتي!. أجلستْ المرأةُ الرجلَ الضخمَ في مقعدين تحملا بمشقةٍ وزنه، بينما سحبتْ كرسياً في مواجهتي ويدها اليُسرى تتمشى على فخذ رَجُلِهَا و باليُمنى أشعلتْ سيجاراً

بللتُ لساني بريقي؛ لأقولَ : منْ أنتما ؟

و بصوتٍ رنان : أنا بت مجذوب و هذا "استبيان"

بحلقتُ فيهما ببلاهة! ، كانتْ بت المجذوب متوسطة الطول، لونُها فاحمٌ مثل القطيفةِ السوداءِ ، ما يزال فيها إلى الآن و هي تقارب السبعين بقايا جمال. بينما كان " استبيان" أطولَ رجلٍ يمكن أن تقابله، قوي البنية، ذا وجهٍ طفولي طيب، يرتدي سروالاً صنع من أقمشة الأشرعة، و قميصاً من الكتان الفاخر، يداه ضخمتان ناعمتان متوردتان، ملامحه لاتينية مثل اسمه.
نادتْ بت مجذوب على النادل بصوتٍ مِغنَاج و طلبت حليباً للضخمِ، و شاياً لها ثم غمزته وهي تضربه بفجور على مؤخرتِه, فتلقى الصفعة بحبور لا يليق برجل!.

تجرعَ " استبيان " كوبه في جُرعةٍ واحدةٍ، بينما شفطتْ بت مجذوب الشاي مُحْدثةً جلبةً عاليةً.
_ من أنتما ؟ و ماذا تريدان ؟

ردتْ بت مجذوب : ألستَ كاتباً ؟ ألم تعرفنا ؟! أنا بت مجذوب من عوالم " موسم الهجرة إلى الشمال " للطيب صالح. و هذا استبيان من قصة " أجملُ رجلٍ غريق في العالم " لماركيز.
فغرتُ فاهي دهشةً، قرصتُ فخذي تحتَ الطاولةِ؛ لأتأكد أنني لا أحلمُ!
_ يا رجل أَزَل عنك هذهِ الدهشة الغبية، علي الطلاق ما أقوله كله صدق، كُنتُ حبيسة مثلك بين دفتي كتاب لكنني بحيلة ما استطعت الفِكاكَ من براثن الحبرِ و الورقِ، و طوفتُ كل أنحاءِ العالمِ ، تعرفتُ على العديد من الرجالِ، إلى أن قابلتُ حبيبي "استبيان" فأنساني أزواجي الثمانية، ومغامراتي الطائشة... لديه شيءٌ أمتن من الوتد و أَمضى من .... الخ.
كانتْ امرأةٌ فاجرةٌ كما قرأتُ عنها و كما تخيلتها، ثرثارةٌ بصورةٍ مزعجةٍ. بينما اكتفى "استبيان" بالنظرِ بوداعةٍ إلى يديهِ.

قاطعتها : و ماذا تريدين مني ؟

_ أثناء تجوالي مررتُ بعالمك؛ فأشفقتُ عليكَ يا عزيزي!. أنتَ حبيسُ قصةٍ ركيكةٍ لكاتبٍ مغمورٍ، أنت مثلنا شخصية من بناتِ أفكار كاتبٍ لكن لسوء حظك كاتبك شاب لا صيت له و لن يقرأ قصتك أحدٌ؛ أخرج من سجنك هذا... العالم بالخارج فسيحٌ و ستجدُ ما يسعدكَ كما وجدتُ أنا حبيبي هذا.

جذبتْ رَجُلِها الصموت الذي لم يجعل له ماركيز لساناً. خرجا بعد أن أحدثا فوضى عارمة داخلي.
سرتُ مترنحاً نحو المرآة ليطالعني رأسٌ أصلعٌ لوجهٍ غاضبٍ، بعينين منطفئتين، و عوينات كبيرة قبيحة، لم أحب يوماً وجهي، من قال إنني أحبُ ارتداءَ هذا القميص المزركش، كأنني سائحٌ على شواطئ المحيط الهادئ؟! نزعتُ القلمَ المزروع بتبجحٍ في أعلى ياقتي و قذفته بعيداً، نقمتُ على من كتبني، الفاشل لم يجد لي إلا شاربَ هتلر هذا؟!. الكلب جعلني أضاجع جسدَ الأرملة المترهل المقزز مرات و مرات، جعلني دون أسرة، وبالطبع دون أطفال، وحيداً أعاني من عسرٍ في الكتابة، أدور حول نفسي في عالم مغلق فقير بين بيتي و المقهى الثقافي، ثم " عبدالرؤوف" الذي سرق مشروبي البارد و هرع حالما رأى فتاةً، حطمتُ المرآة بقبضتي دون أن تسيلَ قطرةُ دمٍ منها، خرجتُ من المقهى محدثاً زوبعةً ألجمت الجميع ، البُلَهاء لا يعلمون أنهم شخوص ثانويون في قصة بائسة، لا قيد بعد اليوم، سأرحل عن هذه الصفحات لأبحث عن عوالم أخرى، ربما أصير ملكاً فرعونياً، أو راهباً تبتياً، أو حتى مراهقاً فرنسياً، سأشبعُ كل نزواتي و أغترفُ من متعِ الحياةِ بمِعْولٍ، و عندما أسأَمُ تماماً سأحلّقُ فوقَ السحابِ و أجتبي منحوساً يعاني من حبسةِ الكاتبِ؛ لأومضَ في عقله فكرةً تنجيه من الجنون، وفداحة التشقلب رأساً على عقب.

 **-**

* باحة بروكا : النصّ القصصي الذي حاز على جائزة محمّد سعيد ناود للقصّة القصيرة في دورتها السادسة للعام 2020م التي تنظمها سنوياً - “مكتبة أغردات العامة“.


لقراءة القصة من مصدرها  / الانطولوجيا:  http://alantologia.com/blogs/34980/

الاثنين، 14 ديسمبر 2020

قصة قصيرة: خط ميترو الأنفاق الدائري "The Circle Line"

بقلم / ليلى أبو العلا

ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي


لا يسيح الجبن في مكان مثلما يسيح في لندن. ولا يختلط فيها القديم بالجديد مثل ما يفعل في غيرها. لندن مدينة مُسْعَدة. غير أنه يمكن لفتاة أن تنتحب في شوارعها، ولا يقف عندها أحد، ولا يرتفع حاجبا أحد من الناس، أو يسألها أحدهم عن سبب انتحابها. آه، هي مدينة الفرص المتاحة والسلالم الوظيفية والشهرة. كنت قد وعدتني بإمكانية البدء من جديد، وصنع ثروة لنفسي. أن أصعد وأحلق بعيدا. غير أن العمر يتقدم بي بينما الفرص أمامي تتجمع، والمسارات تتلاقي. فأنا أعيش في مرحلة التَضَييّق والتَقْيِيد والإغلاق التام

أفضى ذلك التَضَاؤُل والانكماش للعيش حياة مُتَوَاضِعة، بل فاشلة في الواقع. فتحت بابا سريا على ما خلت أنه أقل مني قدرا. بالوعة من الجريمة المريرة المسعورة. كان خطيبي قد أعتقل الشهر المنصرم بتهمة غسيل الأموال. لا أعلم عن ذلك الأمر… ليست لدي أدنى فكرة عنه. قال لي الناس إنه من حسن حظك أنك لم تعتقلي معه. لم يشغلوا أنفسهم بحال قلبي.
ولما انفصلت عنه، دأبت أمي على أن تبعث لي بخُطَّاب بديلين. من الأسهل لي أن أقابلهم هنا في لندن. في “أبو ظبي” لا بد أن يكون معنا شخص ثالث، أو على الأقل نتظاهر بذلك. هنا يمكنني أن أقابله بمفردي. هنا كل شيء أسرع: من اللقاء المُحْرَج الأول، إلى معرفة حقيقة الشخص رغم قشرة المظهر الكاذب، ورعاية شرارة (الحب)، وإيقاف مشروع قبل أن يعلن رسميا. مسموح لنا هنا ببداية أكثر خصوصية وحيويةً.

صحوت على رَنَّة رسالة قصيرة منها. وتحدثت معها عن طريق (اسكايب) وأنا أتناول خبزي المحمص. كان توقيتها متقدما على الوقت عندي بثلاث ساعات، وكان واضحا أنها في مزاج مرح. قالت لي: “بعد تجربتنا التراجيدية الأخيرة، يجب أن نلزم العائلات التي نعرفها.”
كان لطيفا منها أن تستخدم كلمة (تجربتنا) لتضم نفسها لي في الذل والمهانة التي حاقت بي. غير أن ذلك من الممكن أن يكون مجرد خُدْعَة من جانبها لتليين موقفي. أعرف حيلها جيدا.
واصلت الحديث في ثقة: “أتذكرين هشام، ولد دكتور سعاد؟ لا بد أنك تتذكرينه منذ ذلك الوقت الذي التقيت به في الإسكندرية. كم كان عمرك وقتها؟13 أو 14 سنة؟ أعطيته رقمك. هو في لندن لعدة أيام فقط. لا بد أن تلتقي به.”

عاد بي عقلي لعقدين من الزمان إلى صورة هشام … شاب نحيل يرتدي زي سباحة داكن الزرقة. كان يردد وهو يزيح قطعا من الأعشاب البحرية: “هذا يمكن أن يؤكل! هذا يمكن أن يؤكل!”. ولم يشاركه أحد في إثارته تلك. وكنت أعرف وأنا في الرابعة عشر من العمر شيئا عن الوله والتعلق. وكنت أعرف من يعجبني ومن لا يعجبني. وفي تلك السن قيمت هشام هذا وخلصت إلى أنه ليس من نوعي ولا يناسبني.

قلت لأمي: “أنا مشغولة.”
“
أنت في الرابعة والثلاثين.”
“
ثلاثة وثلاثين.” عيد ميلادي سيكون في نوفمبر.
تغير مزاجها. قالت لي: ” بعد قليل من السنوات سوف لن يكون الموقف مزحة.”

كنت قد سمعت تلك القصة مرارا وتكررا. تطير السنوات، وتقل الخصوبة. كم صرت أكثر استقرارا في حياتي، وكم صرت لا أرى أن هنالك رجلا مثاليا.

سألتها: ” وما هي الخدعة مع هذا؟”. كنت أجد عيبا ما في كل الخُطَّاب. فأول خاطب بعثت به كان قصيرا جدا، والثاني لا يتحدث معي إلا ليقول لي إنه يكره لندن. أما الثالث فلا بد أن يكون جيدا – فرقم ثلاثة رقم جيد، على كل حال. ولكنه أعترف لي بأن عائلته هي من ضغطت عليه ليقابلني، رغم أنه في الواقع يحب فتاة أخرى. وكان في الرابع غلو مفرط في التدين.

تنهدت أمي وقالت: “العَرْقَلَة منك. أنت العائق الوحيد.”


****     

اِتَّصَلَ بي هاتفيا وأنا أدلف لهايد بارك. قبل أن أبدأ رياضة الرَكْض التي أمارسها بعد العمل، وأشرع في التنفس بشدة. اليوم مشمس. تَبَطَّحت الفتيات على العشب، وبدأ دِمام شفاههن يسيل من حر الشمس. خطوت عبر أجهزة الراديو والسي دي المحمولة، والكلاب ذات الرائحة الكريهة، والآيس كريم الفاتر الذي يقدم للأطفال. أخبرني هشام إنه يقيم بفندق في بيز ووتر، وإنه قد ترك وظيفته في إحدى منظمات المجتمع المدني العاملة في دارفور بعد أن قضى فيها 18 شهرا. وسيسافر بالقطار لأدنبرا بعد أيام قليلة لزيارة شقيقه الذي يدرس هناك.
قلت له: ” أنا في المساء أعطي دروسا خاصة في اللغة العربية. قد تعجب من كثرة الطلب على تعلم العربية. يدفعون جيدا ليتعلموها!”

رد ضاحكا بأن هذا أمر جيد ومثير للاهتمام. وقفت ساكنة في مكاني وأنا أنظر للمُنْتَزَه. صبي عربي بدين يلهث وهو يلعب في حفرة رملية، تراقبه مربيته الفلبينية وهي تضع يديها النحيلتين على وركيها. كانت وظيفتها هذه قد أخذتها من بلادها الشديدة الخضرة عبر الدوحة أو البحرين. غير أنها ستسير الآن فوق عشب لندن المُرْهَق. وستغدو في صور العطلة ومقاطع وفيديوهاتها زهرةً أجنبية غريبة في خلفية المشهد.

قال لي: “أسفت عندما سمعت بخبر فسخ خطوبتك.”

أجبته بالهمهمة بشيء ما.

بدا صوت هشام يبتعد وكأنه ينظر بعيدا وهو يقول لي: “يمكن أن تضيق الحياة بسبب الحاجة للمال. غير أن بعض الناس ليس لديهم مُثل وأخلاق، أو حتى ضبط للنفس.”

كان آخر ما أود مناقشته هو أمر خطيبي السابق. لذا حاولت أن أجعل صوتي أقل حدةً وأنا أقول له: “لقد صرت فيلسوفا يا هشام.”

“نعم. وأعجب من “خط ميترو الأنفاق الدائري”، وكل الأشياء التي تعطى أسماءً غير دقيقة.”

“معذرة؟ ماذا تقصد؟”

” في ميترو الأنفاق. أخذت الخط الدائري، ولم يرجعني إلى المحطة التي بدأت منها. يبدو أن القطارات لم تعد تكمل الدائرة، بل تسير لنصف دائرة فقط، وهنالك الآن في الواقع خطين.”
تذكرت الآن الغرابة التي لمستها عند هشام. فكان أحيانا يبدو عبقريا غريب الأطوار، وفي أحيان أخرى يكون مفعما بالعاطفة. وكان يقوم أحيانا، في جدية تامة، بذكر معلومات أو ترديد أشياء لا بد أنه قرأها في مكان ما، أو تذكرها من التلفزيون. فيقول مثلا دون مناسبة “الميرلين هو نوع من الصقور” أو “نهر النيل هو أطول الأنهار في العالم” و”الأعشاب البحرية تؤكل.”
والآن يريدني أن أريه معالم لندن.

اتفقنا على اللقاء في اليوم التالي. ربما لن يكون يوما حارا مثل اليوم. في مثل هذا اليوم الحار أشتاق أكثر شيء لابي ظبي. أفتقد تلك المولات الضخمة وهبات النسيم البارد الآتية من المكيفات الضخمة. هنا تبدو شمس الإمبراطورية الآن وكأنها أتت لتزور المدينة وتعبر عن احترامها وتقديرها لها. وتفيض لندن وتتضخم بأعداد مهولة من السائحين تحملهم إليها مئات الطائرات. سُيّاح لهم شهية عالية، ونقود كثيرة، ولعابهم يسيل وأعينهم تتسع من الدهشة.
سمعت أماً تقول مغمغمة: ” يا للأجانب الأوغاد … كل صيف لعين!” بعد أندفع عدد كبير من السواح نحو الحافلة في شارع أكسفورد وأزاحوها هي وبنتها من باب الحافلة.
كانت الحافلة مليئة بالنساء. نساء يدفعن عربات الأطفال ونساء عجائز صغيرات الحجم يرتعشن. وطالبات مدارس حالمات يعاكسهن بعض الشباب المُتَنَمِّرٌين. والحافلات الحمراء البطيئة مبجلة مكرمة كما الملكة.

مدينة تتميز بكرم لا مثيل له في الاستيعاب: استيعاب نساء كبيرات في عباءاتهن السوداء وحجاب أوجههن وهن يقمن بزيارة الأطباء الأخصائيين في شارع هارلي، ومراهقين مُشَاكِسين يبحثون في متحف مدام توسو عن بعض ما يلهيهم ويسليهم. وذهب مصر القديمة يرقد باردا في متحف. والتنس في ويمبلدون، والحَمَامُ في ميدان الطرف الأغر. والانصاف، وإلزام النفس بفعل ما يصلح من الأشياء والأحوال ولو قليلا بطريقة بسيطة ما. وتحت “قوس الرخام / ماربل آرش” أحس بثِّقَل التاريخ.

وترى في الشوارع حلقات الأنف، وضفائر الشعر المجدل، وحليقي الرؤوس، ودبابيس محفورة خلال الحاجب، ورجلا يرتدي ملابس نسائية، وكلبا أُلبس ملابس رجل، ولافتة مرفوعة عاليا مكتوب عليها “المسيح عائد”.

ولكنها أيضا مدينة صَرْعَات الأزياء. يبدو السواد الأعظم من سكان المدينة حسني المظهر. يهتمون بالشعر والملابس الجديدة، فاللندنيين يبذلون مجهودا، ويولون صفحات المجلات الصقيلة الأوراق كامل ثقتهم. إما هذا أو الساري والعمائم: والنيجيريات في ملابس الجنة الخضراء وأغطية الرأس الضخمة التي لا تستطيع سواهن حملها.

وفي الأسفل كان الطّقْسُ في محطة قطار الأنفاق أكثر دفئا. يا ترى ما هو شكل هشام الآن بعد مرور كل تلك الأعوام. تعجبت من كوني لم أبحث عنه في الفيس بوك. خط اليوبيل ثم خط العاصمة (ميتروبولتان). كريستال بلاس وماربل آرش. وماذا أقول له عن الخط الدائري، وكيف أن “سيرك أكسفورد” ليس بسيرك؟

لا يمكنه أن يعرف لندن حقا حتى يعيش فيها في فصل الشتاء، بضبابه، والقفازات، وأضواء عيد الميلاد.  وهنالك أيضا الأسرار المخبوءة تحت تلك المعاطف السوداء والأشجار العارية من الأوراق، وخطوط الدخان المنبعث من الأنفاس وأضواء الشارع. ومن المهم أيضا تذكر أن ليس كل من يتحدث أو يقف في “ركن المتحدثين” هو مخبول. ليس كل فرد هناك.


 

*****
تقابلنا في أحد المقاهي بالقرب من شارع ريجنت. كانت جدران المقهى مزينة بصور من مات من نجوم هوليود، وكانت قائمة المشروبات والمأكولات فيه تميل إلى الذَّائِقَة الأميركية. كانت الساعة تشير إلى العاشرة، وبدأ أن تلك الساعة مبكرة جدا بالنسبة للندن، فقد كانت نظيفة وحركة المرور فيها قليلة، وليس في الجو حرارة الصيف المرتفعة.

غمرتني فجأة مشاعر حنين لزج عندما وقعت عيني عليه لأول مرة. كتفاه الآن أعرض، وشعره أقصر. ولبرهة قليلة تاقت نفسي لجنون سنوات صبانا الباكر، وسَفْعَة الشمس، وأزياء السباحة التي تثير في أجسامنا حكة، وتلاطم أمواج البحر، وآباءنا وأمهاتنا في الخلفية يتسامرون ويضحكون. يا ترى ماذا سيكون حالي إن لم أرزق أبدا بأطفال؟



 **-*

نُشر في موقع الراكوبة، بتاريخ 16 أكتوبر، 2019

لقراءة القصة من مصدرها: 

 https://www.alrakoba.net/31329512/%d8%ae%d8%b7-%d9%85%d9%8a%d8%aa%d8%b1%d9%88-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%86%d9%81%d8%a7%d9%82-%d8%a7%d9%84%d8%af%d8%a7%d8%a6%d8%b1%d9%8a%d8%8c-%d9%84%d9%8a%d9%84%d9%89-%d8%a3%d8%a8%d9%88-%d8%a7%d9%84%d8%b9/

الخميس، 17 سبتمبر 2020

قصة قصيرة: انتحار المعجمي

 بقلم/ تعبان لو ليونق


عٌثر على المخطوطات الستّ التالية بالقرب من سرير الضحية (وجد ميتًا)، وهذه سيرته الذاتية: ترك الدارسة في سن السابعة، متحججاً أنها تبديد للوقت. في الأشهر الثلاث التالية، نًشًر مقالات حظيت بالثناء المستحق بصحيفة “الأضواء” Lights وهي مرادفة بالطبع لصحيفتكم “الأوقات” Times. لأسباب غير معلومة، ترك الكتابة ولم يٌسمع عنه منذ ذلك الحين. خصني بالمعلومات التالية لأنني الشخص الوحيد المداوم على زيارته. قال انه كتب العديد من القٍصص القصيرة، بمعدل أربع قصص في اليوم، لماذا لم تنشر؟ لان الناشرون لم يتجرؤوا على نشرها. عندما فشلتُ في إلقاء نظرة عليهم، لعنت الناشرين وحسهم التجاري-الحكومي الذي يمنعهم من نشر قصص استثنائية، أو مكتوبة باستثنائية!


قد كان منشغلاً كما قال-كان يُخطط ليصبح ديكتاتوراً على جزيرتنا، ديكتاتور مطلق لها. ما إن يصبح ديكتاتور، سيشرف شخصياً على كتابة معجم “الياء”، اللغة الوحيدة على الجزيرة والتي تتحدثها مائة وخمس وعشرون ألف نسمة وتتألف من خمسين ألف كلمة. التواصل بيننا مع العالم الخارجي نادر جداً، حيث لا مصالح تجارية تجذب الأجانب لجزيرتنا، وكلنا فخر بذلك. آخر ما يتمناه قاطني الجزيرة هو مغادرتها. حتى دون وجود ديكتاتور، كانت الجزيرة منعزلة كليًا عن العالم الخارجي، وفي ديوان الديكتاتور، يبلغُ الانعزال قمته.

بخصوص المعجم قبل أن أنسى، كان، (وقد استخدم كلمة “هو” عندما كان يخاطبني) مكتوب بطريقةٍ مُختلفة عن المعاجم الأخرى، وبناءً على فكرة الفرادة، كُتب ليكون المعجم الوحيد على الجزيرة. يتم إعطاء كل فرد نسخته مع بداية العام (شهر مايو) حسب توقيتنا، وكل قاطني الجزيرة ملزمون باستخدام الكلمات الواردة في المعجم فقط، وإلا واجهوا الموت.
كان من السهل اكتشاف المهرجلين. كل سبت، عندما يذهب سكان الجزيرة لاستلام قوتهم الأسبوعي من الطعام، كان بالسوق أجهزة اكتشاف ما يدور بخلدهم من كلمات جديدة أو أفكار مختلفة. وبنهاية كل عام، تُسلم النُسخ القديمة للسُلطات لتُبدل بالجديدة، ويسحب من المُعجم خمسمائة كلمة سنوياً.

المخطوطة الأولى:

الحادية عشر مساءً، زرت دار الرياضة مساء اليوم، رأيت مُحاربون-ملاكمون، لم يرق لي ذلك. الرابعة صباحاً، حلمت أنني ملاكم -يا للعار -أولًا، قُدّت لدار الرياضة، دخلت المبنى. وتوجهت لغرفة اللبس (لا أدرى لماذا تُسمى غرفة اللبس، بينما في الحقيقة نتعرى فيها). هذه إحدى تناقضات العيش في ظل نظام آيل للزوال.

المخطوطة الثانية:

العاشرة مساءً، كنت على الشاطئ أستحم. كان هناك الكثير من النساء والرجال أيضاً معرضين أجسادهم العارية للماء، الشمس والهواء. أحجام مختلفة، قصر وطول، صراحةً، قد لا يتمكن هؤلاء من حماية أجسادهم من الفقد والضياع.

المخطوطة الثالثة:

الثالثة صباحاً، أشعر بالتعب بعد كتابة نظريتي-أقصد إنجيلي الجديد -. ذهبت في نزهة، دخلت صالة ما، كان هناك أرتال من البشر – موسيقي -اعتلت سيدة ما المسرح، كنت أظن أن لا سيدات هنا، لكنها كانت هناك على المسرح، تحمل مظلة وتتماوج بغنج. ألقت المظلة -تقدمت-ألقت القبعة -تقدمت -والموسيقى صادحة. تخلصت من القفازات وتساءلت لماذا؟! لكنها استمرت فيما كانت تفعل غافلة عن نظراتي المستجوبة، خلعت ثوبها، لامس شعرها أسفل ظهرها. عندما مالت للأمام، غطى شعرها نهديها، كان للنهدين حمالات صدر مما تعني عدم حاجتها للتخفي خلف الشعر. بدأت ترقص بهياج في ملابسها الداخلية، (للقصة بقية).

المخطوطة الرابعة:

الثالثة والنصف صباحاً، أشعر بالنعاس، غير قادر على مواصلة السرد بتسلسل وتناسق. أتذكر إني طُردت سقف المنزل الساعة أربعة ونصف صباحاً.

المخطوطة الخامسة:

الرابعة ونصف صباحاً. طُردت، متوجهاً لمنزلي أعترض طريقي أربع رجال عراة ملثمون. كانوا بلا مال، أو أدوات كتابة، ولم يختبروا يوما مُتعة العيش مُشرداً ليومين. إن شئت، كان بإمكاني أن أصنع لهم جميلاً ببدلتي وجيوبها، بنظارتي، مقبضها وعلبتها إن وجدت. أو بساعتي، لفافتها وطوقها. حذائي بخيوطه وجواربه (ثقوبه ورائحته يستحقون العناء كما يقال) - بنطالي (أزراره وثقب الأزرار أيضاً) والسوستة. حزامي، إن كنت املك واحدة (حيث أنهم ضليعون في ذلك) قميصي، وربطة العنق ومشبكها، الصدرية وملابسي الداخلية، لكنني لم أتمكن من فهم لغتهم.

المخطوطة السادسة:

الخامسة صباحاً، حلمت الليلية الماضية أنني داخل فصل، مُدرساً-(حلم طفولتي)، هناك أمام تلاميذي، دخل مخربون. حشد منهم تمتع بالجراءة لدخول الفصل ووصفي بالمديون. خلال ثوان أستردوا كل ما أُدين لهم به، كل شيء، كل قطعة، الأعواد والحشائش المزعوم إني أخذته منهم. بدأ قضم بشرتي (ملمتر، ملمتر) بدءً بأصابعي وأظافري. أحسست بحتمية الزوال. لحسن الحظ، زلت سريعاً لأنهم كُثر. توقفوا لبرهة قبل أن يهاجموا قلبي؛ حتى إنهم لفتوا انتباه تلاميذي المتحيرون قائلين "كان بإمكان قلبه أن ينقذه لكن . . . " ضج الفصل موجة استهزاء قبل أن يكملوا هذه الجملة القدرية. واصلوا العمل مرة آخري بحيوية مُتجددة، استخدموا مخالبهم، أسنانهم وحلوقهم الواسعة، كانت مهمة غاية السهولة. مروا من الرئة للكبد والحلق والرقبة وعندما بلغوا راسي، أمروا سُكانها بأخذ ممتلكاتهم والمُغادرة. هؤلاء من سعوا للظفر بحواجبي، رموشي ولحيتي (أنا مثقف إن كنت لا تعلم) وأيّ شعر على وجهي واصلوا مهمتهم، ازاحوا الجلد عن وجهي (الأذن والأنف أيضًا)، فصلوا الفك الأسفل، اللسان والأسنان والحنجرة. مخلوقين (أظنهم، رجل وامرأة) لعقوا عيوني، أكلوا جمجمتي وحظي ديدان الأرض بامتياز التمرق في مخي.

خاتمة:

 اذكر رجلاً اعتاد التهربُ من دفع الضرائب بادعاء الجنون. كان يُغني، يضرب على الطَبل ويرقص. وأخيرًا، يُنهي العرض بمشاهدة نفسه يغني، يضرب على الطبل ويرقص.

**-**

نُشر في الأنطولوجيا، بتاريخ 4 أغسطس 2020.

لقراءة القصة من مصدرها: https://alantologia.com/blogs/33102/

الثلاثاء، 1 سبتمبر 2020

قصة قصيرة: الضائعان

بقلم/ إسراء رفعت


 

يتقاطعان في السكك، أو يسيران على التوازي، أو، تجمعهما نفس السكة، لا يتوقفان، لكنهما يشعران بغتة بالشوقِ وألم الذكرى التي مضت.

الحرب المندلعة أشبه ببركانٍ أو يوم قيامة، حيث لا أحد يقف لأحد، وامرأةٌ وحيدة تبحث عن طفل في الركام تأمل أنها ستجده كما وجدت دُماه وألعابه! امرأة فعلت كما فعلت صفية* أضاعت طفلها! أضاعت الحرب لها طفلها، في الحرب حين تظن الأمهات من الروع أن الوسادات هي أطفالهن غير مدركاتٍ في لحظة الاندلاع خفة الوسائد وصراخ الطفل الذي تركنه خلفهن.
المرأة تبحث، تدوس شيئًا فينفجر، تتحاشى النظر تحتها لتعلم إذا ما كانت قدمها موجودة أو لا، تنهض بعد الانفجار لتعاود البحث، لا تعلم كيف هو مربوط قلبها أو كيف حافظت على الاتزان كما تحافظ نساء وطنها على حجابهن رغم كل حرب!

كما لو أنهن يتوقعنها.

تتذكر، كانت ترضعه بينما انفجرت الأشياء تلو الأخرى، هذا يفسر لماذا طلبوا منهم أن يخلوا قراهم، ثم أعادوهم إليها، في غمرة الفرحة بالأشياء التي وجدوها كما هي انشغلوا عن السؤال، لماذا فعلوا ما فعلوه.

صباحًا جاء الجنود، لم يتحدثوا مع أي مواطن، حتى شيخ القرية العنيد لم يعترضوا طريقه ليتوصلوا معه إلى حل أو هدنة، يريدون القرى وقد أخذوها، هي للتو علمت كل ما حدث، كانوا قد زرعوا الألغام بين الناس وبيوتهم، بل أدهى من ذلك، زرعوا الألغام بين الناس وفُرشهم ومتكآتهم، في مضافة القرية وفي الجامع، أماكن الأمن! في ألعاب أطفالهم، زرعوا الألغام في هدأة بالهم وفي كفاف عيشهم، بين المزارع وزيتونه وبين الطيور وأعشاشها، لذلك لم يعد الحوار يشغلهم، كانوا قد قرروا أن يدمروا حيوات الناس وقصصهم بضغطة زر واحدة في يوم غائم جميل.
سقطَت فجأة حين استنتجت كل هذا، فقدت وعيها من نذالة الفكرة ومن استحالة إيجاد الولد! ثم حين نهضت كان قد غربت شمس اليوم، لم يبق لها سوى الذكرى وألعاب الولد، والركام المحترق.


**
يتقاطعان في السكك.

**
خلل هويته هذا يعيده كلما حانت فرصة نحو القرية، القرية المدمرة التي لا يزورها أحد إلا هو، وحده، كلما أوجعه قلبه وأوجعته دِماه في شرايينه، كلما أوجعه عيشه في الجهة المقابلة من أحزان الناس، الناس كانوا القصص البهية في اليوم الغائم، هو كان اللغم المندس طوال أيام يسمع حكاياتهم وأحاديثهم حتى فجرها، يعود رغم أنه حين علم كل هذا كان الأوان قد فات وكانت أمه قد ضاعت عنه وانتهى الأمر.

لا يتذكر أنها كانت ترضعه بينما انفجرت الأشياء تلو الأخرى، لا يتذكر الألغام ولا القرية، ولا طعم الحليب، ولا اليدين اللتين وجدته ملقى بين ألعابه الصغيرة وانتشلته منها، ولا بكاءه فور أن حملوه، يدان خشنتان أخذتاه، يدا جنرال يدكُّ القرى بالأرض وهو على الرغم من هذا يذوب في حلاوة الولد الذي لم تشوهه الحرب إطلاقًا لأنه محصن بعطر أمه، الجنرال لا يعرف شيئًا عن عطرها، يرى الطفل فيوجعه حرمانه من الأولاد، يأخذه فيصرخ الولد، يهرول به نحو الدبابة، يعود به إلى زوجته، يربيه يربيه، يروي له منذ تعلم السماع إلى حكايا الجنرال عن الأعداء، عن القرى التي تدك بالأرض قبل أن تُبنى من جديد، عن عناد الأعداء وصبرهم، وحبهم لأرضهم، يموت الجنرال بعد عمر طويل، لأن الأشرار يعمّرون في أي حكاية، والأخيار يرحلون قبل تمام الحكاية.

زوجة الجنرال تخبر الولد، عقب كل هذه السنوات وعقب ذهاب الجنرال، عقب أكثر من عشرين عامٍ من عمره وعمر أمه التي تنتظره كما انتظرت صفية عودة ابنها أنه ابن صفيةٍ ما كانت هناك في القرية، حصنته بعطرها وأقلقت نوم الجنرال طوال هذه السنوات، أخبرته أن أمه كانت تتراءى للجنرال في الرؤى امرأةً قوية لكنها مكلومة، تتوعده وتهدده وتبكي وتعلق عذاباتها في رقبته، فيصرخ الجنرال، زوجة الجنرال لا تذكر القرية لأن عدد القرى كبير، عدد كبير جدًا على أن تحصيه، ذهب يفتش عن القرية، وعن أمه التي بانتظاره، في غربة موسى إياها التي وجد نفسه فيها، في القصر الفاخر، وفي دماه يسري حب المرضعة البسيطة، وابنتها التي جاءت بخلاصِه من الجوع ومن الغربة، وأخوه الذي لعب معه كابن سلطان ثم بعثا نبيين سواءً بسواء، كان موسى عثر على دماه!

وهو، كان قد عرف أخيرًا عن قريته، كان يزور الحطام كالمجنون، كلما أوجعه الحطام وأوجعه زيه العسكري الذي حاول به الجنرال نزع أمه عن أحلامه سوى أنه لم يفلح، خلع الزي خلعه وألقى به إلى مزبلة الحي، الحي الفاخر الذي بني من ركام القرى وترقيات الجنرالات كلما دمروا قرى الناس، على تل الأعداء/أهله ! يعود للحطام ويقلبه، شال هنا وعقد هناك، حذاء رجل ولعبة صبي، وحطام مدرسة قريبة، سبورة وطبشورة وعلم البلاد مرسوم على ورقة احترق منها أكثر أجزائها خضرة، لتصبح كل ألوان العلم إثر الانفجار والزمن سوداء. يخرج، حاملًا معه كل هذا، في عقله وقلبه وفي يديه، يرتدي الزي المدني ويشعر أنه صاحب الأرض، ينظر للناس ويحلم لو يحبونه كما يحبون أبناءهم.

بغتة، يندلع الشوق، كاندلاع الحرائق من الألغام التي يضعها جنرال مثل أبيه بالتبني، أو بالحرب! يلقي عن عقله لفظة الأبوة، تمر امرأة خمسينية، بقايا جمالها لا تزال واضحًة، تشوبها مسحة حزن ولا تحمل شيئًا سوى شيئًا ثقيلًا في قلبها شعر به. يمر جوارها حين يندلع الشوق فيها وفيه، يشم عطرًا كان يطارده في اليقظة والحلم، لا تخرج اللهجة كما يريدها، تخرج غليظة كلهجة الجنرال، ولا يفلح سوى أن يبتسم لها، ترد الابتسامة، تتذكر هي تمامًا، ذاكرتها تسعفها لأنها لم تنس أصلًا، كانت ترضعه بينما أخذت الأشياء تنفجر! تنظر إليه، يخرج كلمة يقصد بها التحية، تستبين في كلامه لهجة غير اللهجة، تغير مسارها، وهكذا يتقاطعان، أنا إياي يا أمي! يصرخ بلهجة الجنرال، الأم لا تبصر عيناها سوى ألغام اليوم الغائم، وطفلًا كانت ترضعه في سكينة، تحصنه بآيات الله وبعطرها، وتركض عكس السكة، بأقصى سرعة تملكها، يحاول أن يصل إليها، تسبقه وتختفي، حيث هو يشعر بأنه لا كما شعر موسى: الغريب عن الفرعون وامرأته، الغريب عن أمه. يقرر البقاء حيث ولّت، بانتظار أن يتقاطعا مرة أخرى، حيث ضاع أول ضياع.

**-** 


القصة الفائزة في النسخة الثامنة من جائزة الطيب صالح/ للقصة القصيرة

لقراءة القصة من مصدرها:   http://almasraja.com/%D9%82%D8%B5%D8%A925/

الخميس، 19 مارس 2020

قِصَّة قَصِيرة- حِكَايَة البِنْت التي طاَرْت عَصَافِيرها

بقلم /بشرى الفاضل


كنت مدية وسط حشد غريب من البشر ، لا تجمعهم سلطة خضروات شحاذين وجزارين وحرامية ، قافزين ومادحين وجنود غلاظ رائحين وغادين ، مترهلين وعجاف ، باعة متجولين ومتشردين وسبابه ، منتظرى مواصلات وجلابه ، متانقين ومتاففين .

ومن بين كل هؤلاء ممثلون منتخبون يطاردون النساء بالعيون والأيدي والاجساد، ومن لم تسعفه الحركة يطارد بالاستجابة المباشرة الحسية او حلم اليقظة.

كنت مدية حادة السنان تشق طريقها وسط الزحام فتجدث الما مفاجئا في كتف هذا مشفوعا (بمعليش) وجرحا في قدم هذه متبوعا(بسوري) ولكمة في وجه تلك موصولة بمتأسف) وكنت

من فرط سرحاني لا انتظر ردا على اعتذاري….

كان النهار اخضر لا كعادة الصيف، كنت ملتويا بالبهجة كعمامة اعرابي يزور المدينة للمرة الثانية، لا العاملات سعيدات مثلي ولا ربات البيوت -اانا ابن المحطة الوسطي العنكبوتي الجيب المشرئب عنقا لحادث حركة او مظاهرة نشال، المستيقظ منزولا، التضور جوعا ، الباحث في خشم البقرة عن عمل .. شغبي مكتوم ومظلوم ابن مظلوم ومع ذلك سعيد.

هل ينتزع الاوغاد سعادتي ؟؟.. هيهات .. وهكذا كنت لا انوي التجول فتجولت والناس مكدسة بطيخ بشري . كل ينتظر وسيلة مواصلات دنوت من احد الاكوام واخرجت ادوات انتظاري .. اخرحت كوعي اولا ثم راحة يدي فعاونا رجلي في حمل الجسد المستهلك يوميا والمتعب علي مدار العام. ومن بعد اخرجت عيني ثم طفقت انظر.. انظر في الاتجاهات جميعها واختزن..

رايت اولا رجلا اعمي ، كأنه وهو ينظر امامه يقرأ من لوح محفوظ..ومضي الرحل لحاله لكن نقودي تناقصت . رأيت ثانيا امراة بدينة لدرجة انها حين تنادي وليدها يا هشام ) تحس بحرف الهاء يطن في اذنيك مليئا بالشحم ، رأيت رجلا عبوسا وطفلا تغازل رجلاه علبة صلصة فارغة.

رأيت اصواتا وسمعت روائح لا حصر لها وفجأة وسط هذا كله رأيتها.

قفز الدرويش مكان قلبي .ورأيتها فارعة الطول من غير ان تتأرجح .. قمحية لا كالقمح الذي نعرفه . ولكن كالقمح حين يكون قمحيا مثلها،اخذت من الضباط اجمل ما فيهم مشيتهم. ومن الناس اخذت البابهم . تراها فلا تشبع قلت لنفسي: هذه بنت طارت عصافيرها كان وجهها مستديرا ويبدو هكذا:

وكان انفها كالخضر الطازج ولها عين: ياالله ! وعنق فرعوني ذو وترين مشدودين انيقين لايبدوان الا اذا التفتت. واذا التفتت هربت جميع البائعات بفولهن المدمس وتساليهن الملوح . وهربت الشوارع من حفرها والروائح النتنة من اماكن بيع اللحوم، وهربت ذاكرتي الي مستقبل اتمناه ، اذا صببت ماء في هامت البنت التي طارت عصافيرها ، انحدر ناحية الجبهة . وكان جسمها اذ تمشي يتماوج، كأنه بريمة تنداح دوائرها في قطعة حشب تنوي ثقبه

اقبلت نحوي فنظرت لحالي واصلحتها، واقتربت اكثر فرايتها تمسك بطفلة صغيرة تشبهها الا من بدانة في الطفلة كانت يداهما تتشابكان كأنهما مصممتان خصيصا لذلك، وكأن كلا منهما تمسك بشرودها. وكانتا تعقدان الحواجب بلا دهش بين كل دقيقة واخري بحيث يبدو ما يحدث لعينيهما مثل برق يغسل عن وجهيهما نطرات الآخرين الجائعة.

قلت هذه فتاة طارت عصافيرها ، ثم التفت لاختها فقلت: هذه تميمة ولا بد جاءت بها لتقيها من شر الآخرين .هذه تميمة طارت راحتها>

ورأيتهما كثيرا جدا حتي تخيات نفسي بالمقابل بشعا، فأجفلت ولكنهما مااجفلتا ونظرت للتميمة .ان فمها دقيق طأنه لا يأكل اللايوق الذي اتلوث به. والتفت الي الناس ثم اليهما مرة اخري ونظرت ثم نظرت،نظرت.. نظرت! حتي انقذ الموقف عربة اجرة دلفت علي حين مباغتة فأفسح الناس للتميمة والبنت التي طارت عصافيرها.علي غير عادتهم مع النساء الاخريات ، فركبتا ومن خلال غبار المنافسة وجدت نفسي ايضا داخل العربة.

تحركنا وكانت العربة معطوبة ناشفة في سيرها .كان جاري يدخن وجاره محشو بالبصل ولولا ان النهار كان اخضر، ولولا البنت وتميمتها وما شذ من جمالها اخبارها مما ذكرت لنزلت من تلك العربة التعيسة غير اسف

وعلي كل تصرمت خمس دقائق حين جأر الذي هو بصيل بالبصل-عندك هنا يامعلم. ثم نزل وضرب الباب كأنه يسقط عليه شجارا بائتا جبن من خوضه في حينه، فأختزنه. تحسس السائق خده الايمن كأن صفعة الباب كانت به. ثم تمتم لنفسه_ناس ما فيها رحمة. ترنح الرجل البصلي وعاد ادراجه ورمق السائق بعين حمراء ثم فجر قنبلته.

ايه قلت شنو؟

صحت فيه امشي يالله يا ابن العم الحكاية يسيطة.

تدحرجت العربة واختلط هدير موتورها بسباب الرجل البصلي ولعناته . وكأن السائق كان يعنينا بمواصلة الحديث الذي يشبه المنولوج حين قال : ناس ذي الحيوانات.

ثم سحب الحال علي البشر كلهم وما لبث يذم ويتنرفز حتي وقعت العربه في حفرة الشارع الرئيسية ثم وثبت كما تثب ضفدعة . ونقت فداس عليها سائقنا فرضخت وسارت قدما مزمجرة.
كأن ظهري من فرط قسوة العربة قد بدأ يؤلمني نظرت امامي حيث البنت التي طارت عصافيرها وتميمتها فاحرزت انهما اتخذتا شكل المقعد.لا تشعران بالوجع ولا ينزلق غضروفهما. واخيرا وصلنا. نزلت البنت وتميمتها ونزلت انا ثانية فلم اسمع صوت ارجلهما بيد ان وقع حوافري كان مسموعا للجميع. واوشكت ان اتحسس اذني هل طالتا؟! سارتا فسرت خلفهما، لا كعادة السودانين ، وكنت من انصار السير بالتوازي قبل رؤيتهما ولكن مشيتهما كانت ايقاع خواطري .
قلت لابد ان ينبثق الايقاع اولا. سارتا امامي موسيقي بالغة العذوبة وسرت لشدة اضطرابي اشترا.

وفجاة التفتتا جميلاً جدا ناحيتى وكان ثمة غضب ملون منقوش على نبيل وجهيهما
قالت الكبرى

- مالك مبارينا ؟؟

قلت: مقللا من وتائر فزعهما

- لا يا ابنة العم ، عندى مثلك . ولا اطارد الجمال بالبنادق فى الشوارع

>قالت: !! قديمة

> قلت : لا صدقينى . وكدت أن اقول ( عندى مثلك احبها وتحبنى ويحب ناقتها بعيرى الف مرة اجيئها غاضباً واخرج من عندها هاشا باشا كان لديها مصنع للفرح ، خرجت فى ذات يوم من لدنها مليئاً بها حتى غازلنى الناس فى الشوارع ).

أنسابت من حنجرة البنت التى طارت عصافيرها أنغام صافية مكان الضحك

ثم سكتت

وسكتُ
دار خاطرى فى ذكرى حبيبتى يا لها من عفريت .

تلك فتاة شديدة الاعتداد بنفسها . شديدة الوثوق بها . قالت : والصيف على اشده ونحن نرجع من حفلة موسيقية جدتى كان يغنى عليها السرور

قلت : اولئك مطربون اوقعهم شعراء المرحلة فى التهلكة فصاروا يتأوهون ويتأرجحون بانتظام

طرباً بمفعول لحن وكلمات هابطة قالت : كيف ؟؟

قلت : - شعرائهم كانهم قصابون ، يبيعون المرأة جزءا جزءا اذ يدنو الرجل من متجر فيه حنجرة تغنى وتصيح : نهد ،، نهد ،، وجنة .. وجنة فيقلب الرجل فى اجزاء المرأة ما طاب وتنبهه الحنجرة لجمال بعض الاجزاء الغائبة عليه ويخرج الرجل بعد ان يكون قد اشترى نهداً بالبصل أو خصراً بالجرجير ومن كان عنده ضيوف يشترى كفلاً

قالت حبيبتى : يخصنى ذلك كلام منك قبيح احشر لسانك خلف اسنانك ، هل نسيت ان بينهم خليل فرح ؟ فالقمتنى حجراً ولابد ان حالة سرحانى عاودتنى اذ ما ان التفت حتى لم اجد البنت التى طارت عصافيرها ولا لشقيقتها اثرً صنعت من حواسي مختبراً للتجسس على البنت وتميمتها الاذنان مايكروفونان والعينان كاميرتان والانف معمل كيميائى واللسان نشرة اخبار وكان المختبر يعمل بكامل طاقته لا كمصانع هذه الايام ، ثم ترصدت مثل فأر يترصد حركات عدوه التقليدي

 ، فيتفاداها ثم ان رادار البنت التقطنى

قالت :- وهى تركض خلفى وانا اوسع من خطواتى خوف ان تشتمنى

 عذبتنى ،، انت داير منى شنوياخ !؟؟

قلت : لاشئ سوى ان اراك .. اغنيك .. احلم بك ، لا دخل للاذى فى علاقتنا ، انه انجذاب وحيد الجانب فانا يعجبنى من هو مثلك ولكننى اشعر امامه بالدونية.


ضحكت مرة اخرى فسقط قلبي فى ثلج الرضا والفرح

سألت : شاعر ؟؟

قلت : يقولون .. ومن اخبرك بامرى؟؟

قالت : سمعنا

قلت : ومن معك حتى تخاطبين نفسك بضمير التعظيم؟؟ الا ان وجهك نور ، وصوتك نور ، وانت مرايا معلقة فى دموعى تضئ وابكى

قالت جميل كنت أسيئ فهمك الان حصحص الحق انت تعرف شباب هذة الايام تافهون ووقحون
قلت : بل اعرفهم ،، أنبشى تجدين نفيس المعادن ، المعادن لا توجد على السطح اصحابي اكثر من النمل ، غالبيتهم يَتفهمون ويَفهمون ويُفهمون ركضت البنت بفرح امامى ،، وكان قوامها يتماوج حتى اختفت ، ورن فى أذنى صليل جرسه العذب . وما انفكت صورة عينيها تضئ وتظلم فى دماغى ، وما برح وجهها يغذى ذاكرتى بالفرح طارت عصافيرها

طارت
طارت
طارت
وهكذا اصبحنا صديقين لشهر كامل استمرت مقابلتي ليها في الشارع العام نركض ، نضحك ونتحاور فلم اصل غورها وخفت ان تكون قد لامست سطحي. وذات اربعاء سألتها

- من تلك التي في يمينك ؟

- اختي اتوكأ عليها وتساعدني علي السير في الاسواق وتحفظني من شرور العربات.

قلت :تميمة؟

قالت: ماذا؟

قلت: رقية. تحفظك من شر العيون ،

ثم قلت لنفسي: (واذا المنية انشبت اظافرها الفيت كل تميمة لا تنفع).

وحدقت في وجه الجميلتين مليا،الصغري ذَبُلت وخارت قواها كما تخور قوي ثور الساقية لابد ان المشاوير قد اشاختها قبل الطفولة ركبت معهما كانت العيون فد بدأت تتطاير من اركان الحافلة كلها وهطلت في افخاذ ووجهي وعيون وجسدي البنتين وغمرتهما العيون التي تشبه المناشير الزجاجية

التفت ورائي وامامي الجميع محاجرهم كالملاحات الفارغة . طارت العيون عن الوجوه واصبحت في كل وجه حفرتان . ومنعت نظارتي الطبية عيني من الاقلاع والطيران وبما انني منحت حب استطلاع غامر ومتعة احصاء فذ، فقد وجدت ان بجسديها تسعة وتسعين عينا مستديرة وعجبت اول الامر للرقم الفردي والتفت ورائي فوجدت ان احدهم كان اعورًا. عدت للبيت غاضبا ونبشت اوراقي فوجدت ضالتي وصممت علي الرجوع في الحين. كان النهار قد انتصف. الشمس قائظة وانا مغتاظ ووجدت باب حافلة مفتوحا ككرش مرتش فدخات وكانت تلك الحافلة كمركب نوح. بها كل الوجوه. اشتات مجتمعات. فيها يسهل السهو والسرحان. وما ان جلست حتي اطلقت خيوليقوية السنابك من اصطبلاتها فرتعت في حقول خيالي وخيدعي.

كأن صوتي ضاع مني. كأنه سقط. تكالبت علي الهموم فلا عيني ولا عيون غيري ايقظتني.ِ اه مني القدح ابن الكرم، يملآونني بالشجن مكان الدخن واللبن واملآهم بالفرح مكان الحزن والبؤس فبئس مصيري، وبخ بخ لمصيرهم كأنني مصنوع لاستمرارهم وكأنهم مستمرون لشقائي. واه مني انا ابن النوم.ابن الانتظارات والمواعيد الكذوبات.

لي حبيبة في الذاكرة والمني فقط. مثلي يتمني مثلها. ومثلها لا يرضي بمثل من هو مثلي. فمثل من انا؟ يا بقرة

- قلت لنفسي يا وحشا. يا رجلا محشوا بالامراض، بالجراثيم، بالصعود، الهبوط. وبالتحولات والاهتزازات، تحيط به الباحثات عن سعادة فيسومهن سوط عذاب والباحثات عن صديق فيعاديهن، وتحيط به الائي طارت عصافيرهن ولا يحيط بشيء ومع ذلك فهو كما يدعي من قبيل يفهم، يعي، يشاكس، يتمرد. رجعت لحال بؤسي وانا مازلت في تلك الحافلة اللعينة فوجدت الناس من حولي تناطح. لا يترك رجل لامرأة من مقعد ولا تترك امرأة لرجل من لعنة قي قاموس فكان لابد من ان انزل قبل ان اصل للمحطة بغيتي فنزلت ورأيت قدامي قطارا من البشر، دفع به الفضول نحو المستشفي ولم يكن فضولي اقل كما ولا نوعا اطلاقا ولكنني كنت مكابرا. ركبن موجة الزحام بعد ان افرغت كل عبارات وتأوهات العجب… في شنو يا جماعة ؟ وتاهت عباراتي السؤالية في لجة عبارات مشابهة وجائتني تفسيرات شتي كل تفسير مستقل عن غيره ملم ببعض التفاصيل متجاهل لبعضها فما ذادتني اجابات المارة الا اندفاعا شديدا نحو الي الامام نجو مبعث حب الاستطلاع ثم كان ان انجرفت بفعل تلاطم الناس نحو الشيمة اكثر فاكثر حتي صرخت: دم! كأن موس حادة قطعت الاشعة عن عيني كأنني مت. مضرجة. مضرجة. خضابها الدماء الصدمة وخضاب تميمتها الدماء والفزع. وخضاب مثيلاتها الحناء. دم في ايديهما كقاتلتين وفي ارجلهما كمقتولتين. وفي مختلف انحائهما بحيث لا تعرف من اين ينبثق، قلت لنفسي حادث حركة ولابد.

صرخ رجل ذو وجه مستدير منفعل:- لا قلت صامتا ماذا اذن ثم استدرت مع جملة المبحلقين قبالة وحه شاب هادئ الصوت حين قال:- مانتا في الشاطئ. منكفئتان هكذا وفاقدتا للوعي وجدهما رجل بدين ذهب الان لقسم الشرطة قلت صامتا: حادث حركة لابد. صرخ جاري الذي تصادف ان كان ضمن دائرة المشاهدين:

 يا راجل انت مجنون؟ حادث حركة في الشاطئ يعني صدمتهن مركب؟ واللا نطت سمكة من البحر ضربنتهن؟ قلت لنفسي حادث حركة ولابد. ثم استدرت نحو الشارع العريض مؤذنا صارخا ضاحكا وخطيبا

_لا لا لا لا طارت عصافيرها طارت عصافيرها طارت عصافير

_هاطارت عصافير هاطارت عصافيرها طارت طارت.

تلفت بعض السابلة وهزوا رؤوسهم ثم تلفتوا من باب التأميد علي كون اني مجنون ومضوا في حال سبيلهم…

طارت … طارت … طارت

اوقف رجل عربته. كان ممتلئ الاوداج بالضحك وسألني: طارت ماذا؟

> فقلت: عصافيرها…

ضحك حتي ارتج الاسفلت وحتي انبعجت العربة واطلقت ريحا ثم اداء المحرك واختفي…_

>طارت … طارت … طارت..

_ هل؟ لابد ان قوة ما ذهبت بهما الي ذلك المكان.. لابد ان حيلة ما. ارأيت الفزع والخوف علي

جهيهما؟ فزع التميمة وصدمة البنت التي طارت عصافيرها.

- لا_ حطت.. حطت.. حطت..

رأيت قدامي جمهرة وخلفت ورائي جمهرة كلهم ينظرون الي كأنني مرتكب الحادث كدت اصرخ فيهم طارت! ولكنني وجدت السفلت ممتدا امامي فمشيت ومشيت ومشيت ومشيت، ذلك الظهر الكئيب. لا منبع حلمي وصلت ولا دارنا، النهر اقرب وعيون الحبيبات اكثر امنا، فلا اذهب لهذا عسي ان اغتسل ولتلك عسي ان اتوسد سوادها وانام في متن بياضها ملء جفوني وليسهر الخلق وليختصم ما شاء له طالما ان عصافير برية بريئة حصبوها بالحجارة والرغبات المتمركزة حول ذاتها فحطت بمكان قبيح، قسرا في بقعة مليئة بالقسر والاكراه.


**-**

المصدر/الانطولوجيا

http://alantologia.com/blogs/1256/

مَوْسِمُ العَوْدِة إلى الشَّمال

قِصَّة قَصِيرة: مَوْسِمُ العَوْدِة إلى الشَّمال