في رواية "عينان خضراوان" للروائي السوداني حامد الناظر، نحن ليس أمام حكاية فردية فحسب، بل أمام نصّ يتكئ على جرحٍ واقعيّ، ويعيد تشكيله فنيًا ليصير سؤالًا وجوديًا عن الحرية والهوية والسلطة.
تنطلق الرواية من واقعة حقيقية هزّت المجتمع السوداني، وهي قضية مريم يحيى إبراهيم، لتبني فوقها عالمًا تخييليًا أكثر اتساعًا وأشد قسوة. لكن الرواية لا تعيد سرد الحدث كما هو، بل تحوّله إلى مادة إنسانية عميقة، حيث تصبح "عرفة" أو "حياة"، تجسيدًا لإنسانة مسحوقة بين فكّي الحرب والمجتمع، بين سلطة السلاح وسلطة التأويل الديني.
*البنية السردية: تشظي الزمن ووحدة الألم:
اعتمدت
الرواية على بنية سردية مزدوجة تقوم على خطين زمنيين:
1/زمن
الماضي، الذي يُروى بضمير المتكلم، حيث تستعيد "عرفة" سيرتها المثقلة
بالجراح والألم.
2/زمن
الحاضر، الذي يُروى بضمير الغائب من خلال راوٍ عليم يراقب ويصف المشهد من الخارج.
وهذا التناوب
السردي ليس مجرد تقنية، بل تعبير عن انقسام الذات:
1/ذات متحدة
مع الألم وتعايشه.
2/وذات
تراقبه وتحاكمه.
يمنح التناوب
بين ضمير المتكلم وضمير الغائب النص بُعدين متكاملين: حميمية الاعتراف حين تتكلم
الذات من داخل جرحها، واتساع الرؤية حين تتراجع خطوة لتتأمل ذاتها والعالم بعينٍ
أكثر شمولًا ووعيًا. كما أن استخدام تقنية "الفلاش باك"، تجعل القارئ
يدخل تدريجيًا على أعماق الرواية؛ لحين أن تتكشف له، في لحظة تراجيدية متماسكة،
الحقيقة كاملة.
شخصية عرفة
(أو حياة):
ليست مجرد
بطلة، بل بنية رمزية:
1- تمثل "المرأة" في سياق القهر المركب (حرب+ سُلطة
دينية +مجتمع)،
2- تتحول من ضحية إلى شخصية فاعلة عندما "تصر على
تقرير مصيرها بنفسها"،
3-
يبلغ وعيها بذاتها ذروته في لحظة وجودية حين تقول" أن أكون أنا
ببساطة...".
*الشخصيات
الأخرى:
تتوزع بين شخصيات
مساندة (أغلبها نسائية)، وبين قوى قمع (عسكر، متطرفون، ومؤسسات). غير أنها تعمل، في
المجمل، كامتدادات للسلطة أو انعكاسات لها، أكثر من كونها كيانات مستقلة.
*اللغة:
الوراية
مكتوبة بلغة في ظاهرها لينةً منسابة، كأنها تُسلّم نفسها للقارئ دون عناء، غير
أنها تُخفي تحت هذا الصفاء طبقاتٍ كثيفة من الإحساس المرهف والوجع المكتوم. لغةٌ
لا تُسرف في تصوير العنف ولا تستسلم لإغراء التفصيل الفجّ، بل تكتفي بإيماءات دقيقة،
تاركةً للخيال أن يُكمل ما عجزت الكلمات عن قوله أو ما تعفّفت عن التصريح به. وفي
ثنايا السرد، يتكئ الكاتب على وصفٍ حسّي نابض، وحوارٍ منساب مشحونٍ بالصدق، حيث تتبدّى
براعة السارد؛ إذ لا يرفع صوته بالصراخ، بل يُحسن الإصغاء إلى رجع الألم في نفس
القارئ، حتى يغدو هذا الأخير هو من يطلق الصرخة من أعماقه.
*الثيمات:
تتخلّق في الرواية شبكة كثيفة من الثيمات المتداخلة:
1/تتقدّمها الحرب
لا بوصفها واقعة عابرة في الزمن، بل قدرًا ثقيلاً يهبط على الوجود الإنساني كلعنة
لا فكاك منها؛ إذ لا تنتهي، مهما تعددت ذرائعها، إلا وقد دفعت الأرواح البريئة
كلفة حضورها في هذا العالم.
اقتباس: " الحرب
مهما كانت غايتها لا يمكن أن تنتهي إلا بالأبرياء ليدفعوا الثمن"
2/وفي قلب هذا
الخراب، يغدو جسد المرأة ساحةً مفتوحة للانتهاك، وموضوعًا لوصايةٍ قاسية،
وأداةً تُسخَّر لإخضاعها باسم المجتمع تارةً وباسم الدين تارةً أخرى، حتى يتلاشى
الحدّ الفاصل بين الحماية والقهر.
3/ومن هنا
ينبثق السؤال الأكثر إيلامًا حول موضوع "الهوية والاختيار":
هل يملك
الإنسان حق أن يختار ذاته، أم أنه محكوم بتعريفٍ قسريّ تفرضه عليه الجماعة؟ سؤالٌ
يتردّد صداه في مصائر الشخصيات، ويكشف هشاشة الحرية حين تُحاصرها الأعراف
والسلطات.
وعلى امتداد
النص، تتطرق الرواية لـ " الجهل والأيديولوجيا "، طارحةً نقدًا
واضحًا للـ"المجتمعات السطحية يسهل قيادتها"، و"الأيديولوجيا
تستثمر في الجهل لتكريس السلطة".
*الرمزية: ما وراء الحكاية
تفيض الرواية بدلالاتٍ مواربة، تتسلّل من بين ثنايا السرد لتشي بعالمٍ أعمق من ظاهر الحكاية. فاسم "حياة لا يأتي بريئًا، بل ينطوي على مفارقة موجعة، إذ يتجاور فيه وعدُ الوجود مع واقعٍ مثقلٍ بالموت الرمزي والانكسار. أما العينان الخضراوان، فتلمعان كإشارةٍ خفيّة إلى الاختلاف، كأنهما وسمٌ للآخر في فضاءٍ لا يتسامح مع التمايز، أو علامة على فرادةٍ تُثير الريبة أكثر مما تستدعي القبول.
وفي مشهد
المحكمة، لا يعود المكان مجرد حيّز قانوني تُتلى فيه الأحكام، بل يغدو مسرحًا
كثيفًا لمحاكمة الوجود ذاته، حيث يُستدعى الإنسان ليُساءل عن حقّه في أن يكون ما
هو عليه.
لا يمكن اختزال "عينان خضراوان" في كونها حكاية امرأة فحسب، بل هي، في جوهرها، حكاية إنسان يُستدعى إلى المحاكمة لأنه تجرأ على أن يكون نفسه. إنها رواية تضع القارئ أمام سؤال قلقٍ لا ينطفئ:
أ الحرية خيار يُنتزع… أم ثمن لا بد من دفعه؟
