‏إظهار الرسائل ذات التسميات مختارات أدبية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مختارات أدبية. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 18 مارس 2021

ربما يعطون الشيطان مستحقاته: نص غير منشور للطيب صالح

ترجمة حسين مصدّق 



 في العام 2003 ظهرت رواية الطيب صالح "موسم الهجرة الى الشمال" للمرة الثانية في لندن عن دار بنقوين للنشر(Penguin)، فكتب لها صالح تقديماً موجزاً تحدث فيه عن علاقته الجدلية بهذه الرواية وكيف انفصلت عنه مع مرور الزمن والتحولات السياسية. وفيما كنت بصدد الإشتغال على الدورالذي لعبه الطيب صالح في القسم العربي للبي بي سي (1) قرأت هذا التقديم، الذي بدا لي فيه من الطرافة الكثير، وربما أشياء أخرى لم نكن نعرفها عن الكاتب وروايته، بعضها قد يحدث بعض الإرتباك لدى الكثيرين.

المترجم

                                                                                      ***

عندما ظهرت روايتي "موسم الهجرة إلى الشمال" لأول مرة في سبتمبر 1966، شعرت بشيء من عدم الارتياح. كنت في الخرطوم في ذلك الوقت معارًا من طرف البي بي سي  للعمل لمدة ستة أشهر مع وزارة الإعلام السودانية. كان المناخ العام في الخرطوم في تلك الأيام مبهجًا، لأن الشعب السوداني قد أطاح للتو بالحكومة العسكرية للجنرال إبراهيم عبود في انتفاضة شعبية ملحوظة. لم يكن هناك إراقة دماء، وقبل الجنرال عبود، الذي يحسب له قيامه على الفور بتسليم سلمي للحكومة إلى الأحزاب السياسية.

نتج عن التغيير طفرة كبيرة في الطاقات الفكرية ، سياسية وثقافية.  وسرعان ما برزت مجموعتان إلى الواجهة: الشيوعيون، الذين كانوا بالفعل قوة سياسية هائلة ، ليس لأن لديهم قاعدة شعبية واسعة ، ولكن لأنهم كانوا متضامنين بشكل وثيق، ومنظمين جيدًا وواضحين للغاية. المجموعة الثانية كانت تتمثل في الإسلاميين الذين بدأوا في الظهور كقوة سياسية صاعدة.  لم تجد أي من هاتين المجموعتين الرواية مطابقة لرغباتهم. كلاهما أدانها صراحة، ولكن لأسباب مختلفة. أدانها الشيوعيون لأنها نشرت في مجلة أدبية صادرة من بيروت "حوار"، التي كان يتم تمويلها من قبل هيئة تسمى "مؤتمر الحرية الثقافية" والتي مولت أيضا المجلة الأدبية  (لقاء (Encounter في لندن.

اكتشف فيما بعد أن تلك المنظمة تم تمويلها سرا من قبل وكالة المخابرات المركزية الأمريكية. كان لدي بالفعل قصتان قصيرتان منشورتان في (Encounter) يضاف إلى ذلك أنني أشتغل في القسم العربي للبي بي سي، الناطقة بلسان الاستعمار البريطاني من وجهة نظر اليسار العربي. كل هذا من شأنه أن يجعلهم لا يكنّون لي شيئا من الود. كنت على علم بهذه المضاعفات، ومع ذلك فقد نشرت الرواية في مجلة حوار،وهي مجلة مشبوهة، بسبب إحساس بالتضامن مع صديق. رئيس تحرير جريدة حوار المرحوم توفيق الصايغ كان صديقاً عزيزاً لي وشاعراً فلسطينياً مرموقاً. أصبحنا أصدقاء عندما كنت أعمل في هيئة الإذاعة البريطانية في لندن وكان هو يدرّس اللغة العربية في كامبريدج. كنت قد وعدت بالفعل أن أعطيه الرواية لنشرها في مجلته. وبحلول الوقت الذي اكتملت فيه روايتي، أصبح توفيق الصايغ  شبه منبوذ بين المثقفين في العالم العربي حيث كانت الحماسة القومية في أوجها في المنطقة.

ظهرت الرواية في العدد قبل الأخير من "حوار" لأنه بعد استقالة ستيفن سبند، رئيس تحرير مجلة (Encounter) والاعتداءات المستمرة على المجلة وضده شخصياً ، شعر توفيق صايغ أنه لا يستطيع الاستمرار. طوى المجلة وذهب للتدريس في بيركلي ، حيث توفي بعد ذلك ببضع سنوات.

ربما يكون من الجدير بالذكر أن أحد طلاب السيد صايغ في بيركلي كان الجنرال بيليد ، الذي ذهب بعد تقاعده من الجيش الإسرائيلي إلى بيركلي ليحضر درجة الدكتوراه في الأدب العربي. وقد أصبح أخيرًا أستاذًا للغة العربية في الجامعة العبرية بالقدس وناشطًا بارزًا في حركة السلام في إسرائيل.

لم أقابله أبدًا ولكن في إحدى زياراته إلى لندن ، أحضر لي السيد صايغ خطابًا لطيفا للغاية من الجنرال بيليد يعبر فيه عن إعجابه الكبير بعملي، خاصةً  "موسم الهجرة إلى الشمال". بعد بضع سنوات عندما كنت أعمل في اليونسكو في باريس ، تلقيت دعوة من البروفيسور محمد أركون، الباحث الفرنسي الجزائري المعروف، لتناول الغداء مع الجنرال في جامعة السوربون. يؤسفني جدا حتى يومنا هذا أنني لم أرد على رسالته ولم أتمكن من مقابلته مع الأستاذ أركون.

على الرغم من احتدام الأجواء الثقافية والسياسية في السودان عام 1966، عندما ظهرت الرواية لأول مرة ، لم يتم حظرها. لقد استغرق الأمر أكثر من خمسة وعشرين عامًا حتى يتم حظرها من قبل النظام الحالي (نظام عمر البشير). لكن في عام 1967 حدثت الهزيمة العسكرية الساحقة التي ألحقتها إسرائيل بالعرب فهزّت أشياء كثيرة، من بينها الإيمان والأيديولوجيات السياسية الحالية إذ بدأ المزيد  من الناس في التساؤل والتعبير عن شكوكهم علانية.

لسبب ما، تم دمج عملي في عملية الاستجواب الفكري هذه. بدأ الناس يرون في الرواية أشياء معيّنة لم يروها من قبل أو لم يهتموا برؤيتها. يبدو أن الإحساس الكامن باليأس والكآبة في الرواية قد تزامن مع المزاج العام لليأس في الإنتلجنسيا العربية في كل مكان، وخاصة في مصر.                  

هناك  ناقد مصري بارز وشجاع، هورجاء النقاش، كان قد تجاهل الاتهام القائل بأن الرواية ظهرت في مطبوعة ممولة من وكالة المخابرات المركزية، وكتب مقالاً بالغ الثناء في مجلة أسبوعية واسعة الانتشار. بعد ذلك بوقت قصير ، ظهر العمل في شكل كتاب، مما أثار ذعرًا كبيرًا لدى المؤسسة الدينية التي هاجمته في المساجد على أنه كتاب "فاسد" ويعتبر "إهانة للدين" و "إباحيّ" بالفعل. كانت الضجة في مثل هذا الحد لدرجة أن وزارة الإعلام المصرية، التي كانت الناشر، قامت بسحب الكتاب من المكتبات. لكن العديد من النسخ كان قد تم بيعها.

ظلت الرواية ممنوعة في مصر قرابة ثلاثين عامًا، حتى ما قبل ثلاث سنوات ، عندما أعادت مؤسسة الكتاب المحترمة، وهي أحد فروع وزارة الثقافة، نشرها. قاموا بإنتاجها في إصدار منخفض السعر من مائة ألف نسخة وبيعت في غضون أيام.

كانت دار نشر رائدة في بيروت (دار العودة) تنشر روايتي منذ عام 1970. ووزع الناشر مئات الآلاف من النسخ في جميع أنحاء العالم العربي. (وتلك هي حالة النشر في العالم العربي لدرجة أن ذلك الناشر لم يرى أنه من الضروري أن يدفع للكاتب أي حقوق للتأليف). صحيح أنني أصبحت معروفاً في كل مكان ولكن بالطبع لا عزاء لكاتب في شهرة دون مقابل.

وهكذا استمر الكتاب في طريقه ، كما تفعل الكتب ، منفصلا عني تقريبًا. يتم حظره من وقت لآخر في هذا البلد أو ذاك وبعد ذلك يتم إلغاء حظره وهو محظور بشكل دائم في جميع دول الخليج. إنه محبوب ومكروه ومهاجم وممدوح. يتم تدريسه في الجامعات وتكتب عنه أطروحات الماجستير والدكتوراه . من البديهي أن يجعلني ذلك النجاح الذي تحققه روايتي سعيدًا وهذا ما يفعله بطريقة ما.

 الترجمة هي قصة أخرى مثيرة للاهتمام - تمت ترجمتها على نطاق واسع إلى عشرين لغة حتى الآن. كانت الترجمة الأولى إلى الإنجليزية من العربية ، بقلم عميد المترجمين ، دينيس جونسون ديفيز. ظهرت في كتب هاينمان التعليمية بعد وقت قصير من نشرها باللغة العربية. لذلك يجب أن أشكر جهود Denys) Johnson-Davies ) للترويج للرواية التي تجاوزت واجبه كمترجم ، وكيث سامبروك وجيمس كوري اللذان كانا مسؤولين عن سلسلة الكتّاب الأفارقة التيكانت تنشرها دار (Heinemann) في ذلك الوقت.

قوبلت الرواية ببرود عندما ظهرت لأول مرة في لندن وكان هناك بعض التقديمات القصيرة. أتذكر منها تقديما سيئًا ومحتقرًا بشكل خاص في الملحق الأدبي لصحيفة التايمز، والذي نقد صاحبه الرواية بغطرسة ووصفها بأنها "عرضيّة'' (episodic) وتلك حسب رأيه نقطة ضعف شائعة في كل الكتابات العربية. كان أداؤها أفضل بكثير في الترجمة الفرنسية التي صدرت بعد فترة وجيزة من الترجمة الإنجليزية. كان لها مقدمة سخية من قبل المستعرب المرموق ، الراحل جاك بيرك، من مؤسّسة (Collège de France) المرموقة. وكان هناك مراجعات مميزة للغاية في معظم الصحف الكبرى.

 السيد فرانسوا مورياك كتب "لم نقرأ شيئًا كهذا من قبل، نحن الذين قرأنا كل شيء". وهو ما جعلني أتساءل كيف أن رواية توصف في لندن بأنها تافهة للغاية ويقع الترحيب بها بمثل هذه العبارات المتوهجة في باريس! (2)

أما المترجم الروسي فقد إتصل بي شخصيًا ليخبرني أنهم طبعوا مليون نسخة من الكتاب، مما جعلني سعيدًا للغاية بطبيعة الحال إلى أن تابع ذلك بالقول إنه للأسف لن يتم تقديم أي عائدات لأنهم لم يكونوا (في ذلك الوقت) من الممضين على اتفاقية برن بشأن حقوق النشروالتأليف.

وفي خصوص الترجمة العبرية، كما أخبرني الناشر في رسالة ، كانت الرواية من أكثر الكتب مبيعًا. لقد قاموا بنشرها بدون إذن، وعلى الرغم من أنهم عرضوا التدارك بعد ذلك، إلا أنني لم أتابع الأمر لأن الشروط المعروضة صدمتني ولم تكن مرضية تمامًا. لكنني كنت سعيدًا جدًا لظهورها بالعبرية. فكرت، ربّما، حتى ولو بحيزّ صغير جدًا، أنني قد قد ساهمت في قضية السلام بين العرب والإسرائيليين. لاقت الترجمة الألمانية استحسانًا كبيرًا. ليس لدي أي فكرة عن المصير الذي لاقته في الصين أو اليابان، و في حقيقة الأمر، ولا في أي دولة من دول أوروبا الشرقية. لسبب ما، سارعوا جميعًا لنشر الرواية. الآن بعد أن أصبحوا رأسماليين، ربما يعطون الشيطان مستحقاته!

 لكنني لست بصدد التشكي.. صحيح أنني جنيت القليل جدًا من المال من هذه الرواية أو أي من أعمالي الأخرى، سواء باللغة العربية أو أي ترجمة باستثناء القليل من هاينمان ومن لينوس، ناشري الألماني، أو من ناشري الفرنسي ''سندباد''. لكنني شعرت بسعادة كبيرة من نواحٍ عديدة أخرى، لأن كتبي جلبت لي العديد من الأصدقاء من جميع أنحاء العالم. أخبرتني سيدة فرنسية لطيفة ذات مرة أنها التقطت الكتاب بالصدفة من مكتبة باريسيّة. بدأت تقرأه في المترو وأصبحت منشغلة للغاية لدرجة محطتها قد فاتتها، وتلك مجاملة رائعة حقًا لأي كاتب. الآن ها أن (Penguin) تنشرالرواية وها أني ولأول مرة يكون لي في شخص المسّز كارولين داوني وكيلًا أدبيًا مهتمًا وفعالًا من PFD ، ربما سأبدأ في جني بعض الفوائد المادية من هذا السعي - الشاق وغير الموفّق فى كل الحالات-  ألا وهو الكتابة الروائية.

----------------------

(1)- Houcine Msaddek - BBC Arabic (1938-1995): Soft Power or Reithian Practice Abroad? 2021

https://doi.org/10.4000/rfcb.7056

 (2)- " تعقيب من المترجم: على الأرجح أن الطيب صالح لم يطلع بصفة مباشرة على مقال مورياك فكان في ما نقل إليه خلط مورياك الأب و مورياك الإبن. والروائي الكبير فرانسوا مورياك توفي سنة 1970 أي عاما كاملا قبل صدور الترجمة الفرنسية لموسم الهجرة الى الشمال. والثابت أيضا أن كلود الولد الأكبر لمورياك، وهو كاتب معروف أيضا، كان قد نشر في صحيفة لوموند المسائية مقالا حول الرواية عند صدورها مترجمة عن دار ''سندباد للنشر'' وقد أشارت صحيفة لوموند ديبلوماتيك بتاريخ ديسمبر 1996 إلى ذلك المقال بهذا الإستشهاد القصير:

"Un monde réel et magique à la fois, dont Claude Mauriac disait : "Notre âme est rafraîchie, nos yeux sont lavés, nous n’avons jamais lu cela, nous qui avons tant lu."

 

 **-**

نُشر في موقع  " صواب الراي" بتاريخ 3 مارس 2021

لقراءة المقال من مصدره:

https://sawaab-arraii.com/ar/rbma-ytwn-alshytan-msthqath-ns-ghyr-mnshwr-balrbyt-lltyb-salh

الاثنين، 1 مارس 2021

"غرب القاش": حكاية المرأة والجبل والنهر

"غرب القاش" هو عنوان الرواية الأولى التي صدرت للصحفية اليمنية محاسن الحواتي (1969) عن دار "آي كتب" البريطانية، وهو خيار يعود إلى إغلاق دور الطباعة في اليمن نتيجة الحرب الدائرة منذ أربعة أعوام.

تقتبس الكاتبة عنوان روايتها من اسم أحد أحياء مدينة كسلا (شرقي السودان)، هو أيضاً مسقط رأس الكاتبة قبل عودة أبويها إلى اليمن في ثمانينيات القرن الماضي. وقد اختارت المؤلفة أن تدير خيوط حكايتها سيدةٌ مسنّة فقدت ذاكرتها بفعل تراكمات الحياة البائسة التي كابدتها في القرية إلى جانب تقدّم العمر والضغوطات النفسية التي عانتها كغيرها من الفقراء.

عمدت الحواتي، وهي الصحافية المنهمكة بقضايا المرأة والجندر، إلى إبراز ظلم العادات والتقاليد السلبية للمرأة في السودان والكثير من البلدان العربية، والتمييز بين الأبناء، إذ تسرد البطلة (مكية) سنوات طفولتها وكيف فاض نهر القاش وهدّم كل البيوت وكيف تُركت مكية وأمها وأختها للغرق لولا تدخل بعض الرجال لإنقاذهن، فقد تركهن والدها وحمل على كتفيه ولديه الذكرين.

تعكس الرواية تعايش الجنسيات التي سكنت غرب القاش، من يمنيين، ومغاربة، وأرمن، وهنود، ونيجيريين، وإثيوبيين، وإريتريين، وحتى الصوماليين وغيرهم من القبائل السودانية، في منطقة عرفت التعايش السلمي والتثاقف، واحترام الأديان والمذاهب. كما كانت المنطقة مساحة لحرية النقد وهو ما كان يخفف من هموم البسطاء الذين تقاسموا البؤس والمسرّات.

النهر والجبل ومكية، ثلاثة عناصر في الرواية جسّدت علاقة النهر بالمكان وأهالي غرب القاش، كما جسدت قوة وصلابة المرأة التي واجهته وتحدته وهي تكبر وتتعملق كلما اقتربت منه، حاملة معها فكراً رافضاً لتلك الممارسات التي تجعل من المرأة مجرد أداة بيد الرجل، فأثناء خروجها ذات يوم صوب النهر لمواجهته، كانت تتحدث مع كل من في طريقها إلى أن دخلت الماء فـ"حاول النهر اقتلاعها دون جدوى"، لكنها نجحت في الوصول إلى الضفة الأخرى، هنا تحوّلت مكية إلى لون الشمس وبدأت تتصدع وتتناثر قطعاً وتتلاشى.

ينتهي العمل بخاتمة عجائبية أرادت الروائية من خلالها إظهار مدى قوة وصلابة المرأة في مواجهة تلك العادات والممارسات التي تكبّل حريتها وتخنق حياتها، فالنهر، إلى جانب وجوده في القرية، يرمز إلى تلك القيود المفروضة على المرأة، والتي واجهتها مكية خلال صراعها مع النهر وهو يحاول أن يجرفها بتياره العنيف، كما واجهته في طفولتها وهي توشك على الغرق. ورغم أنها صمدت في وجه النهر والعائلة لكن كبرت بسرعة تفوق قدرتها على الاحتمال وانفجرت في نهاية المطاف ذاكرتها.

قبل هذه الرواية، صدر للحواتي أربع مجموعات قصصية هي: "الحكم على زينب" (2002)، و"ممنوع اصطحاب الأطفال" (2004)، و"صنعاء التي" (2007)، و"هتلر مرّ من هنا" (2016)، إلى جانب دراسات، من بينها: "الملكة أروى وتجربة الحكم"، و"صورة الرجل في رواية أحلام نبيلة" و"العنف العائلي في اليمن".

 **-**

 كُتب بوساطة / عبد القادر عثمان، ونُشر بتاريخ 18 مارس 2019، في موقع العربي الجديد.

لقراءة الخبر من مصدره:

https://www.alaraby.co.uk/%22%D8%BA%D8%B1%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A7%D8%B4%22-%D8%AD%D9%83%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D8%A3%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%87%D8%B1

الأربعاء، 17 يونيو 2020

الأدب الجنوبسوداني المكتوب بالعربية



 تمثل تجربة الكتابة الإبداعية والأدبية في جنوب السودان، أحد الدروب الشائكة والصعبة، ذلك للتباين الكبير في تجربة مختلف الأجيال، بجانب شح الكتابات النقدية والتوثيقية التي تعقب المنتوج الأدبي بأجياله المختلفة، والتي تعود في بداياتها إلى جيل الرواد الأوائل ممن كتبوا بالإنجليزية وتركز اهتمامهم في الكتابة على الحرب وما ترتب عليها من ويلات سياسية، أبرزهم الشاعر والأديب بروفيسور تعبان لوليونق المولود في العام 1936، حيث صدرت له أكثر من تسعة أعمال تتراوح بين الشعر والقصة القصيرة، أولها ديوان (الكلمة الأخيرة) الصادر في العام 1969؛ يليه القاص جونسون ميان 1942 الذي صدرت له مجموعة شعرية من مطبعة النيل بجوبا في العام 1981، وله قصة قصيرة مستلهمة من الحكاية الشعبية للدينكا تم تحويلها لمسرحية مشهورة حملت اسم (محاكمة السمكة الكبرى)، وكذلك الشاعر سر أناي كليولجانق (1954-1999) صاحب ديوان (وهم الحرية وقصائد أخرى) الصادر في العام 1985، وظهر من بعدهم الدكتور فرانسيس مدينق دينق 1938، والذي صدرت له روايتان مشهورتان بعنوان (طائر الشؤم) و(بذرة الخلاص) تمت ترجمتهما للعربية بواسطة مركز الدراسات السودانية، كما ظهرت أسماء مثل أتيم ياك أتيم، اقنيس فوني لاكو، جاكوب جيل أكول في مجال كتابة القصة القصيرة حيث نشرت أعمالهم في العديد من الدوريات والمجلات أبرزها مجلة (سودان ناو) التي كانت تصدر بالخرطوم في ثمانينيات القرن الماضي، وخلال تلك الفترة صدرت مجموعات شعرية لفكتور لوقالا (قرع طبول السلام)، سلفاتور إبراهيم صدرت له مجموعة شعرية حملت اسم (خمس دقائق)، ازاريا قيلو ايميلي وصدرت له مجموعتان شعريتان بالخرطوم: الأولى باسم (ضحايا الحماقات)، والثانية بعنوان (الحفريات)، كما صدرت له مجموعة قصصية باسم (مغامرات كينجي) في الأعوام 1998 – 1999، وجوزيف أبوك الذي صدرت له مجموعة شعرية في العام 1999 بالعاصمة السودانية الخرطوم.

 

استيلا قايتانو

خلال فترة الحرب الأهلية الثانية (1983-2005)، برزت مجموعة من الأعمال الشعرية لكتاب شاركوا في حرب التحرير من جنوب السودان، من أمثال باقان أموم أوكيج ولورنس كوربندي الذين صدرت أعمالهم باللغة الإسبانية، كما أصدر إدوارد لينو ديوانه الأول بعنوان (عاشت القرود) عن دار رفيقي للنشر بالعاصمة جوبا، والدكتور جون قاي يوه الذي صدرت له ثلاث مجموعات شعرية، إلى جانب القاص والشاعر موسس أكول أجاوين الذي نشرت له مجموعة من الأعمال في الصحف السيارة والمجلات الإلكترونية.

 فيما يتعلق بالأدب الجنوبسوداني المكتوب باللغة العربية، فهو يمثل تجربة للجيل الذي عاش وترعرع في المدن السودانية خلال فترة الحرب الأهلية السودانية التي امتدت لأكثر من العقدين من الزمان. وقد برزت أصوات جديدة من جيل الشباب تحكي أوجاع الحرب والهجرة والنزوح كما عاشها جيل الآباء والأمهات، من بينهم آرثر قبريال ياك وهو قاص وروائي، وصدرت له مجموعتان قصصيتان بعنوان (لا يهم فأنت من هناك) و(غابو يرقص الفلامنكو والتانقو) والأخيرة صدرت عن دار رفيقي للنشر في العام 2018، كما صدرت له روايتان: الأولى بعنوان (يوم انتحار عزرائيل) عن دار العين، وهي رواية فائزة بجائزة آفاق للكتابة، كما صدرت له مؤخراً روايته الثانية (سبرانو القيامة) عن دار دار مسكيلياني بالجزائر في هذا العام، وهناك أيضاً استيلا قايتانو وهي كاتبة قصة قصيرة وروائية، صدرت لها ثلاث مجموعات قصصية (زهور ذابلة)، (العودة)، (الطائر الجميل المتواضع) وهي عبارة عن قصص قصيرة للأطفال، ولها رواية صادرة عن دار رفيقي بعنوان (أرواح إدّو)، وعن سبب اختيارها للعربية كلغة للكتابة تقول قايتانو: “لأن اللغة العربية هي اللغة الرسمية حسب الدولة، بالتالي وجدنا أنفسنا ننهل منها في مراحل التعليم العديدة العامة.. من ثم أصبحت هي لغة الاطلاع وتلقي المعرفة، ولم يكن متاحاً لي معرفة لغة أخرى إلا في المراحل الجامعية، وهذا يكفي لأتخذها لغة كتابة على الأقل حتى الآن”.

 

بوي جون

 وترى قايتانو أن الكتابة باللغة العربية في جنوب السودان قد تعيق انتشار المنتوج الإبداعي، رغم أن أغلب الأجيال الشبابية تتحدث وتكتب وتقرأ بالعربية، وقد فطنت لذلك بأن تمت ترجمة جميع أعمالها إلى اللغة الإنجليزية والتي أصبحت منافسة للعربية كلغة تلقٍّ بالنسبة للأجيال الناشئة.

 خلال تلك الحقبة ظهرت أيضاً كتابات القاص والشاعر والروائي بوي جون أوانق، الذي صدرت له روايتان: الأولى بعنوان (جنة الخفافيش) عن دار الساقي وهي رواية فائزة بمنحة آفاق للكتابة، كما صدرت روايته الثانية (كوميان) عن دار رفيقي للنشر في العام 2017، وله مجموعة قصصية بعنوان (مرافعة الثعلب) صدرت عن دار “الجزائر تقرأ”.

وبخصوص اختيار العربية كلغة للكتابة يقول بوي جون: “إن الجغرافيا التي جعلت السودان الكبير على تخوم لغة الضاد هي التي جعلت أمثالنا من أهل تلك التخوم يكتبون بها. والتاريخ الذي جعل من السودان ذات يوم دولة واحدة بحروب لا تنتهي إلا لتبدأ.. هو الذي جعل من أمثالنا نحن من ضحايا تلك الحروب نكتب اللغة العربية، إذن هو أمر قرره التاريخ فمَنْ أنا لأبدِّل أحكامه”.

 إشكالات الكتابة بالعربية عند الأديب بوي جون تأتي دائماً من افتراض الكاتب أنه يحمل رسالة ما، ومن افتراض أنه يريد أن يقول شيئاً ليسمعه الآخرون، ومن أنه حدد لنفسه قراءً مفترضين.

ويضيف بقوله: “أنا لم أواجِهْ أبداً إشكالات لأنني لم أفترض أياً مما سبق، مع ذلك أقول إن الكتابة في بلدٍ مثل الجنوب متعدد الألسن مع حالة تكاد تكون فريدة وهي عدم إستخدام أيٍّ منها كوسيط للكتابة، مسألة إشكالية وشائكة في حد ذاتها”.

 

تعبان لوليونق

 ومن أوائل الأسماء التي ظهرت في مجال الكتابة الشعرية باللغة العربية في جنوب السودان نجد الشاعر قرنق توماس ضل، والذي صدرت له مجموعتان شعريتان عن دار مدارك للنشر بالعاصمة السودانية الخرطوم هما (سفر المرايا) و(سيرة القبلات)، وله تحت الطبع مجموعة شعرية جديدة بعنوان (إليهم في النقر الحميم).

في مرافعته عن الأسباب التي قادته للكتابة باللغة العربية يقول الشاعر قرنق توماس ضل: “أكتب باللغة العربية لأنها اللغة التي تشافهت عليها مع العوالم حولي وأنا صغير، والتي تلقيت بها تعليمي الابتدائي والمتوسط والعالي، ثم وهي اللغة السائدة لاحقاً في نزوحنا العظيم إلى بلادنا الشمالية، ثم أكتب بالعربية لأن أولى العلاقات الإبداعية الكتابية كانت بالعربية، وحتى التي باللغات العالمية الأخرى كانت مترجمة إلى العربية، فالأساس المعرفي الإبداعي والكتابي خاصتي كان بالعربية حيث لا مهرب من الكتابة بالعربية”.

 بالنسبة لتوماس، فإن هناك ضبابية تكتنف مستقبل اللغة العربية في جنوب السودان، فهو لا يريد وصفه بالمظلم، لأن العربية خرجت حالياً من المناهج ومن دواوين الدولة التي تستخدم الإنجليزية كلغة رسمية، وأصبحت متداولة فقط في الأسواق وفي صدور الأجيال التي تلقت تعليمها في الخرطوم وفي الجنوب القديم والشرق الأوسط (مصر، ليبيا، سوريا، الخ): “أما أجيال ما بعد الاستقلال فهي مرتبكة جداً تجاه العربية، رغم الطموح الملاحظ في تعلم العربية والمستقبل في فهمها الرسمي كلغة وليس كمحدد من محددات الصراع الأزلي الذي كان وما يزال”.

 برزت أيضاً خلال تلك الفترة أصوات شعرية جديدة من بينهم أتيم سايمون صاحب ديوان (وخز الوطن) الصادر عن دار رفيقي للنشر في العام 2017، ونيالا وحسن أيول صاحبة (قرابين نيكانغ) والصادر أيضا عن دار رفيقي للنشر 2017، ريجويس استانسلاوس، ألدو ديمو، سايمون إبراهام الذي يكتب القصة القصيرة أيضاً، وأكول ميان كوال صاحب ديوان (انتظار) الصادر بالقاهرة في العام 2017.

 

سر أناي كليولجانق

 يقول أتيم سايمون: “أكتب بالعربية، لأنها اللغة التي تلقيت بها تعليمي وتشكلت عليها مهاراتي من المدرسة الابتدائية حتى الجامعة، وكذلك لإيماني بأنه يجب التعامل مع اللغة كأداة للتواصل بعيداً عن أي حمولات أُخرى، فأنا أستطيع أن أوظف اللغة للتواصل مع العالم المحيط بي فهناك جيل كامل تلقى تعليمه بالعربية ولا يعرف لغة أخرى غيرها، وأرى أنني ككاتب أيضاً غير منحصر في المحيط الداخلي، فأنا مهموم أيضاً بالتواصل مع جمهور القراء الذين يجيدون العربية في الخارج ويريدون أن يتعرفوا على واقع الحياة الثقافية، الاجتماعية والسياسية في جنوب السودان”.

 وعن التحديات التي تواجه الكتابة العربية في جنوب السودان، يرى سايمون أن هنالك بعض الإشكاليات التي تتمثل في أن ما يكتبه يستفيد منه فقط الذين يتحدثون ويقرأؤن بالعربية، وهؤلاء يمثلون أغلبية في أوساط المتعلمين والمثقفين في جنوب السودان والذين درسوا وفق المناهج السودانية فتجدهم يجيدون الإنجليزية والعربية لذلك تجد معظم وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية تعتمد في برامجها على اللغة العربية على الرغم من أن الدستور حدد اللغة الإنجليزية كلغة رسمية للدولة، “فما أقوم بكتابته يجد جمهوره في الوسط المحيط بي والذي يضم في غالبيته مجموعات عاشت ودرست في مختلف مدن السودان إبان فترة الحرب الأهلية السودانية الثانية، وهؤلاء هم أبناء جيلنا جيل السبعينيات، الموجود في كل مفاصل الدولة ومؤسساتها”.

 بسبب غياب المنابر الأدبية والدراسات النقدية المهتمة بمتابعة المنجز الإبداعي في جنوب السودان المكتوب باللغة العربية، لم يتم تسليط الأضواء على العديد من تجارب السرد الجديدة في جنوب السودان خاصة في الفترة التي أعقبت استقلالها من السودان في العام 2011، حيث كانت الجهود الفردية في نشر الأعمال الإبداعية هي سيدة الموقف، إذ نجد الكتابات الشعرية، لأندروداو، قبريال جوزيف شدار، وادينق ايويل لونقار، بجانب الكتابات القصصية لكل من بقت دي انقويك صدرت له مجموعة قصصية بعنوان (الجندي شول شام) سايمون أتير، ملوال دينق، وعبد الله الكاردينال تجد طريقها للنشر على مستوى الصحف والمجلات الإلكترونية، بجانب الأنطولوجيات السودانية والعربية إلى جانب الملاحق الثقافية التي تصدرها الصحف العربية الصادرة بالعاصمة جوبا.

 

 **-**

 كُتب بواسطة اتيم سايمون(شاعر وكاتب من جنوب السودان) بتاريخ 6 يونيو 2020 - ونشر في صحيفة السياسي.

لقراءة المقال من مصدره:  https://assyasi-sd.com/13933/

السبت، 6 يوليو 2019

هل أصبح المشهد الروائي السوداني يعج بالتجارب العميقة؟




يتمتع الأكاديمي والناقد السوداني مصطفى الصاوي بحضور لافت في المشهد الثقافي والنقدي حيث يدرس النقد في الجامعات، ويشارك بفاعلية في حراك الندوات والفعاليات الثقافية والأدبية، متتبعا المشهد الإبداعي الروائي والقصصي والمسرحي والموسيقى، ولا يبخل بنقده البناء وعلمه على أحد، درس الموسيقى والفلكلور ونال درجة الدكتوراه عن أطروحته حول السير والمذكرات في الأدب السوداني من منظور النقد الأدبي.

 في هذا الحوار معه نتعرف على الكثير من جوانب المشهدين الثقافي والإبداعي في السودان.

 بداية وحول أطروحته “السير والمذكرات في الأدب السوداني” قال الصاوي إنه استرعى انتباهه تراكم السير والمذكرات في المشهد الإبداعي السردي إضافة إلى نصوص سيرية رائدة مثل سيرة محمود القباني وبابكر بدري، واهتمام واسع بتراجم الشخصيات، وكذلك سير غيرية، ذلكم التراكم امتد واتسع بل وتشعب لذا كان لا بد من النظر إليه كجنس أدبي يتقاطع مع العديد من الأجناس الأدبية، والسؤال عن أشكاله وخصائصه الجمالية يضيف هذا التراكم وفقا لمحمولاته، وأخيرا ربط نصوص الدراسة بعوامل إنتاجها وتلقيها.

ومن ثم يقول الصاوي كانت أطروحتي التي خلصت فيها إلى إن النزوع إلى كتابة السير والمذكرات في السودان في الظروف الثقافية والتاريخية التي أدت إلى نمو الوعي بالذات، ما مهد إلى ظهور نصوص سيرية في الربع الأول من القرن العشرين أفرزت مذكرات سياسية، وسير غيرية، وعبر التراكم من مرحلة التأسيس إلى مرحلة التجنيس رسخت هذه النصوص في المشهد الثقافي الإبداعي على اختلاف أنماطها، وهربت أغلبها من السرد السيري الشفيف والبوح إلى التعويل على الإنجاز؛ “كفاح جيل” “قدر جيل” “ذكريات جيل” لكل من أحمد خير المحامي ويوسف بدري وحامد ضو البيت.

 وقد انكمشت مساحات السرد الذاتي الحميم كما في “الأيام” لطه حسين بل سعت في تدوين ذواتها إلى البوح الخجول، وغابت الطفولة، ومرحلة المراهقة وباستثناء الشيخ بابكر بدري رائد تعليم البنات في السودان وهو من النخب، فقد مالت تجارب الكتاب إلى إبراء الذمة، والتبرير، والتعويل على الإنجازات، وتراجعت دخيلة ذواتهم بل غابت بنيتهم الأسرية.

ولعل مرد هذا يكمن في تأثيرات ثقافية.

يقول المثل السوداني “شكار نفسو إبليس” و”السترة والفضحية مُتباريات” ما ألقى بثقله على عنصر البوح، ومواجهة الذات بل والاعتراف، وبالتالي تراجعت الصدقية، والمصداقية عبر الحذف، والصمت والانتقاء.

 الأنا ليست بغيضة ولكن ثمة عاملا دينيا يلجم من كتب، فالاعتراف يرتبط عندهم بالمجاهرة بالمعاصي إذن فقد كُبحت المادة الاعترافية لديهم بسبب العامل الديني، وسيادة ثقافة الستر وعدم التصريح، والتعري النفسي وارتباطه بمفهوم الفضيحة إضافة إلى دور الرقابة والرقابة الذاتية لذلك فهي بعيدة “أي السير والمذكرات” عن نظيرتها الغربية.

المشهد الروائي وأكد الصاوي أن الرواية السودانية معروفة في المحيط العربي ودونك عبدالعزيز بركة ساكن وحمور زيادة، وأمير تاج السر وإشراقة مصطفى، ومنصور الصويم وعلي الرفاعي، فجلهم شاركوا في مؤتمرات السرد الروائي، وأعمالهم منشورة خارج السودان، وداخله وربما تقود الإجابة هذه إلى سؤال طرحته عن التواصل الإبداعي والثقافي والذي بات سهلا وميسورا، فالثورة الرقمية اخترقت كافة الحجب والسدود، أضف إلى ذلك ضرورة توثيق الصلات بين الجامعات العربية- كليات الآداب، والمراكز الثقافية وأندية السرد مما يخلق المزيد من التفاعل وتبادل الزيارات بين كُتاب الرواية والنقاد في الأقطار العربية للمزيد من التواصل، إذن ما المشاكل التي تحول دون التواصل؟

هذا هو السؤال إذا تجاوزنا التواصل الرسمي الحكومي وهو غير كافٍ، يبقى تواصل الكُتاب وأهل الإبداع كمؤسسات أهلية وحرة ومستقلة، والأخيرة ذاتها منقسمة طبقا للموقع الأيديولوجي، والصداقات الشخصية، إلخ. وهي عيوب الشخصية العربية في المشهد الروائي في السودان.

يرى الناقد الصاوي أن الثورة الرقمية أتاحت مجلات إلكترونية متعددة في السودان والمهجر، وازدهرت فيها المُتابعات الرصينة للسرد الروائي، والتعريف بأعلامه ويرى الناقد أن هذا المشهد متسع وبه تحولات عميقة، عقب التأسيس والريادة (ملكة الدار محمد وخليل الحاج وأبوبكر خالد)، انبثقت حركة روائية ارتادت آفاق الحداثة، من هؤلاء الطيب صالح إذ ارتكزت نصوصه على إطار زماني معقد، وتميزت بصعوبة الفصل بين شخصيتي الراوي ومصطفى سعيد في موسم الهجرة للشمال، واستمر مسار التحولات فظهرت روايات أحمد حمد الملك منها “الفرقة الموسيقية” و”إذ أيام الخريف” ونصوص أخرى، وإبراهيم بشير الذي مزج في روايته التراب والرحيل بين الواقع والأسطورة والمحاكاة الساخرة. وتواترت الإسهامات الباذخة وظهر في سني التسعينات أمير تاج السر، وعبدالعزيز بركة ساكن والأخير ارتكز على أساليب: المسخ، والفانتازيا وتوظيف الأحلام وارتاد آفاق الواقعية السحرية في الطواحين، والواقعية العارية؛ واقعية القاع في الجنقو مسامير الأرض، والرجل الخراب، وفي ذات الصدد تمكن الإشارة إلى منصور الصويم الذي حقق حضورا لافتا منذ نصه الثاني ذاكرة شرير والتي أولت اهتمامها لأطفال الرصيف “المشردين” وعوالمهم في الهامش وصولا إلى آخر نصوصه مثل: أشباح فرنساوي وعربة الأموات، حيث صاغها في قالب فني يمتح من الفانتازيا ويتداخل مع الواقع.

الرواية النسوية وأشار الصاوي إلى أن داخل هذا المشهد الواسع، المتسع، والذي يعج بالتجارب الروائية برزت نصوص نسوية: بثينة خضر مكي، وزينب بليل وأخريات سعين في متخيلهن الروائي إلى تأسيس النص النسوي السوداني وأفرزت نصوصهن أسئلة عديدة هيمنت على تلك النصوص ذات الأنثى وفيها اخترقت الكاتبات- وتجاوزن التابو الاجتماعي وتماهت نصوصهن مع مفهوم النسوية، ما انعكس على البناء الفني للنصوص: سيادة ضمير المتكلمة، تفوق الشخصيات النسوية على الذكور “كميا ونوعيا”، علو النبرة الخطابية وبإيجاز يتضح للقارئ سؤال الخصوصية والاختلاف كما احتفت بجسد المرأة المقهور “ختان”، وأبرزت قلق النوع “لا أجد مخرجا من ورطتي فيك، ولا أنا قادرة على العيش معك ولا أنا قادرة على الموت دونك”.

مما يسترعى الانتباه في تلك النصوص استخدام لغة النساء كما تعرف في علم اللغة الاجتماعي في محاولة منهن لتأنيث اللغة وأهم ملمح فيها: استبطان الوجع الأنثوي داخلها، وتجاوز الأنا النسوية إلى الأنا الجماعية وفضح ممارسات السلطة الذكورية، وظلت أقلام راسخة داخل هذا المشهد، مثل إبراهيم إسحاق في رواياته: “حدث في القرية”، و”أخبار الليل والبلدة”، و”أخبار البنت ميكايا”، و”مهرجان المدرسة القديمة”، و”وبال في كلميندو”، وما ميز رواياته إضافة لتشكيلاتها الفنية سؤال الهوية ومتح من عامة دارفور وقدم شخصياتها وتقاليدها وأعرافها بل رؤيتها للكون، فكان صوتا مميزا ضمن هذا المشهد.

 ومن مجايله والقاص والروائي عيسى الحلو وضمن عالمه الروائي تلمح: تيار الوعي وتعدد الأصوات، والسرد اللولبي سرد تتكرر فيه العودة إلى الماضي ثم المستقبل والماضي وهي روايات مُغايرة، ومختلفة ومن وجهة نظر أخرى يلاحظ العلاقات الجدلية بين نصوصه الروائية وقصصه القصيرة، وما يؤشر إلى الانفصال في عوالمه القصصية الروائية تلك النصوص ذات الخصوصية في مجرى الإبداع الروائي السوداني لما حفلت به من تعدد أصوات، وتوظيف ذكي للتفاعل النصي، وتقطيع السرد، وزمانها المعقد وشخصياتها المغايرة ودونك عجوز فوق الأرجوحة، وصباح الخير أيها الوجه اللامرئي الجميل.

وبرزت في هذا المشهد نصوص روائية عرفت بكتابات المنفى وهي روايات كتبت عن الوطن خارج الوطن في سياق ثقافي مختلف فالكاتب يقيم في مكان، ويتذكر الواقع، ويتخيله في مكان آخر.

ومن هؤلاء الكُّتاب طارق الطيب في “مدن بلا نخيل” وإبراهيم سلوم، وخالد عويس، وعماد براكة، وإشراقة مصطفى التي كتبت سيرة روائية، لاحظ عناوين النصوص “وطن خلف القضبان”، “الأسرار”، “عطر نسائي”، والشاهد أنه منهم من كتب باللغة الإنكليزية مثل جمال محجوب، وليلى أبوالعلا، وباتت هجرة لسان أيضا.

ولفت الناقد الصاوي إلى أن الملامح العامة لتلك النصوص خصوصا التي كتبت خارج المكان السوداني تميزت بـ:

أولا، للمكان الصدارة في نصوص المتن إذ أنه منشئ ولولا مكان النفي ما كان القص.

 ثانيا، قص المنفى في جوهره قص عن المكان لأن المنفى علاقة بين مكانين وطن خاص ووطن آخر يلوذ إليه المنفي.

 ثالثا، شخصيات نصوص رواية المنفى منقسمة بين المنفى والوطن، والتفاعل بين شخصيات سودانية وأخرى أجنبية.

رابعا، احتلت الذكرى، والتذكر، والحنين مساحات شاسعة في النصوص.

 خامسا، مثلما تبحث رواية المنفى عن الحرية، واليقين الروحي فإنها تنغمس وبدرجات مختلفة في صراع الهوية وتحاول خلخلة الخطاب الأوروبي المركزي، والصورة النمطية للآخر العربي، والمسلم على اختلاف تلك الروايات.

جل النصوص تكررت فيها: جدلية الآنا/ الآخر/ نحن وهم/ “نحن نحرص على العذرية والعفة”.. شكلت النصوص تغريبة سودانية وأفرزت روايات صبت في مجرى الإبداع وصولا إلى روايات البحر أو التوابيت كما عند سوزان كاشف “التابوت” وعاطف الحاج السيد “عاصف يا بحر” وعماد براكة في تأشيرة خروج.

ولقد اعترف الصاوي بصعوبة تقديم صورة كاملة ومتكاملة عن المشهد الروائي بالسودان وهذه فقط بعض ملامح ذلك المشهد، لكنه تجاوز بالتراكم الكمي، ثم الكيفي، والتحولات النوعية مراحل التأسيس وصولا إلى تبوّئه مكانة مهمة في المشهد العربي والعالمي لمجموعة من كتابه.

غياب النقد والمجلات ورأى الصاوي أن أهم ما يمكن إيجازه في المشهد النقدي والذي حاول بما استطاع من جهد وفي ظل غياب حركة نشر فاعل ومجلات نقدية دائمة الصدور وغياب الحريات العامة أن يلقي حجرا في بركة ساكنة أبرز مشهدا، وسم بالتالي: ضعف الصلة بين المراحل النقدية وقد أثر ذلك سلبا على عملية التراكم النقدي؛ خفوت صوت النقد الأكاديمي وعدم وصول صوته خارج أسوار الجامعات. سيادة النقد الصحافي السريع: عرض الروايات في إشارات سريعة وغير منهجية؛ غياب الحوار النقدي الخلاق، وعدم قبول وتقبل الآخر، وسيادة ثقافة الإقصاء والتهميش، التي تسللت إلى المجال النقدي. غياب الجهود الجماعية في ظل وجود جهود فردية قليلة أثرها خافت؛ الاتكاء على المناهج الغربية، وتطبيقها تطبيقا آليا دون العمل على معرفة طبيعتها، وخلفياتها الفكرية، أو محاولة استنباتها طبقا للواقع السوداني وهذا لا يعني الانغلاق. غياب المجلات المتخصصة، والتي تصدر يهيمن عليها حراس السلطة، لقد اغتالت القوى الظلامية البائدة مجلة الخرطوم، لاحظ شعارها “للثقافتين العربية والأفريقية” وهيمنت على مجلة “وازا” مجلة الفولكلور السوداني.

حراك ثقافي أخيرا يرى الناقد الصاوي أن الثورة الرقمية أتاحت مجلات إلكترونية متعددة في السودان والمهجر، وازدهرت فيها المُتابعات الرصينة للسرد الروائي، والتعريف بأعلامه، بل دخلت في شراكات وتشبيك مع مواقع مغربية وجزائرية واعتقد الصاوي جازما أن الحراك النقدي للمشهد الروائي يمضي إلى الأمام وبخطى واثقة في تلك المنصات.

 إضافة إلى جهود مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي وجائزته: جائزة الطيب صالح للإبداع الروائي، وما يتصل بها من مؤتمرات نقدية تعالج الرواية السودانية.

أما الحراك الثقافي العام فهو في ازدهار وارتبط بما يدور الآن في الخرطوم من ثورة اقتلعت الظلاميين وظهرت الإبداعات من فنون تشكيلية في ميدان الاعتصام: لوحات للشهداء، وشعارات الثورة، بل وتوثيق بصري للهتافات، إضافة إلى أن السينما البديلة ظلت منذ بداية الانقلاب على الديمقراطية تعمل إنتاجا وإخراجا وأفلاما وثائقية وخاصة في مناطق النزاعات والتهجير القسري، وقهر المرأة.

ويعود الفضل لجماعة الفيلم السوداني ونشاطها في ناديها بالمدينة المركز “مدينة أم درمان”. على الأقل يمكن القول إن الحراك الثقافي في مختلف تجلياته ماثل الآن، كما كان ماثلا في سنوات الجمر عبر الأندية الثقافية، واتحاد الكتّاب الحر، واتحادات الشباب، وجماعات التشكيليين، وجماعة دراسة الفولكلور، والإبداعات المادية والمعنوية والتي تبدت في الميدان من رقصات شعبية، وقيم النفير والتكافل، وظهور الأزياء الشعبية “الثوب السوداني” كما وضح لدى آلاء صلاح أيقونة الثورة والأناشيد الثورية، كأشعار الراحلين محجوب شريف ومحمد سالم حميد، والقدال، وأزهري محمد علي.

عودة على بدء، الحراك النقدي بخير، ونحن نستلهم الآن الثقافة السودانية بكل ما تحمل من قيم الانتماء، واحترام التعدد العرقي، ورؤية مجموعاته للكون، وتظل الرواية منذ تأسيسها وحتى الآن مجلسا صادقا وأمينا لمفهوم السودانوية.



**-**
 نُشر بتاريخ 25مايو2019، في صحيفة اليوم الثامن. 

لقراءة المقال من مصدره:
https://alyoum8.net/news/46560


الأربعاء، 19 سبتمبر 2018

عين على الأدب السردي السوداني من خلال روايتي «شوق الدرويش» و«مسيح دارفور»



إن ما يعرفه القارئ العربي عن الأدب السوداني قد لا يتجاوز في كثير من الأحيان إسهامات عبقري الرواية العربية الطيب صالح في حقول الأدب من روايات وقصص قصيرة، لكن الأدب السوداني في مجمله لا يتوقف عند هذه الأيقونة الثقافية الوازنة، وينتج آلاف الأعمال كل سنة، غير أنها لا تحظى بنفس الاهتمام الذي قد تحظى به مثيلاتها من الأعمال الأدبية العربية.

فالسودان وعلى الرغم من كونها بقعة أرضية متخاشعة خلف الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، إلا أنها شكلت بيئة خصبة لشياطين الإبداع، وأرضًا زاخرة بالموضوعات. بدءً بتوالي الحروب والأزمات والنكبات التي تنتج عنها، والتعددية العرقية والدينية وانتهاء بانتشار طرائق التصوف والدروشة على اختلافها. كل ذلك تحتضنه السودان بكرم بالغ، تمسح دموعها ودماءها بأمل خافت طمعًا في غد أفضل؛ ليأتي الأديب الذي يرفض أي شكل من أشكال التصالح مع الواقع، ينكأ بقلمه جراح المدن والأرض والناس، ويعيد تشكيل المعنى بعد أن يفرغ من مهمته الإنسانية النبيلة التي لا يغيب عنها الانتصار للضحايا والانتفاض في وجه جلاديهم.
وهذا ما تؤكده العديد من النصوص السردية السودانية الحديثة، التي تباغت القارئ بغناها وتنوعها الديني وتعدديتها الاثنية وكثافة أحداثها والحبكات العبقرية التي تُواشج كل هذه المكونات في توازن تام. لدرجة قد يعتقد معها القارئ أنه أمام عمل من نسج خيال الكاتب فقط، في حين أن كل تلك الموضوعات والمكونات، بالرغم من غرابتها، فهي حقيقية جدًا وواقعية، لا يجد الكاتب معها سوى أن يعيد ترتيبها بحسب ما يتناسب ورؤيته للنص الإبداعي الذي يسكنه. إذ نجد أن روايتي (شوق الدرويش) و(مسيح دارفور) تتركان لدى المتلقي انطباعات عميقة لا تخلو من الدهشة، وكأنهما قطعتان نفيستان سقطتا من عالم آخر.
شوق الدرويش.. طعم الحب في رائحة الموت والحرب
ما كان يئن. ولا هرب من أوجاعه بالغيبوبة. ما كان بداخله من وجع حماه من كل وجع آخر.
بهذه العبارة يصف حمور زيادة ألم بخيت منديل بطل روايته، الألم الذي يفوق القدرة البشرية على التحمل؛ فالعديد ممن شاركوا بخيت العذاب بالسجن نفسه، توفوا بعد فترة قصيرة ؛ لكن بخيت ظل حيا… وكأنه تجرد من الجسد، أو أنه على الأقل لم يكن يعبأ لكل أشكال التعذيب الجسدي التي طالته، وهو منهمك باجترار الألم الذي تسبب في نزيف روحه وقلبه معا. وقد تمكن بالفعل هذا الجسد الواهن والضعيف والمحمل بأنواع التعذيب والإهانات من الوقوف مرة أخرى، مانحا صاحبه إمكانية البدء في رحلته نحو الانتقام مباشرة بعد سقوط مدينة المهدية وخروجه من الأسر.
النار والدخان في كل مكان
النار والدخان في قلبه
سقطت مدينة المهدي
ليكون سقوط مدينة المهدية ونهايتها هي الصورة التي اختارها الكاتب لتكون بداية روايته، مبتعدًا بذلك عن البدايات الكلاسيكية التي يطبعها الهدوء أو التي يختار لها أصحابها تحميلها مهمة التعريف بالشخوص بتدرج. نجد حمور زيادة بالمقابل لا يخشى الصدام مع القارئ، ويقحمه مباشرة في القصة مند الصفحات الأولى، ليستمر فيما بعد باستحضار التفاصيل الهامة في محطات شخصياته من خلال استخدام تقنية الفلاش باك.
وبالرغم من أن رائحة الموت والدم والدخان تكاد تطغى على معظم صفحات الرواية، إلا أن عبقًا عجيبًا يأبى إلا أن يغلف تلك الرائحة ويفوح عبر الرواية مانحًا إياها بعدًا آخر، إنه ذلك النسيم الهادئ الذي ينتشر عبر الحب الذي يحمله بطلنا تجاه ثيودورا اليونانية التي دخلت السودان مع بعثة دينية أرثودوكسية، والذي لم ينضب حتى بعد وفاتها ليظل طيفها مرافقًا له ومؤنسًا لوحدته وشاهدًا على عذاباته. هو الحب الذي يعتمل في قلب مريسيلة تجاه بخيت إذ لم تدخر جهدًا في مساعدته على تحقيق رغبته في الانتقام، بالرغم من أنها تكره تلك الأجنبية التي سرقت لبه ولا تكف عن لعنتها سرًا وجهرًا مرددة: (يلعن دين بنت النصارى). هو الحب الذي يكنه يوسف أفندي تجاه ابنة عمه، وهو أيضا ما جعل الشيخ الدرويش الحسن الجريفاوي يتراجع عن الوعد الذي قطعه بقتل بخيت انتقامًا لموت التاجر، ما إن عرف قصته ولمح في عينيه طيف الحب الذي اضطر الحسن نفسه إلى التخلي عنه في سبيل تلبية الدعوة المهدية.
عجلت إليك ربى لترضى، عجلت إليك ربى لترضى، عجلت إليك.. وتركت فاطمة ورائي.
من جانب آخر، نجد أن الرواية تتضمن جزءًا هامًا من التاريخ الكولونيالي للسودان، فهي تتناول فترة ما بعد الثورة المهدية لتصفية الاستعمار التركي وبداية الاستعمار الإنجليزي، وهو ما جعل خطاب الآخر الكولونيالي حاضرًا بقوة، سواء من خلال الحملات التبشيرية ومهمة التنوير وتمدين الشعوب البربرية المتخلفة في نظر المستعمِر، أو من خلال الاستعباد والاستغلال الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والجنسي الذي ينهجه هذا الآخر الأبيض تجاه الإنسان الأسود. والذي يمثل له بشكل أبرز الأوروبي الذي اشترى بخيت لأول مرة بقروش قليلة من سوق النخاسة، وقد كان لايزال طفلًا آنذاك، واصفًا إياه بالقرد القبيح (انت حبيبي الزنجي، أنت عبد قبيح).
ثيودورا نفسها معشوقة بطل الرواية الذي آثر قطع رؤوس بني جلدته عقابًا لهم على ما ألحقوه بها من أذى، نجدها تمتنع تمامًا عن التطلع لبخيت في منأى عن لونه، وترفض مرارًا طلبه بالزواج منها مخافة أن تنجب أطفالًا سود، مكتفيه باعتباره أخاها الأسود، نفس النظرة كذلك كانت تسقطها على معظم من التقت بهم في أم درمان أو الخرطوم فنجدها قد انصرفت إلى اتهام خادمة سوداء بسرقة صليبها دون أن تعترف الخادمة بذلك أو أن تثبت عليها السرقة. وتظل هذه النظرة الدونية والاستعلائية تجاه السودانيين هي السائدة لدى الآخر الكولونيالي بمن فيهم ثيودورا كذلك، بالرغم من كل الصداقات التي ربطتها وكل الوقت الذي مضى على تواجدها بالسودان.
لكننا نجد بالمقابل التفاتة طريفة لتمثل المستعمَر حول المستعمِر، وهو أمر غير مألوف في معظم الأعمال الأدبية الكولونيالية. فنكتشف أن نظرة الأسود للأبيض لا تخلو بدورها من الشعور بالقرف؛ مما قد يغمر القارئ بالأسئلة ويدفعه للتفكير في الجانب الآخر للحركات الاستعمارية. إذ لطالما كره بخيت العرق الأبيض واستغرب كيف حرمهم الله اللون وابتلاهم بالبياض لتكون (أجسادهم مسلوخة تكسوها حمرة، وأعينهم كقطط خبيثة، ورائحتهم نحاس صدىء).
أما بالنسبة لما يتعلق بالبنية الروائية لهذا العمل، فيظهر جليًا أن حمور زيادة قد برع في اختيار نصوص متعددة ومتنوعة ساهمت في إغناء الوعاء اللغوي للرواية، وجعلت من البنية الخطابية للنص الواحد نافذة للعديد من النصوص المختلفة التي تتفاعل فيما بينها من خلال اشتغاله على متناصات تاريخية وأدبية وصوفية معًا. فنجده قد ضمّن إلى جانب الخطاب المابعد كولونيالي، بنية صوفية واضحة، لم تعق تشكيل النسق اللغوي للرواية، وإنما أضفت نوعًا خاصًا من السحر على العمل الروائي، فكانت وقفات التأمل والفلسفة الصوفية وصوت الحكمة الذي يتخلل الرواية والاقتباسات من القرآن أو الإنجيل وأشعار الحلاج وابن عربي، إضافة بالغة البهاء وفسحة للقارئ كي يغوص في أعماق كينونته ويسبح في كنه علاقته بالنفس والغير والله، فضلًا عن القاموس اللغوي الغني الذي استخدمه الكاتب والأساليب الدلالية والجمالية المتعددة التي تتماهى والموضوعات المضمنة في الرواية، فاللغة هنا ليست رتيبة جافة تنتهي مثلما بدأت، بل إنها تتلون وتتنوع بحسب المحكي، لتصبح لغة شعرية عند الوقوف على القيم الإنسانية كالحب والايمان، وأحيانًا يطغى عليها طابع الجدية والصرامة عند الحديث عن الحرب والطغاة والمستعمر، وأحيانًا أخرى تصير لغة واصفة للأماكن والأشخاص والروائح وحتى أنواع العذاب التي تلقاها المساجين.
ثنائية الجمال والبشاعة في مسيح دارفور
يقول الكاتب السوداني عبد العزيز بركة ساكن في أحد حواراته التلفزيونية: (أنا كاتب منحاز لا أعرف الحياد. والمحايد مع الشيطان… المحايد مع القتلة)، والشيطان هنا ليس شيئًا آخر غير الجنجويد، لذلك فهو من هذا المنطلق لا يجد للجنجويد في روايته توصيفًا آخر غير البشاعة، هذه الكائنات المتوحشة والمفرغة من طابع الإنسانية، تسير في الأرض فقط لتأكل وتغتصب النساء والأطفال وتنهب وتذبح بأبشع الطرق.
مما يجعل من فكرة المهدي المنتظر في العقل الجمعي السوداني فكرة الخلاص الأبدي من عبث الجنجويد، هذا المهدي الذي سيوحد البلاد ويستأصل الظلم وينتصر للفقراء. هي فكرة تتعاظم لدى المخيلة الشعبية السودانية وتدفع بالكثيرين لادعاء النبوة أو تقمص شخصية المهدي المنتظر. وهي كذلك ذات الفكرة التي انطلق منها الكاتب ليؤسس لشخصيات عمله الروائي، مستبدلًا المهدي بالمسيح عيسى (ابن الإنسان وليس ابن الله).
فقد اختار عبد العزيز بركة ساكن للمسيح أن يحط رحاله بمدينة دارفور السودانية، وأن يكون ادعاؤه للنبوة منطلقًا لأحداث الرواية. وجعل من إشكالية الهوية السودانية محورا هاما داخل الرواية، إذ اشتغل على الصراع بين الحكومة الممثلة في الجنجويد والمجندين بالخدمة الإلزامية والمجاهدين؛ وبين الشعب المتمثل في السكان الدارفوريين على اختلاف انتماءاتهم الإثنية والدينية، بالإضافة إلى المسيح كذلك. ثم جعل من هذا الصراع ثيمة عمله الروائي.
و بما أن الجوع يولد الوهم، فإننا لن نستغرب من اليقين الأعمى والإيمان والمبايعة التي لقيها مسيح دارفور على أيدي ضحايا الحرب. ففي رواية عين الفرس للأديب المغربي الميلودي شغموم نجد أن الشخصيات تأثرت بفكرة وجود أطباق (البسطيلة) و(المشوي) في عمق البحر وهو ما جعل الكثيرين منهم يقضون غرقًا.
عبد العزيز بركة اشتغل كذلك على التجريد المعرفي لثنائيات مفاهيمية متعارضة في ظاهرها، وذلك بغرض تفكيكها وإعادة تحديد معناها وفق رؤية شمولية. وهي إحدى أهم الممارسات التي يدعو لها جاك دريدا من خلال عملية الإزاحة الفكرية للثنائيات الميتافيزيقية التي تعمل على الغوص في أعماق المفاهيم المتداولة مجتمعيا والتي تكتسي طابع اليقينية وغالبًا ما تحمل مدلولات أحادية، لينتقل إلى تجريدها من الآراء المسبقة وإعادة تشكيلها مع جعلها علامة مفتوحة على مدلولات متعددة، لينتهي إلى إبراز العلاقة الباطنة بين هذه الثنائيات إذ تتقاطع عند نفس النقطة فيصعب حينها التمييز بين المفهوم ونقيضه.
إذ نجده إلى جانب ثنائية الجمال والبشاعة، قد عمل على ثنائية الدين والكفر أيضًا، ذلك أن الرواية زاخرة بإشارات توحي إلى أن الكفر هو نفسه الإيمان، مثلما جاء على لسان مسيحه مرة:
 الكفر يا أحبائي درجة بالغة التعقيد من الإيمان
ليعرج على ثنائيات مفاهيمية أخرى من قبيل الثقافة والمجتمع، ويتطرق لها من خلال شخصية إبراهيم خضر إبراهيم، الشاب المثقف الذي تم إجباره على الخدمة العسكرية فوجد نفسه مدافعًا عن إيديولوجيات لا يؤمن بها. بالإضافة لثنائية الحب والكراهية، والتي نجح من خلالها في إرباك القارئ وجعله عاجزًا عن التمييز بين مفهومين لطالما جزم أنه محيط تمامًا بمعناهما.
وعرفوا فيما بعد أن الحب والكره يجريان بذات الشريان، ويسقيان ذات الحقل، وعرفوا أن من يحب كمن يكره؛ يختلط عليه الأمران، ولا يعرف أيهما خيره وأيهم شره، وقد يقبل أصبع الشيطان ظانًا أنها شفة محبوبه.
يظهر إذًا أن عبد العزيز بركة قد استطاع أن يطرح بجرأة وذكاء اسئلة فلسفية عميقة على بساطتها، تنطلق من الواقع المعيش للساكنة الدارفورية على وجه التحديد لتلقي بظلالها على أنساق مفاهيمية أكبر، وتطرح قضايا إنسانية كونية لا تنحصر في حدود السودان فحسب. غير أنه لا يظهر للقارئ ثقل هذه العملية، ويدرج ذلك بسلاسة ومرونة لا تعيقان خيوط السرد وكأنها فعل فكري عفوي.
من جهة أخرى، كان من اللافت للانتباه أن يعمل الكاتب على الجسد بلغة جريئة غير آبه لما سيقابله به المجتمع السوداني المحافظ. مكسرا بذلك بنية الطابوهات المجتمعية، خاصة في ظل الرقابة المفروضة على المشهد الأدبي بالسودان والتي لازالت تعتبر الجسد أحد محرمات الكتابة الأدبية، مما جعل تهمة خدش الحياء العام ملاحقة له حتى اليوم.
فقد كان شجاعًا في كشف المغامرات الجنسية لعبد الرحمان التي لم تجد حرجًا في استخدام جسدها لإغواء الجنجويد واقتيادهم إلى منفاهم الأخير في هوس غريب بلغ ذروته مع رغبتها في أكل أكباد ضحاياها بعد قتهم. هذا ما آلت له الفتاة اليتيمة التي تم العثور عليها أسفل جثتين متحللتين وحين سئلت عن اسمها أجابت: عبد الرحمان؛ فتمت تسميتها كذلك. وحتى العناية التي أولتها لها العمة خريفية التي تبنتها لم تسعفها يوما في نسيان ما فعله الجنجويد بها وبأهلها وأقاربها، لذلك ظل الحقد الذي تكنه بداخلها يكبر معها ويدفعها إلى الانتقام مستخدمة ذات الجسد الذي استباحه الجنجويد.
وجبت الإشارة إلى أن اللغة التي عمد بركة ساكن إلى استخدامها، هي لغة سلسة تتدفق بانسيابية فتتيح للراوي العليم بمجريات الأحداث وتفاصيل الأشياء، الانسحاب بخفة وإفساح المجال لصوت الشخصيات كي يرتفع من حين لآخر، معبرًا عن آراء الشخصيات وأفكارها وخلجاتها. دون الوقوع في الخلط بين هذه الأصوات إذ إن الكاتب ربط بين جل شخصيات الرواية بشكل أو بآخر، انطلاقًا من شكيري توتو كوه، وانتهاء عند مريم المجدلية. بالإضافة إلى الوصف المكثف والدقيق للأمكنة والزمن والرائحة وكذا الشخصيات، سواء على مستوى المظهر الخارجي أو المستويات النفسية التي يتنقل عبرها ببراعة، فضلًا عن استخدامه مكون الغرائبية في السرد منطلقًا من الواقعية السحرية التي تطبع السودان، وهو ما ينعكس على الكتابات السودانية بصفة عامة.
**-**
كُتب بواسطة / مريم الشتوكي- المغرب


مَوْسِمُ العَوْدِة إلى الشَّمال

قِصَّة قَصِيرة: مَوْسِمُ العَوْدِة إلى الشَّمال