‏إظهار الرسائل ذات التسميات سرد. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات سرد. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 17 ديسمبر 2025

الطَّرِيقُ إِلَىَ كَرَن (فَصْلٌ مِن رِوايَة)



بقلم/ تسنيم طه

 

توقّفتُ عند عتبة الباب بتردّدٍ لحظة ما تناهى إلى سمعي صوت المذياع، آتيًا من بيت الجيران بالافتتاحية الشهيرة للمذيع العراقي "يونس بحري" تهيئةً لنشرة الأخبار: " هنا برلين، حيّ العرب". وفي غمرة قلقي، نسيتُ مخاوفي تجاه حُسْنَى، وانشغلتُ بتساؤلاتي عمّن ذا الذي يجرؤ على الاستماع إلى إذاعة ألمانيا رغم منع الحكومة البريطانية الاستماع إليها بعد أن أذاع منها "يونس بحري" للشعوب العربية جملة خطاب هتلر الشهير: "لن نستسلم ولن نرتاح، سننتصر. حان الوقت لانتصارنا. ألمانيا فوق كلّ شيءٍ".

تنامي خوفي عند افتراض أن يكون أحد جيراني القدامى لا يدرك مغبّة فعله، دون أن أدري أهي سذاجة وسهو منه، أم أنه أحد المعاندين للحكومة البريطانية المناهضين للاستعمار المنادين باستقلال السودان عن بريطانيا؟

سألني حبيبي عما بي، فأخبرته بمخاوفي. فلم يكترث لهمومي، بل سحبني من يدي، وتقدّم بي إلى الداخل. نفضتُ يده وتسمّرتُ مكاني، ثم أخذتُ أتلفّت كطائر دوريّ، لأوهمه وأخادع نفسي بأنني أتأمّل الثمار الناضجة المتدلّية من شجرة البرتقال، بينما في الحقيقة، كنتُ أحاول تهدئة روعي، لمّا عادت تعتريني المخاوف تجاه ردّة فعل حُسْنَى، بعد أن يعلن لها زوجها الخبر الذي ظلّ يؤجّله لسنواتٍ.

سبقني حبيبي وتقدم إلى الداخل، تاركًا إياي أجابه دقّات قلبي المتسارعة التي كنتُ أسمعها وكأنّها ضربات طبول الحرب. ولتهدئة روعي، أغمضتُ عينيَّ، وطفقتُ أصلّي للعذراء أن تحمي علاقتي بصديقتي التي أنقذتني من الموت، وساندتني أيام الغربة الأولى عند وصولي إلى الخرطوم، وعرّفتني خبايا العادات والتقاليد والحياة الاجتماعية في السودان. لكن بمجرّد أن فتحتُ عينيّ بعد سماعي لخطواتها ورؤيتُها تتقدّم نحوي، حتّى نسيتُ جميع مخاوفي، واستجبتُ لذراعيها المفتوحتين لي بمودّة كما عوّدتني في كلّ مرة كنتُ آتي فيها لزيارتهم في مدينة التُّراب. عانقتني بفرحٍ وامتنانٍ، فاستكنتُ في حضنها الحنون، حيث أبقتني وقتًا أطول من المعتاد، حتى شعرتُ بدقّات قلبها المتسارعة.

-        كيف حالك يا آن موريس؟ لماذا لم تعودي تزوريننا كما في السابق؟ هل وجدتِ الخرطوم أفضل من اُمْ دُرْمان؟

سألتني وربّتت على كتفي بمحبّة، ثمّ انفكّت عنّي لتستجيب لذراعَيْ زوجها الذي طوّقها بحنانٍ، وطبع قبلة احترامٍ على جبيها، قبل أن يدخل في الموضوع بلا مقدّمات، معلنًا أن هناك أمرًا مهمًّا يريد أن يخبرها به.

انعقد حاجباها، أثناء تقليبها لبصرها بين وجهينا بفضولٍ، فخفضتُ بصري خشية أن تستشفّ من ملامحي ما يخفيه عنها زوجها. كسر حبيبي الصمت الثقيل بسؤاله عن ابنهما، فأجابته، دون أن يزول انعقاد حاجبيها، بأنه في الخارج يلعب مع أقرانه. ولما طلب منها أن تناديه، أطاعت دون أن تتحرّك من مكانها:

-        زيكو، تعال يا زيكو. والدك يطلب منكَ أن تأتي فورًا!

جاء الطفل ذو السنوات الثماني يركض، دون أن يبدو عليه الرضى لتركه لعب كرة القدم مع أبناء الجيران في الشارع. وما إن لاحظني، حتى تهلّلت أساريره واندفع نحوي بفرحٍ. تلقّيته بترحيبٍ كما عودته، فدسّ رأسه في حضني كما تعوّد أن يفعل، ثمّ سألني إن كنتُ أحضرتُ له حلوى السمسميّة المحشوّة بالقشطة والفستق كتلك التي أشتريها له كلّ أسبوع من الأرمنية أنوش، جارتي في زقاق الحاخام.

عادت دقّات قلبي تتسارع عندما اجتاحتني مخاوف جديدة من أن تكتشف حُسْنَى أن ابنها يلتقيني مع والده كلّ أسبوع، وأنهما يرافقانني لحضور قدّاس يوم الأحد في كاتدرائية "سان ماثيو" قبالة النيل الأزرق. لكن حُسْنَى لم تنتبه وأسرعتُ في الخروج إلى الحوش لتنادي على عبدتها الشابّة، التي يهواها عبدي بخيت، تنفيذًا لأمر زوجها بأن تُحضر لنا عصير عرديب يخفّف عنّا حرارة الجو.

أطلقتُ تنهيدة ارتياحٍ، وشكرتُ العذراء على استجابة صلواتي. ثم مرّت لحظات ثقيلة من الصمت بيني وبين حبيبي، حاولتُ فيها تخمين كلماته التي سينطق بها دون أن يجرح مشاعر صديقتي، وتشاغلتُ عن توتّري بالتلفّت في المكان وتأمّل الملاءات الملوّنة، وفتح منخري لأستنشق بعمقٍ رائحة بخور الصندل الممزوج برائحة الريحان وشجرة البرتقال في الخارج الداخلة من النافذة التي كان يصل منها صوت إذاعة برلين من بيت الجيران.

ولمّا عادَتْ حُسْنَى من الحوش، دخل حبيبي في الموضوع مباشرةً:

-       أريدكما أن تتّحدا، وتساندا بعضكما في غيابي، أنا ذاهب إلى إريتريا في مهمّة عسكرية قد تطول.

هممتُ بتصحيحه:

-       بل إلى "فشودة"، في أرض الشلك بأعالي النيل يا نصر الدين.

لكنّ نبرته الهادئة في نطق الكلمات أصابتني بالشلل، وضاعفت دهشتي من سرعة تغيير كلامه الأخير معي.

 بلعتُ لساني، وأدرتُ وجهي بتوجّسٍ ناحية صديقتي لقراءة ردّة فعلها. ولما لاحظتُ استرخاء ملامحها، انتابني شعورٌ بالغباء، عندما خامرني شكٌ في أنها على علمٍ بعلاقتي بزوجها، شعورٌ تحوّل إلى مشاعر غضبٍ تجاه حبيبي الذي جعلني طوال الوقت أتلظّى بمشاعر تأنيب الضمير، دون أن يخبرني بأنه وصل معها إلى وفاقٍ بخصوص علاقته بي. لكن بسرعةٍ عدتُّ لرشدي، واستبعدتُ هذا الاحتمال، بتخيّل أن تكون لصديقتي قدرات خارقة تمكّنها من قراءة الأفكار، وتمتلك قلبًا ملائكيًّا متسامحًا لا تشوبه مشاعر الغيرة المنغّصة لحياة البشر.

-       زيكو! تعال، وضع رأسك في بطن ماما وبطن آن، لتسمع دقّات قلوب اخوانك!

بطن ماما؟ واخوانك؟ إذًا، حُسْنَى حامل أيضًا!

انتابتني غيرةٌ أشعلت في داخلي نارًا فظيعة، تحوّلت بسرعةٍ إلى شعورٍ بالعار عند ملاحظة هدوء ملامح صديقتي، فبلعتُ بصعوبةٍ ريقي لإنزال غصّتي، وأخذتُ أدير حوارًا داخليًّا وألتهم وليمة تأنيبي بمفردي مستغربةً تبدّل المواقف:

-       ألا تخجلين من نفسك يا آن؟! حُسْنَى هي المفترض أن تغار، وتشعل ثورة أن يكون لزوجها عشيقة تحمل منه طفلًا في أحشائها، وتأتي بيتَها لتسمعه يوصيها بزوجته في غيابه.

أغمضتُ عينيَّ بقوّة لاعتصار الألم الذي انتشر في جسدي كانتشار النار في الهشيم، مهدّدًا بحرق جميع بساتين المشاعر الجميلة التي أكنّها لصديقتي. ومع تفاقم آلامي وتشوّشي وسط فوضى خليط مشاعر الضعف والعَبرة والخيانة، نكّستُ رأسي وتمنّيتُ لو تنشقّ الأرض وتبلعني، حتى لا أفتح عينيّ، فأرى وجه حُسْنَى: ضرّتي وصديقتي في آنٍ معًا.

لحظات عصيبة مرّت عليَّ كأنها الأبديّة، تمنّيتُ فيها لو سمعتُ كلام أختي قبل ثماني سنواتٍ، وقفلتُ راجعة إلى أوروبا لأكون بجوارها في محنتها ووحدتها، ولم أنجرف وراء تيّار الحبّ الذي قلب كياني، وجعلني أغيّر مفاهيمي وقناعاتي عن معاني الحياة والتضحية وجبر الخواطر. 

كرّر حبيبي مناداة ابنه هذه المرّة باسم "دايموند"، اللقب الذي أطلقته عليه أنا منذ لحظة أن تلقّيته بين يديَّ، ورأيتُ حوله هالة من لمعان تشبه لمعان الألماس، يوم شاركتُ نساء الحيّ في توليد أمّه التي كادت تموت، وهي تضعه للحياة. لم أصرّح بدهشتي، بسبب مصارعتي لجحيم مشاعري الذي لم يخرجني منه إلّا وصول العبدة، وهي تحمل الصينية المرصوص عليها كؤوس عصير العرديب البنّيّ. تلهّفتُ لتجرّعه وإطفاء نيراني الداخلية، ولكنّ ذلك لن يحدث، لأنه قبل أن تطوف علينا العبدة، تناهى لأسماعنا طرقٌ عنيفٌ على باب الشارع، فإذا بها تهرع لوضع الصينية على طاولة منزوية في ركن الغرفة، لتطيع أوامر سيّدها بالإسراع إلى فتح الباب.

مرّت لحظاتٌ، قتلنا فيها الفضول لمعرفة هويّة الضيف العنيد اللحوح الذي يطرق الباب بهذا الجنون، قبل أن تطلّ علينا امرأة ترتدي زيًّا تقليديًّا يشبه أزياء قبائل شرقيّ السودان، ملثّمة ببرقعٍ ملوّنٍ كشف عن عينين كحيلتين تغلّفهما لمعة مكرٍ.

أصابتني قشعريرة وحيرة، فأخدتُ أتساءل: أ هي من قبيلة الرَّشَايْدة؟ أم الهَدَنْدَوَة؟ أم البَنِي عامِر؟ ولمّا لاحظتُ نظرتها الصقرية تمسح المكان بنظرة متفحّصة، تضاعف توجّسي، خاصة عندما تقدّمت نحو حبيبي، وكأنها قرأت تساؤلاتي، لتبدأ فورًا بتقديم نفسها بأنها إريترية قادمة من "كَرَن"، جاءت لتعطيه بعض النصائح.

 وبعد أن قلبت عينيها الكحيلتين في وجوهنا المترقّبة، تستقرئ أثر كلماتها فينا، عادت تحدّق في وجه حبيبي، لتخبره أن الطليان يحشدون جيوشهم لقتال الإنجليز؛ انتقامًا منهم بعد أن طردوهم من كَسَلا، وأعاقوا استمرار توغّلهم داخل السودان. ولمّا لاحظَتْ الذهول يرتسم على ملامحه، أضافت أنها ستعطيه تميمةً تحميه وتعينه في تحقيق أمجاده، حتى يموت وهو راضٍ عن نفسه. 

انتفض قلبي هلعًا عند سماع كلمة الموت، وتنامى هلعي عند ملاحظة ملامح القلق التي شابت وجه حبيبي، فوضعت يدي على فمي، وتابعته يتفرّس بعينين جاحظتين، وفم فاغر من الدهشة، في وجه المرأة المخفيّ نصفه وراء البرقع الملوّن. تنبّهت حواسي، وأنا أتابع حركة يدها أثناء فتحها لجرابها، قبل أن تخرج منه مسبحة طويلة مصنوعة من نوى اللالوب، قدّمتها إليه ثم نصحته بأن يضعها حول عنقه من فوره؛ لكي تحصّنه وتحميه من بنادق الطليان وسيوف جنود موسوليني.

-                 هل سأحصل على الترقية بعدها، وأفوز بنياشين إضافية قبل أن أذهب للقتال مع دول التحالف في البحر المتوسط؟

سأل حبيبي بنبرةٍ راجفةٍ، لكن المرأة الملثّمة لم تتجاوب مع سؤاله، وانشغلت بتقليب بصرها في المكان، وفي وجوهنا بعينيها الصقريتين.

-       معركتك الوحيدة هي "كَرَن"، ولن تتمكّن بعهدها من الذهاب إلى "العَلَمين" على الحدود المصرية الليبية. لذلك، عليكَ وضع كلّ أمجادك في هذه المعركة، حتى تخلّد ذكرى تبقى بعد مماتك.

أجابتْ بنبرة بدت لي مألوفة، أثناء تحدّيقها في وجهي بدلًا من وجهه، بطريقة جعلت فرائصي ترتعد. وقبل أن أستعيد رباطة جأشي، إذا بها تتراجع للوراء في حركة سريعة، وتمدّ يدها داخل ملابسها الفضفاضة لإخراج سيفٍ لمع نصله مع انعكاس الضوء الداخل من النافذة.

رفعتُ يدي إلى فمي؛ لكتم صرخة هلعي، وتابعتُ حبيبي الذي تلافاها رغم أنها لم تتوجّه إليه، وقفز بحركةٍ تلقائيّةٍ نحو الوراء. وقبل أن نفهم ما يحدث، اندفعَتْ المرأة نحوي وهي تُصدر قهقهة قميئة، لابد أفزعت الحمائم في شجرة البرتقال في الخارج، قبل أن تزمجر: 

-       أنتِ المعنيّة بهذا السيف يا آن موريس، يجب أن أقتلك أيّتها المتمرّدة اللئيمة.

بأعجوبةٍ نجحت في التراجع للوراء، والإفلات من طعنتها في آخر لحظة. ولحسن الحظّ أن هلعي لم يسمّرني مكاني، بل قذف بي نحو الخارج حافية القدمين، بعد أن أفلتت حذائي في ركضي المتخبّط الأرعن. أحرقت قدميَّ رمضاء الحوش الذي اختفت حشائشه وشجراته، والعبدة التي كانت قد عادت لمكانها لتطحن حبوب الذرة أمام باب الشارع، بعد وضعها للعصير في آخر الغرفة وفتح الباب للطارقة الأريتيرية غريبة الأطوار، التي تريد قتلي.

ورغم ألمي، واصلت الركض الأرعن بلا هدًى، كثورٍ هائجٍ في حلبة مصارعةٍ، وظللتُ أدور في حلقة مفرغة، دون أن أعرف من أيّ اتّجاه يمكنني الهرب والنجاة من هذا المأزق. وفي اللحظة التي كادت فيها قواي تخور من فرط التعب واليأس، أدركتني حُسْنَى، وصنعت من نفسها جدارًا بيني وبين تلك المرأة التي كانت قد أصبحت قاب قوسين منّي.

-       ابتعدي يا حُسْنَى، ولا تتدخّلي بيني وبين هذه المتمرّدة! لماذا تريدين إنقاذها وهي لم تنقذك ذلك اليوم من أيادي قنّاصة العبيد في فشودة؟!

تبادلنا نظرات الدهشة أنا وحُسْنَى، قبل أن نصرخ في كورال:

-       الآنسة "سين"؟!

-       نعم، الآنسة "سين"، لن تفلتي منّي هذه المرّة يا آن موريس!

يا إلهي!  كيف لم أتعرّف عليها من نظرتها فور دخولها؟! كيف تجاهلت نظرتها الماكرة، ولم أتعرّف على نبرة صوتها المألوفة؟!

لحق بنا حبيبي، ثمّ تسمّر مكانه يطالع ذهولنا بحيرة وهلع. ولمّا رفعت الآنسة "سين" سيفها الملتمع نصله الحادّ تحت أشعة الشمس الحارقة، تحرّر من شلله واندفع نحونا ليقف حاجزًا بيننا.

-       انتبه أيّها الجندي! مكانك في ساحة المعركة هناك في "كَرَن"، وليس بيني وبين هذه المتمرّدة! ابتعد، وإلّا فستخسر حياتك!

ولكنّه لم يُطِعها، بل فتح ذراعيه على مصراعيهما، صانعًا بهما جدارًا ليحمينا أنا وحُسْنَى من ورائه، معرّضًا صدره للخطر. ونفّذت الآنسة "سين" تهديدها وسدّدت ضربتها الغاضبة نحوي، ضربة كان لابد أن تخطئني، لتنغرس في جانب بطنه.

سقط حبيبي أرضًا مضرّجًا بدمائه، فارتمينا أنا وحُسْنَى من فوقه مولولتين، وتابعناه يلتقط أنفاسه بصعوبةٍ. ثمّ نسيتُ أن أتنفّس عندما وضع يده اليسرى محلّ الطعنة وغمسها في دمائه الحارّة، قبل أن يمسح بها على جبيني وهو يهمهم متوسّلًا:

-       آن موريس، خلّي بالك من زيكو ومن حُسْنَى في غيابي!

كاد يُغمى عليَّ من الألم، وأنا أراه يبذل مجهودًا جبارًا؛ ليرفع رأسه ويقبّل جبيني، قبل أن يستدير ليقبّل جبين حُسْنَى ويوصيها بالاهتمام بي. وكاد قلبي يتوقّف عن الخفقان لحظة إرخائه لعنقه، ومناداته على ابنه بصوتٍ واهن؛ ليأتي ويضع رأسه على موضع الطعنة. وقبل أن يطيع الطفل الواقف يراقب المشهد بذهول، شملنا حبيبي بابتسامة حنونٍة انكُسِفت شيئًا فشيئًا وراء ملامحه المتشنّجة من الألم، قبل أن يغمض جفنيه ببطءٍ.

وهنا فقط، فارقتني الغصّة ونجحت في النطق، لأناديه بصوتٍ راجفٍ، أثناء ربتي برفقٍ على خدّه:

-       نصر الدين! نصر الدين!

قلدتني حُسْنَى بإطلاق صرخة هستيرية، ثمّ لطمته بجنون على خدّيه. ولمّا لم يستجب، شقّت قميصها وانخرطت في لطم خدّيها والولولة بجنون. في هذه اللحظة فقط، شعرتُ بالمعنى الحقيقي للفقد، وبفوران آلامي من داخلي قبل أن تفيض عبر صوتي في صرخة هستيرية، لابد أفزعت الحمائم في شجرة البرتقال:

-       نصر الدين! نصر الدين! حبيبي، نصر الدييييييين!

 

-       سيّدتي! سيّدتي! أرجوكِ، استيقظي!

خرجت من الكابوس على يد العبد بخيت تهزّني بعنفٍ، فنهضتُ وجلستُ وسط السرير وأخذتُ أتفرّس في وجهه المملوء بالهلع، دون أن أراه حقًّا.

 ولما أخبرني بأنه يحمل لي خبرًا، تنبّهت حواسي، وارتعدت فرائصي من نبرة صوته المتردّدة المغلّفة بالتوجّس، وأدركتُ على الفور أن وراء وقفته منكّس الرأس، كارثة يُخفيها.

------------------------------

من رواية " حَفِيدَةُ غُرْدُون بَاشَا"/ الصادرة عن دار رشم/ أكتوبر 2025

نُشر في العدد الـ19 من مجلة غرفة 19/ ديسمبر 2025

السبت، 11 أكتوبر 2025

وَصِيَةُ جَاكُوب (فَصْلٌ مِنْ رِواية)

بقلم/ تسنيم طه

 



- أنا خائفة يا أخي، كيف سندخل البحر في هذا الليل؟

- لا تقلقي يا أختاه! فقد قال القبطان إن البحر هادئ والقمر الوليد لن يؤثّر على المدّ والجزر.

يستفزّني برود أخي دون أن تطمئنني إجابته. أتشبّث بذراعه وأغمض عينيّ، ثمّ أفتحهما، وألتفت ناحية صاحب الصوت المتضجّر:

- أيّها القبطان، افعل شيئًا! ألا ترى أن السفينة لا تريد ترك ميناء "ملقا"، كيف لها أن تبحر بهذه الأشرعة المرتخية؟

تتعالى أصوات أخرى في جوقة مردّدة ترنيمة "إيفيجنيا" في معبد أوليس للإلهة "أرتميس"، قبيل مراسم التضحية بها فداء للظبي المقدّس الذي قتله والدها أَجَامِمْنُون.

- اتركوا أرتميس وشأنها! فلن ترسل لكم الريح كما تمنّى أَجَامِمْنُون أن تسخّرها له، لكي يبحر إلى طروادة.

يزجرهم القبطان، فيؤمِّن على كلامه في جوقة رجل موريسكي وآخر يهودي، قبل أن يصيحا في جموع المسافرين المتحمّسين:

- أجل، دعونا من آرتميس، إلهة الصيد، ولنمجّد إله البحر "بوسيدون"، حتى يحرّك الأمواج ويوصلكم إلى "طنجة" بسلامٍ؛ فهي مكانه المفضّل، مكان التقاء البحر والأرض، المكان الذي أنجب فيه "عنتي"، بعد اتّحاده مع إلهة الأرض "غايا".

يسود هرج ومرج، تتبادل فيه أصوات الجموع المتعبة أحاديثَ غير متّفقة حول أسطورة "أنتايوس"، ومكانة مدينة "طنجة"، و"عنتي" ابن إله البحر وإلهة الأرض "غايا". ثمّ ترتفع أصوات أخرى ممجّدة للإله تصيب البقية بالعدوى فيصيحون ممجّدين:

- بوسيدون! بوسيدون!

في هذه اللحظة، تهبّ نسمة ريح خفيفة وتبدأ أشرعة السفن في التأرجح، فتتعالى صيحات الفرح والحماس، قبل أن يسود صمتٌ مهيبٌ عندما تعود الأشرعة للارتخاء مع خفوت الريح. ويعود الهرج والمرج عند استئناف الناس تمجيدَ إله البحر، قبل الدخول في مشادّات كلامية جديدة بين الجموع حول أصله:

بعضهم يفترض أنه أخو الإلهين الإغريقين "زيوس" إله السماوات، و"هاديس" إله العالم السفلي، وأنه هو الذي بنى طروادة،

والبعض الآخر يفترض أنه إله أمازيغي من ليبيا، وُجِدَ قبل أن توجد الحضارة الإغريقيّة.

يُطالعهم القبطان بنظرةٍ من فوق كتفه، ثمّ يمسح على شاربه الكثيف، قبل أن يُطلب منهم أن يتركوا إله البحر قليلًا ويغنّوا للقمر الآن، لعله يظلّ عطوفًا عليهم، فلا يزيد في اهتياج المياه أكثر من اللازم. تطيع الجموع، فينخرطون في تصفيقٍ ورقصٍ يصاحب دندنة أغنية "Hijo de la Luna" (ابن القمر)، ثمّ يعودون إلى تمجيد "أرتميس" مؤكّدين للقبطان أنهم لا يمجّدون هذه المرة إلهة الصيد، بل إلهة القمر.

أحاول الترديد معهم لعلّي أهزم مخاوفي، لكنني أفشل ويتضاعف هلعي عند استحضار قصة الرجل الذئب، رغم أن القمر ليس بدرًا. ولمّا ترتفع الأمواج، ينفلت لجام خوفي، فيقذف بي هلعي إلى حضن أخي، الذي كان قد رجع إلى الانكفاء على قراءة كتبه تحت إضاءة قنديل خافتة.

أبعدني أخي عنه بهدوءٍ، ثمّ أزاح نظّارته الطبّيّة قبل أن يطمئن:

- اهدئي يا راشيل!

- لا تنادِني براشيل! بل باسمي الحقيقي مثل جدّتي راحيلا! ما هذه الأمواج التي مثل الجبال يا جاكوب؟ انظر، إنها تكاد تبتلع مركبنا!

- هذه مجرد تهيّؤات يا أختي، أرجوكِ، اهدئي!

أغمض عينيّ لكي أهدأ، فلا أنجح، فأعود إلى طرح الأسئلة على أخي:

- هل لو نجونا، سنجد أنفسنا في جزيرة مع ساحرات، مثل الساحرة كيركي التي احتجزت أوديسيوس؟ يا إلهي! لو كنتُ أعلم لكنت أصغيتُ لحدسي، وبقيت في غرناطة لأشارك المسلمين في ثورة "البيازين" ضد جنود الملكة إيزابيلا والملك فيردناند، أو لربّما ذهبتُ إلى العرافة "أماندا"، التي ورثت فنّ تعاليم العرّاف تيريزياس وعرّافات ديلفي، لتقرأ لي طالعي وتطمئنني على مستقبلي.

- ما هذه التخاريف؟ كفّي عن هذا الهراء يا رحيلا! نحن نهرب من الأندلس، وبعيدون كلّ البعد عن "ديلفي" وعن اليونان، وعن افتتانك بحضارتها الوثنيّة.

وبينما أهمّ بالردّ على أخي لأوبّخه على تعامله معي بهذا البرود، تتوقّف أمامي امرأة شابّة تحمل طفلًا يسيل المخاط من أنفه لتسألني بالإسبانية:

- "بُور فَافُور، كِيهْ أُورَا إِسْ؟" (Por favor, que hora es ?).

ألتفت نحوها بذهولٍ ثم أصرخ فيها بغضبٍ:

- لماذا تسألين عن الساعة في هذه الظروف أيّتها الحمقاء؟

تطالعني بذهولٍ قبل أن تبتعد وتنضمّ لمجوعة نساء مفترشات أرضَ السفينة، يثرثرن بالقرب من مجموعة رجالٍ ينصتون باهتمامٍ لخطبة رجلين معتمرين لعمامتين تضفيان عليهما هالة هيبة ووقار.

أطالعهما بفضولٍ ينسيني خوفي برهة، ألتفت فيها ناحية أخي؛ لأسأله عن أمر هذين الخطيبين الجالسين متجاورين فوق دكّة خشبيّة.

- صاحب العمامة البيضاء يُدعى "ابن رشد"، وهو فيلسوف ومؤلّف كتاب "تهافت التهافت"، الذي ردّ فيه على كتاب "الغزالي "تهافت الفلاسفة". وصاحب العمامة السوداء يُدعى "موسى بين ميمون"، وهو فيلسوف ومؤلّف كتاب "السراج والمشناه توراة" الحاوي لمبادئ الإيمان الثلاثة عشر في الديانة اليهودية. الأول مسلم والثاني يهوديّ، وكلاهما مهتمّ بفلسفة أرسطو.

يجبني أخي بهدوءٍ قبل أن يعود للتحديق في صفحة الكتاب بين يديه. وبدل أن أفهم الرسالة وأتركه وشأنه ليهنأ بلحظة صمت، يدفعني غيظي من بروده للتمادي في الثرثرة، وابداء استغرابي وقلقي وخوفي من عدم اندماج جاليتنا اليهودية مع الجالية المسلمة الهاربة مثلنا من الأندلس، بعد أن أجبرتنا محاكم تفتيش الملكة إيزابيلا على الاختيار بين التنَصّر والقَشْتَلة أو الرحيل.

- لا تقلقي، سيتعايشون كما تعايشوا في دولة الأندلس طوال ثمانية قرون، وكما سيتعايشون في المستقبل إلى أن تفرّقهم حرب "الأيام الستة" وحرب "الكيبور".

- "الأيام الستة " و"الكيبور"؟ ولكنّ هذا مستقبل بعيد يا جاكوب؟

- الماضي والحاضر والمستقبل، كلها أزمنة تسير في خطّ لولبي يا راحيلا، وكلّها تتقاطع في نقطة خطّ الزمن اللامتناهية، لتصنع حيواتنا وقراراتنا ومصائرنا. نحن مصيرنا الأول كان الشتات بعد أن تركنا موسى وذهب للقاء ربّه، وعاد ليجدنا نعبد العجل. وها هو الشتات الثاني يلحق بنا بعد أهوال محاكم تفتيش الملكة إيزابيلا القشتالية، وسيأتي الشتات الثالث عندما ستلاحقنا الجيوش النازية بأوامر من هتلر أفظع مجرم في تاريخ البشرية. هذا هو تاريخنا يا راحيلا، ولن نستطيع الهرب منه، ومن اللعنة التي أصابت بني إسرائيل لمخالفتهم تعاليم موسى.

- وكيف لنا أن نعود إلى الصراط المستقيم، ونرث الأرض، ونكسب في معركة آخر الزمان "هَرْمَجَدُّون" يا جاكوب؟

- ولماذا علينا الدخول في معارك يا راحيلا؟ ألا يمكن تفادى الحروب؟ ألا تذكرين حرب طروادة التي اعترف أَجَامِمْنُون بعبثتيها بعد أن استنزفتهم طوال عشر سنوات؟ يقول "سون تزو" في كتاب "فنّ الحرب": إن أفضل معركة يمكنك خوضها، هي تلك التي لا تدخلها.

- هذا كلام جميل يا أخي العزيز، لكنّ أعداءك لن يتركوك حتى يجرّوك إلى معارك من الأفضل أن تستعدّ لها، بدل أن تؤخذ على حين غرّة وتعطيهم فرصة هزيمتك. نحن في غابة، وإن تكن ذئبًا، أكلتك الذئاب.

- كُفي عن التفوّه بالتُّراهّات يا راحيلا! وادعي الربّ أن يكشف عنّا هذه الغمة وأن يوصلنا إلى "طنجة" بسلامٍ، وأريحي نفسك بتذكّر قول الماوردي: "إنّما الحيلة في ترك الحيل"، ومقولة ابن عطاء الله السكندري: "أرحْ نفسك من التدبير، فما قام به غيرك لك، لا تقم به لنفسك!".

- لكن أين أبي وأمّي وأخي الصغير يا جاكوب؟

- ما الذي أصابك يا راحيلا؟! هل نسيتِ؟ لقد ذهبوا الأسبوع الماضي ليهيّئوا لنا الأجواء، وهم الآن ينتظروننا على الشواطئ الأفريقية في المغرب، بعد أن أوصوني أن أهتمّ بك حتى لا يغرّر بك أحد الشبّان المسلمين، سليل الموريسكيين الذين غرّروا بجدّتنا في الماضي. لكنّنا لن نبقى هناك طويلًا، وسنرحل إلى فرنسا العلمانية بمجرد انتهاء الانتداب الفرنسي عن المغرب. حاليًّا ملك المغرب في المنفى، ولن تتأخّر فرنسا في الرضوخ للضغوطات وإعطاء البلد استقلاله؛ فأغلب دول الشرق الأوسط نالت استقلالها من الانتداب البريطاني أو الفرنسي، خاصّة بلاد الشام، وقريبًا سيكون لنا وطن في إسرائيل وسيتحقّق وعد "بلفور".

- لقد شوّشتني يا جاكوب! في أيّ حقبة نحن؟ أفي دولة الأندلس في إسبانيا، أم في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، واستقلال البلدان العربية عن الاستعمار؟

- لا فرق بين الأزمنة يا راحيلا. ألم تقولي ذلك قبل قليل للفتاة الشابّة ذات الشعر الغجري، بينما كانت الجارية تعزف وتغنّي الموشح الأندلسي "لما بدا يتثنّى"؟

أطالع أخي بتشوّش، ثم أشرد عنه لأستعيد حواري قبل قليل مع المرأة المسلمة ذات السنّ الذهبية، التي كانت تحاججني في أن الذبيح ابن إبراهيم هو إسماعيل، وليس إسحاق.

- خذي هذا الكتاب يا رحيلا، واقرئيه لتفتحي لك بابًا من النور والتسامح!

يخرجني أخي من شرودي، فأمدّ يدي وأتناول منه الكتاب ثم أحدّق بفضولٍ في عنوانه "تكيّة المستنيرين" (Les confrérie des éveillés)، بينما يواصل هو:

- ستجدين داخله الكثير عن فكر موسى بن ميمون وفكر ابن رشد، وأيضًا الكثير عن الفلسفة بشكل عام. اقرئي كثيرًا يا راحيلا، عسى أن تستنيري وتتقبّلي آراء الذين يخالفونك في الرأي. وليست قراءة الفلسفة فقط هي ما ستجعلك مستنيرة، ولكن أيضًا قراءة نفسك. فالفلسفة نور العقول، والفلسفة محبّة الحكمة "فيلو-صوفيا" (Philio-Sophia)، أما قراءة النفس فهي الحكمة ذاتها. ألم تسمعي بالآية القرآنية: {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ }؟

- هل صبأتَ يا جاكوب؟ هل نسيتَ تعاليم التوراة والتلمود والمشناة، لتحدّثني عن القرآن؟!

- كلّا، يا رحيلا، لم أصبأ. لكن عندما قرأت الكتب المقدّسة، وقارنتُ بين كتب التوحيد الثلاثة، لم أجد فرقًا بين محمّد وموسى والمسيح. بل وجدتُ أنهم إخوة، تجمعهم شريعة أبيهم أبراهام، وأننا إن سلكنا الطريق المستقيم، فسنلتقيهم جميعًا، وسنتقابل عند شجرة المنتهى أو شجرة المعرفة التي أكل منها أبونا آدم بعد أن أغرته بها أمّنا حواء، فعاقبها الربّ بـ "في الألم تلدين، وإلى زوجك تحنّين". سنلتقيهم في الجنّة، هذا إن نجحنا في النجاة من أفران الربّ التي، في الحقيقة، هي أفراننا نحن الذين صنعناها بأنفسنا، وشيّدنا صروحها العاتية بمشاعر التأنيب والخوف وإطلاق الأحكام. فالجحيم الحقيقي هو أفكارنا ومشاعرنا، وليس كما قال سارتر: "الجحيم هو الآخرون". لأننا نحن من نمنح الآخرين جوازات سفر، لكي يتوغّلوا داخل مساحات تفكيرنا وحياتنا.

بعينين جاحظين، أطالع ملامح أخي الهادئة، وأقاوم جفاف حلقي لأسأله:

- من سارتر هذا يا جاكوب؟ هل هو نبيّ موحّد؟

- كلّا، على العكس تمامًا، إنه فيلسوف ولديه فلسفته التي لها وزنها الخاص، لكنني لا أتبنّاها. لذلك دعينا منه، وركّزي في قراءة كتاب "تكيّة المستنيرين"، لعلّه يفتح في روحك طريقًا من نور، ويجعلك تتقبّلين الآخر كما هو دون إطلاق أحكام، وتردعين كراهيتك لجميلة، فلا ذنب لها لأنها وُلِدت في ثقافة تلزمها بغطاء رأسها، ولأنها تشعر بالراحة بهذا الالتزام، حتى وإن كان يتعارض مع علمانية فرنسا. أنتِ نفسكِ ترتدين الحجاب بطريقة تناسب روح العصر، وتخفين شعرك الحقيقي وراء باروكة؛ حتى لا يُخلَط بينكِ وبين النساء المسلمات. كُفّي عن تصديق ادّعاءات المتطرّفين المردّدة لجملة: "لا نريد تشويهًا لعلمانيّة فرنسا"؛ فالتشويه ليس في الخارج، ولكنّه داخل نفوسهم المريضة.


#حفيدة_غردون_باشا #تسنيم_طه‫#رشم_للنشر_والتوزيع #كتابة #صدر_حديثا #رواية #سرد #تاريخ #أدب #سوداني #انساني #باريس #الخرطوم #السودان #سلام_للسودان #سلام_لكل_العالم 🌿🕊️

 


مَوْسِمُ العَوْدِة إلى الشَّمال

قِصَّة قَصِيرة: مَوْسِمُ العَوْدِة إلى الشَّمال