كافكا على
الشاطئ: حين تتحول الرواية إلى متاهة للروح
بقلم/ تسنيم طه
هناكَ رواياتٌ تُقرأ،
وروايات أخرى تُعاش. وهناك أعمالٌ نادرة لا تمنح قارئها حكاية بقدر ما تمنحه تجربة
وجودية كاملة، تترك أثرها في الوعي واللاوعي معًا، وتستمر في النمو داخله حتى بعد
أن يطوي الصفحة الأخيرة بوقت طويل.
تنتمي رواية "كافكا على الشاطيء"، للكاتب
الياباني "هاروكي موراكامي" إلى هذا النوع الاستثنائي من الأدب، الذي لا
يسعى لتقديم إجابات، بقدر ما يفتح أبوابًا لأسئلة، دون يطمئن القارئ إلى يقيناته، بل
يزعزعها ويعيد تشكيلها.
منذ الصفحات
الأولى، يتضح أن موراكامي لا يكتب رواية تقليدية عن مراهقٍ هارب من منزله، أو عن عجوزٍ
يمتلك موهبة محادثة القطط. فهو يبني عالمًا موازيًا يتداخل فيه الأسطوري بالواقعي،
واليقظة بالحلم، والزمن بالذاكرة، حتى تصير الحدود بين هذه الثنائيات شفافة لدرجة التلاشي.
وما إن يدلف القارئ
هذا العالم، حتى يُدرك أن المنطق المعتاد لا يصلح هنا، وأن عليه التخلي عن حاجته
المستمرة إلى التفسير؛ كي يستمتع بجمال الغموض نفسه.
"كافكا
على الشاطئ" ليست رواية شُيدت على الحبكة بقدر ما بُنيتْ على الحالة الشعورية
التي تخلقها. وذلك لأن موراكامي لم يقدّم الأحداث كغاية في ذاتها، وإنما حوّلها إلى
إشارات واستعارات كبرى، بحيث أصبح كل تفصيل صغير نافذةً على معنى أوسع، وكل صورة
عابرة امتدادًا لأسئلة وجودية إنسانية ضاربة في العمق.
ولهذا، تبدو
الرواية كمقطوعة موسيقية طويلة تتكرّر فيها الثيمات وتتداخل الأصوات، ولكن دون أن
تفقد انسجامها الداخلي أو قدرتها على الإيحاء.
تقوم الرواية
على خطين سرديين متوازيين: رحلة الفتى كافكا تامورا، الذي يهرب من منزل والده
في عيد ميلاده الخامس عشر، فرارًا من نبوءةٍ تشبه "لعنة أوديب" تطارده
كظل أسطوري، ورحلة العجوز ناكاتا، الرجل البسيط الذي فقد جزءًا من وعيه أثناء
طفولته واكتسب في المقابل قدرة غريبة على التواصل مع القطط والعالم الخفي للأشياء.
ظاهريًا، يبدو المساران منفصلين، لكن موراكامي
ينسج بينهما شبكةً خفية من التقاطعات والرموز تجعل القارئ يشعر بأن الشخصيتين
ليستا مجرد فردين مختلفين، بل صورتين لوعي واحد يبحث عن اكتماله: الأول يحمل قلق فتى
شباب وأسئلة عميقة حول الهوية والخوف من المصير، والثاني يُمثل البراءة البدائية
والحكمة الغامضة التي لا تحتاج إلى لغةٍ كي تفهم العالم.
الجمال الحقيقي
لهذه الرواية، لا يكمن في أحداثها، وإنما في الطريقة التي تتحول بها الأحداث إلى
استعارات كبرى، وكذلك في قدرتها على تحويل الرحلة الخارجية إلى رحلة داخلية. فالهروب عند كافكا ليس مجرد مغادرة
للمكان، وإنما محاولة للخلاص من ميراث نفسي وعاطفي ثقيل، وهروب من هوية مفروضة
عليه، ومن قدر يبدو وكأنه كُتب قبل ولادته. أما تنقلات ناكاتا عبر المدن
والطرقات، فهي لا تُعبر عن تنقل جغرافي أو رحلة بحث عن شيء مادي، بقدر ما تُمثل
بحثًا هادئًا عن النصف الآخر من الظل، عن الجزء المفقود من الذات.
ومن هنا، يتحول
الطريقُ إلى رمز، والرحلةُ إلى طقس عبور داخلي، والوجهةُ إلى حالة من الوعي أكثر
منها مكانًا جغرافيًا. ولعل أكثر ما يميز
عالم موراكامي هو مقدرته المدهشة على تحويل الأشياء العادية إلى عناصر أسطورية.
فالمكتبة عنده ليست
مجرد مكان للقراءة، ولكن معبد للذاكرة الإنسانية؛ والقطط ليست مجرد كائنات أليفة، وإنما
رسل غامضة تعبر بين العوالم؛ أما الموسيقى فتتحول إلى لغة سرية تُعبّر عمّا تعجز
الكلمات عن احتوائه. وحتى الغابة، التي تظهر في لحظات مفصلية من الرواية، لا تؤدي
وظيفة مكانية بقدر ما تُعبر عن المتاهة الداخلية التي قد يضيع فيها الإنسان وهو
يبحث عن نفسه، حيث لا يعود الإنسان متأكدًا إن كان يبحث عن طريق للخروج، أم عن سبب
لدخوله أصلًا.
تتجلى عبقرية
موراكامي كذلك في تعامله مع الزمن.
فالزمن عنده ليس خطيًا مستقيمًا يتحرك من الماضي إلى المستقبل، ولكنه نهر دائري يتحرك كالماء، يتلف حول الذكريات ثم يعود يصب في الماضي، ويتسرب إلى الأحلام؛ ليقيم جسورًا غامضة بين الأحياء والأموات. الشخصيات تعيش حاضرها، لكنها تظل أسيرة لذكريات لم تفقد قدرتها على الحضور. الماضي إذًا لا ينقضي، بل يستمر في التشكل داخل الحاضر، وكأن الزمن نفسه قد فقد صلابته وأصبح قابلًا للانثناء والتسرب بين العوالم، معطيًا للروح إمكانية التنقل بين طبقاته المتراكبة بحرية.
وتبلغ هذه
الرؤية ذروتها في شخصية الآنسة "ساييكي"، أكثر شخصيات موراكامي مأساوية
وشفافية. هذه المرأة توقفت روحها عند حب قديم لم تستطع تجاوزه، فعاشت حياتها كلها
داخل ذكرى واحدة. ومن خلال حضورها الحالم، المعلّق بين الحياة والموت، يقدّم
موراكامي صورة آسرة عن الإنسان الذي يتحول إلى سجين لحنينه، وعن الذاكرة حين تصبح وطنًا
بديلًا لا يستطيع صاحبه مغادرته. لهذا تبدو الرواية أحياناً وكأنها تحدث في لحظة
واحدة ممتدة، لحظة تجمع الموت والحياة، الشيخوخة والطفولة والشيخوخة، الفقد والحب.
أما الحب في الرواية، فهو ليس
عاطفة رومانسية بالمعنى التقليدي، بل قوة ميتافيزيقية تعبر الزمن وتقاوم الفناء.
وشخصيات الرواية لا تحب لكي تنجو، وإنما لكي تتذكر، وحتى تمنح الفقد معنى. الحب
هنا جرح جميل، وأثر لا يندمل، وأيضًا وسيلة لإبقاء الغائبين أحياء داخل الوجدان.
ومن هذه الزاوية، تبدو الرواية بأكملها تأملًا طويلًا
في العلاقة الغامضة بين الحب والغياب، وبين الذكرى والرغبة المستحيلة في استعادة
ما انقضى.
أما الغرائبية، فأجمل ما في
الرواية أنها لا تتعامل معها بوصفها زينة فنية أو لعبة تخييلية، بل تعتبرها وسيلة
للوصول إلى حقيقة أعمق من الواقع الظاهر. فالأسماك
التي تهطل من السماء، والأحجار التي تفتح الممرات بين العوالم، والقطط التي تتحدث،
ليست مجرد عناصر تهدف إلى إرباك القارئ أو إدهاشه، وإنما رموز تتصل بذلك الجزء
المعتم من النفس البشرية. ولعل هذه القدرة على جعل المستحيل يبدو أكثر صدقًا من
الواقع نفسه هي ما يمنح الرواية سحرها الخاص. فموراكامي يدرك أن النفس البشرية
لا تُفهم بالكامل عبر العقل فقط، وأن بعض الحقائق لا يمكن التعبير عنها إلا
بالرمز والأسطورة والحلم.
ولذلك، يشعر
القارئ، أثناء تنقله بين صفحات الرواية، بأنه لا يقرأ قصة شخصيات أخرى، وإنما يتجول
داخل تضاريس ذاته، ويصغي إلى أصوات دفينة فيه طالما تجاهلها. فالرواية تطرح أسئلةً
وجودية تتجاوز شخصياتها: من نحن حقاً؟ هل نصنع مصائرنا أم أننا نسير داخل خرائط
رُسمت مسبقاً؟ ما الذي يبقى منا بعد أن نفقد أحباءنا؟ وهل يمكن للإنسان أن يعثر
على ذاته من دون أن يضيع أولاً؟
تتميز الرواية
بحساسية فنية عالية في تعاملها مع النقص الإنساني. فالكمال، في عالم موراكامي، ليس
غاية قابلة للتحقق، وإنما وهم جميل. وما يمنح الإنسان قيمته الحقيقية هو هشاشته
وافتقاره، وقدرته على الاستمرار رغم الشروخ التي يحملها داخله.
ولهذا تبدو شخصيات الرواية كلها ناقصة بطريقة أو
بأخرى: كافكا يفتش عن هويته، ناكاتا عن ظله الضائع، ساييكي عن حبها المفقود،
وهوشينو عن معنى لحياته العابرة. لكن هذا النقص بالتحديد هو ما يجعلهم أكثر
إنسانية، وأكثر قربًا من القارئ.
وعلى المستوى
الأسلوبي،
تكمن عبقرية موراكامي في تلك المفارقة النادرة بين البساطة والعمق. فالسرد يبدو سلسًا
وبسيطًا، لكن تحته تتدفق طبقات كثيفة من الإشارات النفسية والفلسفية والثقافية.
يستدعي الكاتب الأساطير الإغريقية، والأدب الغربي والفكر البوذي، والموسيقى
الكلاسيكية، دون أن تتحول الرواية إلى استعراض ثقافي. فكل مرجع من هذه المراجع
يصبح جزءًا عضويًا من النسيج السردي، كأنه خيط إضافي في سجادة واسعة من المعاني.
أما الموسيقى، فتتجلى في العالم الموراكامي كأحد أهم المفاتيح. فالرواية تُكتب كما لو أنها تُعزف. هناك إيقاع
داخلي خافت يحكم انتقالاتها، وهناك تكرارات مقصودة تشبه العودة إلى اللازمة
الموسيقية في السيمفونيات الكلاسيكية. وحتى الإشارات المتعددة إلى بيتهوفن وشوبرت
وموسيقى الجاز لا تأتي على سبيل الاستعراض الثقافي، بل تنسجم عضويًا مع روح النص،
بحيث تبدو الرواية بأكملها وكأنها قطعة موسيقية تتصاعد فيها النغمات ببطء حتى تبلغ
ذروتها الشعورية، تاركةً مساحات صامتة يستطيع القارئ أن يملأها بخبراته وأسئلته
الخاصة
وربما لهذا
السبب بالتحديد، يصعب اختزال "كافكا على الشاطئي" في تفسير واحد.
وكثير من القراء ينتهون منها وهم يشعرون أنهم لم يفهموا كل شيء، لكن ذلك ليس عيبًا في النص، بل هو جزء من جماله. فموراكامي لا يريد من قارئه أن يحل لغزًا، بقدر ما يريده أن يختبر حالة شعورية معينة. لهذا تبدو الرواية أقرب إلى مقطوعة موسيقية طويلة منها إلى رواية بالمعنى التقليدي؛ لأن قيمتها لا تُقاس بما يحدث فيها، وإنما بما تتركه في النفس من أصداء.
وهذا يذكرنا بأن الحياة نفسها لا تقدم لنا
تفسيرات نهائية، وأن بعض الأسئلة تظل أكثر جمالاً من الإجابات.
فحين ينتهي
القارئ من قراءاتها، لن يتذكر الحبكة بقدر ما سيتذكر الإحساس الذي رافقه خلالها:
ذلك الشعور الغريب بأنه عبر عاصفة داخلية وخرج منها شخصًا مختلفًا قليلًا عما كان
عليه من قبل.
"كافكا على الشاطئ" ليست مجرد رواية يابانية معاصرة، وإنما عملًا أدبيًا تُتجاوز فيه الحدود الثقافية والجغرافية، كي تخاطب الإنسان في أعمق طبقاته.
إنها رواية عن الهوية والذاكرة، والقدر والحب
والوحدة، لكنها قبل كل شيء، رواية عن الرحلة المستمرة نحو الذات.
باريس 23 يونيو 2026





