الثلاثاء، 23 يونيو 2026

قراءة في رواية/ كافكا على الشاطئ


كافكا على الشاطئ: حين تتحول الرواية إلى متاهة للروح

بقلم/ تسنيم طه


هناكَ رواياتٌ تُقرأ، وروايات أخرى تُعاش. وهناك أعمالٌ نادرة لا تمنح قارئها حكاية بقدر ما تمنحه تجربة وجودية كاملة، تترك أثرها في الوعي واللاوعي معًا، وتستمر في النمو داخله حتى بعد أن يطوي الصفحة الأخيرة بوقت طويل.

تنتمي رواية "كافكا على الشاطيء"، للكاتب الياباني "هاروكي موراكامي" إلى هذا النوع الاستثنائي من الأدب، الذي لا يسعى لتقديم إجابات، بقدر ما يفتح أبوابًا لأسئلة، دون يطمئن القارئ إلى يقيناته، بل يزعزعها ويعيد تشكيلها.

منذ الصفحات الأولى، يتضح أن موراكامي لا يكتب رواية تقليدية عن مراهقٍ هارب من منزله، أو عن عجوزٍ يمتلك موهبة محادثة القطط. فهو يبني عالمًا موازيًا يتداخل فيه الأسطوري بالواقعي، واليقظة بالحلم، والزمن بالذاكرة، حتى تصير الحدود بين هذه الثنائيات شفافة لدرجة التلاشي.

وما إن يدلف القارئ هذا العالم، حتى يُدرك أن المنطق المعتاد لا يصلح هنا، وأن عليه التخلي عن حاجته المستمرة إلى التفسير؛ كي يستمتع بجمال الغموض نفسه.

"كافكا على الشاطئ" ليست رواية شُيدت على الحبكة بقدر ما بُنيتْ على الحالة الشعورية التي تخلقها. وذلك لأن موراكامي لم يقدّم الأحداث كغاية في ذاتها، وإنما حوّلها إلى إشارات واستعارات كبرى، بحيث أصبح كل تفصيل صغير نافذةً على معنى أوسع، وكل صورة عابرة امتدادًا لأسئلة وجودية إنسانية ضاربة في العمق.

ولهذا، تبدو الرواية كمقطوعة موسيقية طويلة تتكرّر فيها الثيمات وتتداخل الأصوات، ولكن دون أن تفقد انسجامها الداخلي أو قدرتها على الإيحاء.

تقوم الرواية على خطين سرديين متوازيين: رحلة الفتى كافكا تامورا، الذي يهرب من منزل والده في عيد ميلاده الخامس عشر، فرارًا من نبوءةٍ تشبه "لعنة أوديب" تطارده كظل أسطوري، ورحلة العجوز ناكاتا، الرجل البسيط الذي فقد جزءًا من وعيه أثناء طفولته واكتسب في المقابل قدرة غريبة على التواصل مع القطط والعالم الخفي للأشياء.

 ظاهريًا، يبدو المساران منفصلين، لكن موراكامي ينسج بينهما شبكةً خفية من التقاطعات والرموز تجعل القارئ يشعر بأن الشخصيتين ليستا مجرد فردين مختلفين، بل صورتين لوعي واحد يبحث عن اكتماله: الأول يحمل قلق فتى شباب وأسئلة عميقة حول الهوية والخوف من المصير، والثاني يُمثل البراءة البدائية والحكمة الغامضة التي لا تحتاج إلى لغةٍ كي تفهم العالم.

الجمال الحقيقي لهذه الرواية، لا يكمن في أحداثها، وإنما في الطريقة التي تتحول بها الأحداث إلى استعارات كبرى، وكذلك في قدرتها على تحويل الرحلة الخارجية إلى رحلة داخلية.  فالهروب عند كافكا ليس مجرد مغادرة للمكان، وإنما محاولة للخلاص من ميراث نفسي وعاطفي ثقيل، وهروب من هوية مفروضة عليه، ومن قدر يبدو وكأنه كُتب قبل ولادته. أما تنقلات ناكاتا عبر المدن والطرقات، فهي لا تُعبر عن تنقل جغرافي أو رحلة بحث عن شيء مادي، بقدر ما تُمثل بحثًا هادئًا عن النصف الآخر من الظل، عن الجزء المفقود من الذات.

ومن هنا، يتحول الطريقُ إلى رمز، والرحلةُ إلى طقس عبور داخلي، والوجهةُ إلى حالة من الوعي أكثر منها مكانًا جغرافيًا.  ولعل أكثر ما يميز عالم موراكامي هو مقدرته المدهشة على تحويل الأشياء العادية إلى عناصر أسطورية.

فالمكتبة عنده ليست مجرد مكان للقراءة، ولكن معبد للذاكرة الإنسانية؛ والقطط ليست مجرد كائنات أليفة، وإنما رسل غامضة تعبر بين العوالم؛ أما الموسيقى فتتحول إلى لغة سرية تُعبّر عمّا تعجز الكلمات عن احتوائه. وحتى الغابة، التي تظهر في لحظات مفصلية من الرواية، لا تؤدي وظيفة مكانية بقدر ما تُعبر عن المتاهة الداخلية التي قد يضيع فيها الإنسان وهو يبحث عن نفسه، حيث لا يعود الإنسان متأكدًا إن كان يبحث عن طريق للخروج، أم عن سبب لدخوله أصلًا.

تتجلى عبقرية موراكامي كذلك في تعامله مع الزمن.

فالزمن عنده ليس خطيًا مستقيمًا يتحرك من الماضي إلى المستقبل، ولكنه نهر دائري يتحرك كالماء، يتلف حول الذكريات ثم يعود يصب في الماضي، ويتسرب إلى الأحلام؛ ليقيم جسورًا غامضة بين الأحياء والأموات. الشخصيات تعيش حاضرها، لكنها تظل أسيرة لذكريات لم تفقد قدرتها على الحضور. الماضي إذًا لا ينقضي، بل يستمر في التشكل داخل الحاضر، وكأن الزمن نفسه قد فقد صلابته وأصبح قابلًا للانثناء والتسرب بين العوالم، معطيًا للروح إمكانية التنقل بين طبقاته المتراكبة بحرية.

وتبلغ هذه الرؤية ذروتها في شخصية الآنسة "ساييكي"، أكثر شخصيات موراكامي مأساوية وشفافية. هذه المرأة توقفت روحها عند حب قديم لم تستطع تجاوزه، فعاشت حياتها كلها داخل ذكرى واحدة. ومن خلال حضورها الحالم، المعلّق بين الحياة والموت، يقدّم موراكامي صورة آسرة عن الإنسان الذي يتحول إلى سجين لحنينه، وعن الذاكرة حين تصبح وطنًا بديلًا لا يستطيع صاحبه مغادرته. لهذا تبدو الرواية أحياناً وكأنها تحدث في لحظة واحدة ممتدة، لحظة تجمع الموت والحياة، الشيخوخة والطفولة والشيخوخة، الفقد والحب.

أما الحب في الرواية، فهو ليس عاطفة رومانسية بالمعنى التقليدي، بل قوة ميتافيزيقية تعبر الزمن وتقاوم الفناء. وشخصيات الرواية لا تحب لكي تنجو، وإنما لكي تتذكر، وحتى تمنح الفقد معنى. الحب هنا جرح جميل، وأثر لا يندمل، وأيضًا وسيلة لإبقاء الغائبين أحياء داخل الوجدان.

 ومن هذه الزاوية، تبدو الرواية بأكملها تأملًا طويلًا في العلاقة الغامضة بين الحب والغياب، وبين الذكرى والرغبة المستحيلة في استعادة ما انقضى.

أما الغرائبية، فأجمل ما في الرواية أنها لا تتعامل معها بوصفها زينة فنية أو لعبة تخييلية، بل تعتبرها وسيلة للوصول إلى حقيقة أعمق من الواقع الظاهر.  فالأسماك التي تهطل من السماء، والأحجار التي تفتح الممرات بين العوالم، والقطط التي تتحدث، ليست مجرد عناصر تهدف إلى إرباك القارئ أو إدهاشه، وإنما رموز تتصل بذلك الجزء المعتم من النفس البشرية. ولعل هذه القدرة على جعل المستحيل يبدو أكثر صدقًا من الواقع نفسه هي ما يمنح الرواية سحرها الخاص. فموراكامي يدرك أن النفس البشرية لا تُفهم بالكامل عبر العقل فقط، وأن بعض الحقائق لا يمكن التعبير عنها إلا بالرمز والأسطورة والحلم.

ولذلك، يشعر القارئ، أثناء تنقله بين صفحات الرواية، بأنه لا يقرأ قصة شخصيات أخرى، وإنما يتجول داخل تضاريس ذاته، ويصغي إلى أصوات دفينة فيه طالما تجاهلها. فالرواية تطرح أسئلةً وجودية تتجاوز شخصياتها: من نحن حقاً؟ هل نصنع مصائرنا أم أننا نسير داخل خرائط رُسمت مسبقاً؟ ما الذي يبقى منا بعد أن نفقد أحباءنا؟ وهل يمكن للإنسان أن يعثر على ذاته من دون أن يضيع أولاً؟

تتميز الرواية بحساسية فنية عالية في تعاملها مع النقص الإنساني. فالكمال، في عالم موراكامي، ليس غاية قابلة للتحقق، وإنما وهم جميل. وما يمنح الإنسان قيمته الحقيقية هو هشاشته وافتقاره، وقدرته على الاستمرار رغم الشروخ التي يحملها داخله.

 ولهذا تبدو شخصيات الرواية كلها ناقصة بطريقة أو بأخرى: كافكا يفتش عن هويته، ناكاتا عن ظله الضائع، ساييكي عن حبها المفقود، وهوشينو عن معنى لحياته العابرة. لكن هذا النقص بالتحديد هو ما يجعلهم أكثر إنسانية، وأكثر قربًا من القارئ.

وعلى المستوى الأسلوبي، تكمن عبقرية موراكامي في تلك المفارقة النادرة بين البساطة والعمق. فالسرد يبدو سلسًا وبسيطًا، لكن تحته تتدفق طبقات كثيفة من الإشارات النفسية والفلسفية والثقافية. يستدعي الكاتب الأساطير الإغريقية، والأدب الغربي والفكر البوذي، والموسيقى الكلاسيكية، دون أن تتحول الرواية إلى استعراض ثقافي. فكل مرجع من هذه المراجع يصبح جزءًا عضويًا من النسيج السردي، كأنه خيط إضافي في سجادة واسعة من المعاني.

 أما الموسيقى، فتتجلى في العالم الموراكامي كأحد أهم المفاتيح.  فالرواية تُكتب كما لو أنها تُعزف. هناك إيقاع داخلي خافت يحكم انتقالاتها، وهناك تكرارات مقصودة تشبه العودة إلى اللازمة الموسيقية في السيمفونيات الكلاسيكية.  وحتى الإشارات المتعددة إلى بيتهوفن وشوبرت وموسيقى الجاز لا تأتي على سبيل الاستعراض الثقافي، بل تنسجم عضويًا مع روح النص، بحيث تبدو الرواية بأكملها وكأنها قطعة موسيقية تتصاعد فيها النغمات ببطء حتى تبلغ ذروتها الشعورية، تاركةً مساحات صامتة يستطيع القارئ أن يملأها بخبراته وأسئلته الخاصة

وربما لهذا السبب بالتحديد، يصعب اختزال "كافكا على الشاطئي" في تفسير واحد.

وكثير من القراء ينتهون منها وهم يشعرون أنهم لم يفهموا كل شيء، لكن ذلك ليس عيبًا في النص، بل هو جزء من جماله.  فموراكامي لا يريد من قارئه أن يحل لغزًا، بقدر ما يريده أن يختبر حالة شعورية معينة. لهذا تبدو الرواية أقرب إلى مقطوعة موسيقية طويلة منها إلى رواية بالمعنى التقليدي؛ لأن قيمتها لا تُقاس بما يحدث فيها، وإنما بما تتركه في النفس من أصداء.  

وهذا يذكرنا بأن الحياة نفسها لا تقدم لنا تفسيرات نهائية، وأن بعض الأسئلة تظل أكثر جمالاً من الإجابات.

فحين ينتهي القارئ من قراءاتها، لن يتذكر الحبكة بقدر ما سيتذكر الإحساس الذي رافقه خلالها: ذلك الشعور الغريب بأنه عبر عاصفة داخلية وخرج منها شخصًا مختلفًا قليلًا عما كان عليه من قبل.

"كافكا على الشاطئ" ليست مجرد رواية يابانية معاصرة، وإنما عملًا أدبيًا تُتجاوز فيه الحدود الثقافية والجغرافية، كي تخاطب الإنسان في أعمق طبقاته. 

 إنها رواية عن الهوية والذاكرة، والقدر والحب والوحدة، لكنها قبل كل شيء، رواية عن الرحلة المستمرة نحو الذات.

 

باريس 23 يونيو 2026

الجمعة، 24 أبريل 2026

قراءة في رواية: عينان خضراون

 

في رواية "عينان خضراوان" للروائي السوداني حامد الناظر، نحن ليس أمام حكاية فردية فحسب، بل أمام نصّ يتكئ على جرحٍ واقعيّ، ويعيد تشكيله فنيًا ليصير سؤالًا وجوديًا عن الحرية والهوية والسلطة.

تنطلق الرواية من واقعة حقيقية هزّت المجتمع السوداني، وهي قضية مريم يحيى إبراهيم، لتبني فوقها عالمًا تخييليًا أكثر اتساعًا وأشد قسوة. لكن الرواية لا تعيد سرد الحدث كما هو، بل تحوّله إلى مادة إنسانية عميقة، حيث تصبح "عرفة" أو "حياة"، تجسيدًا لإنسانة مسحوقة بين فكّي الحرب والمجتمع، بين سلطة السلاح وسلطة التأويل الديني.

*البنية السردية: تشظي الزمن ووحدة الألم:

اعتمدت الرواية على بنية سردية مزدوجة تقوم على خطين زمنيين:

1/زمن الماضي، الذي يُروى بضمير المتكلم، حيث تستعيد "عرفة" سيرتها المثقلة بالجراح والألم.

2/زمن الحاضر، الذي يُروى بضمير الغائب من خلال راوٍ عليم يراقب ويصف المشهد من الخارج.

وهذا التناوب السردي ليس مجرد تقنية، بل تعبير عن انقسام الذات:

1/ذات متحدة مع الألم وتعايشه.

2/وذات تراقبه وتحاكمه.

يمنح التناوب بين ضمير المتكلم وضمير الغائب النص بُعدين متكاملين: حميمية الاعتراف حين تتكلم الذات من داخل جرحها، واتساع الرؤية حين تتراجع خطوة لتتأمل ذاتها والعالم بعينٍ أكثر شمولًا ووعيًا. كما أن استخدام تقنية "الفلاش باك"، تجعل القارئ يدخل تدريجيًا على أعماق الرواية؛ لحين أن تتكشف له، في لحظة تراجيدية متماسكة، الحقيقة كاملة.

 *الشخصيات: من اللحم إلى الرمز

شخصية عرفة (أو حياة):

ليست مجرد بطلة، بل بنية رمزية:

1-     تمثل "المرأة" في سياق القهر المركب (حرب+ سُلطة دينية +مجتمع)،

2-     تتحول من ضحية إلى شخصية فاعلة عندما "تصر على تقرير مصيرها بنفسها"،

3-      يبلغ وعيها بذاتها ذروته في لحظة وجودية حين تقول" أن أكون أنا ببساطة...".

 

*الشخصيات الأخرى:

تتوزع بين شخصيات مساندة (أغلبها نسائية)، وبين قوى قمع (عسكر، متطرفون، ومؤسسات). غير أنها تعمل، في المجمل، كامتدادات للسلطة أو انعكاسات لها، أكثر من كونها كيانات مستقلة.

 

*اللغة:

الوراية مكتوبة بلغة في ظاهرها لينةً منسابة، كأنها تُسلّم نفسها للقارئ دون عناء، غير أنها تُخفي تحت هذا الصفاء طبقاتٍ كثيفة من الإحساس المرهف والوجع المكتوم. لغةٌ لا تُسرف في تصوير العنف ولا تستسلم لإغراء التفصيل الفجّ، بل تكتفي بإيماءات دقيقة، تاركةً للخيال أن يُكمل ما عجزت الكلمات عن قوله أو ما تعفّفت عن التصريح به. وفي ثنايا السرد، يتكئ الكاتب على وصفٍ حسّي نابض، وحوارٍ منساب مشحونٍ بالصدق، حيث تتبدّى براعة السارد؛ إذ لا يرفع صوته بالصراخ، بل يُحسن الإصغاء إلى رجع الألم في نفس القارئ، حتى يغدو هذا الأخير هو من يطلق الصرخة من أعماقه.

 

*الثيمات:

تتخلّق في الرواية شبكة كثيفة من الثيمات المتداخلة:


1/تتقدّمها الحرب لا بوصفها واقعة عابرة في الزمن، بل قدرًا ثقيلاً يهبط على الوجود الإنساني كلعنة لا فكاك منها؛ إذ لا تنتهي، مهما تعددت ذرائعها، إلا وقد دفعت الأرواح البريئة كلفة حضورها في هذا العالم.

اقتباس: " الحرب مهما كانت غايتها لا يمكن أن تنتهي إلا بالأبرياء ليدفعوا الثمن"

2/وفي قلب هذا الخراب، يغدو جسد المرأة ساحةً مفتوحة للانتهاك، وموضوعًا لوصايةٍ قاسية، وأداةً تُسخَّر لإخضاعها باسم المجتمع تارةً وباسم الدين تارةً أخرى، حتى يتلاشى الحدّ الفاصل بين الحماية والقهر.

3/ومن هنا ينبثق السؤال الأكثر إيلامًا حول موضوع "الهوية والاختيار":

هل يملك الإنسان حق أن يختار ذاته، أم أنه محكوم بتعريفٍ قسريّ تفرضه عليه الجماعة؟ سؤالٌ يتردّد صداه في مصائر الشخصيات، ويكشف هشاشة الحرية حين تُحاصرها الأعراف والسلطات.

وعلى امتداد النص، تتطرق الرواية لـ " الجهل والأيديولوجيا "، طارحةً نقدًا واضحًا للـ"المجتمعات السطحية يسهل قيادتها"، و"الأيديولوجيا تستثمر في الجهل لتكريس السلطة".

 

*الرمزية: ما وراء الحكاية

تفيض الرواية بدلالاتٍ مواربة، تتسلّل من بين ثنايا السرد لتشي بعالمٍ أعمق من ظاهر الحكاية.  فاسم "حياة لا يأتي بريئًا، بل ينطوي على مفارقة موجعة، إذ يتجاور فيه وعدُ الوجود مع واقعٍ مثقلٍ بالموت الرمزي والانكسار. أما العينان الخضراوان، فتلمعان كإشارةٍ خفيّة إلى الاختلاف، كأنهما وسمٌ للآخر في فضاءٍ لا يتسامح مع التمايز، أو علامة على فرادةٍ تُثير الريبة أكثر مما تستدعي القبول. 

وفي مشهد المحكمة، لا يعود المكان مجرد حيّز قانوني تُتلى فيه الأحكام، بل يغدو مسرحًا كثيفًا لمحاكمة الوجود ذاته، حيث يُستدعى الإنسان ليُساءل عن حقّه في أن يكون ما هو عليه. وفي الأفق الأوسع، لا تقف الحرب عند حدود كونها خلفيةً للأحداث، بل ترتقي إلى مرتبة الاستعارة الكبرى لعالمٍ مختلّ، تتداخل فيه الحقائق بالعنف، وتتشابك فيه قداسة الدين مع نزعات السلطة، حتى يغدو التمييز بينهما ضربًا من العسر، ويغدو الإنسان ضحية هذا الالتباس الوجودي العميق.


 *في الختام:

لا يمكن اختزال "عينان خضراوان" في كونها حكاية امرأة فحسب، بل هي، في جوهرها، حكاية إنسان يُستدعى إلى المحاكمة لأنه تجرأ على أن يكون نفسه. إنها رواية تضع القارئ أمام سؤال قلقٍ لا ينطفئ

أ الحرية خيار يُنتزع… أم ثمن لا بد من دفعه؟


الأربعاء، 17 ديسمبر 2025

الطَّرِيقُ إِلَىَ كَرَن (فَصْلٌ مِن رِوايَة)



بقلم/ تسنيم طه

 

توقّفتُ عند عتبة الباب بتردّدٍ لحظة ما تناهى إلى سمعي صوت المذياع، آتيًا من بيت الجيران بالافتتاحية الشهيرة للمذيع العراقي "يونس بحري" تهيئةً لنشرة الأخبار: " هنا برلين، حيّ العرب". وفي غمرة قلقي، نسيتُ مخاوفي تجاه حُسْنَى، وانشغلتُ بتساؤلاتي عمّن ذا الذي يجرؤ على الاستماع إلى إذاعة ألمانيا رغم منع الحكومة البريطانية الاستماع إليها بعد أن أذاع منها "يونس بحري" للشعوب العربية جملة خطاب هتلر الشهير: "لن نستسلم ولن نرتاح، سننتصر. حان الوقت لانتصارنا. ألمانيا فوق كلّ شيءٍ".

تنامي خوفي عند افتراض أن يكون أحد جيراني القدامى لا يدرك مغبّة فعله، دون أن أدري أهي سذاجة وسهو منه، أم أنه أحد المعاندين للحكومة البريطانية المناهضين للاستعمار المنادين باستقلال السودان عن بريطانيا؟

سألني حبيبي عما بي، فأخبرته بمخاوفي. فلم يكترث لهمومي، بل سحبني من يدي، وتقدّم بي إلى الداخل. نفضتُ يده وتسمّرتُ مكاني، ثم أخذتُ أتلفّت كطائر دوريّ، لأوهمه وأخادع نفسي بأنني أتأمّل الثمار الناضجة المتدلّية من شجرة البرتقال، بينما في الحقيقة، كنتُ أحاول تهدئة روعي، لمّا عادت تعتريني المخاوف تجاه ردّة فعل حُسْنَى، بعد أن يعلن لها زوجها الخبر الذي ظلّ يؤجّله لسنواتٍ.

سبقني حبيبي وتقدم إلى الداخل، تاركًا إياي أجابه دقّات قلبي المتسارعة التي كنتُ أسمعها وكأنّها ضربات طبول الحرب. ولتهدئة روعي، أغمضتُ عينيَّ، وطفقتُ أصلّي للعذراء أن تحمي علاقتي بصديقتي التي أنقذتني من الموت، وساندتني أيام الغربة الأولى عند وصولي إلى الخرطوم، وعرّفتني خبايا العادات والتقاليد والحياة الاجتماعية في السودان. لكن بمجرّد أن فتحتُ عينيّ بعد سماعي لخطواتها ورؤيتُها تتقدّم نحوي، حتّى نسيتُ جميع مخاوفي، واستجبتُ لذراعيها المفتوحتين لي بمودّة كما عوّدتني في كلّ مرة كنتُ آتي فيها لزيارتهم في مدينة التُّراب. عانقتني بفرحٍ وامتنانٍ، فاستكنتُ في حضنها الحنون، حيث أبقتني وقتًا أطول من المعتاد، حتى شعرتُ بدقّات قلبها المتسارعة.

-        كيف حالك يا آن موريس؟ لماذا لم تعودي تزوريننا كما في السابق؟ هل وجدتِ الخرطوم أفضل من اُمْ دُرْمان؟

سألتني وربّتت على كتفي بمحبّة، ثمّ انفكّت عنّي لتستجيب لذراعَيْ زوجها الذي طوّقها بحنانٍ، وطبع قبلة احترامٍ على جبيها، قبل أن يدخل في الموضوع بلا مقدّمات، معلنًا أن هناك أمرًا مهمًّا يريد أن يخبرها به.

انعقد حاجباها، أثناء تقليبها لبصرها بين وجهينا بفضولٍ، فخفضتُ بصري خشية أن تستشفّ من ملامحي ما يخفيه عنها زوجها. كسر حبيبي الصمت الثقيل بسؤاله عن ابنهما، فأجابته، دون أن يزول انعقاد حاجبيها، بأنه في الخارج يلعب مع أقرانه. ولما طلب منها أن تناديه، أطاعت دون أن تتحرّك من مكانها:

-        زيكو، تعال يا زيكو. والدك يطلب منكَ أن تأتي فورًا!

جاء الطفل ذو السنوات الثماني يركض، دون أن يبدو عليه الرضى لتركه لعب كرة القدم مع أبناء الجيران في الشارع. وما إن لاحظني، حتى تهلّلت أساريره واندفع نحوي بفرحٍ. تلقّيته بترحيبٍ كما عودته، فدسّ رأسه في حضني كما تعوّد أن يفعل، ثمّ سألني إن كنتُ أحضرتُ له حلوى السمسميّة المحشوّة بالقشطة والفستق كتلك التي أشتريها له كلّ أسبوع من الأرمنية أنوش، جارتي في زقاق الحاخام.

عادت دقّات قلبي تتسارع عندما اجتاحتني مخاوف جديدة من أن تكتشف حُسْنَى أن ابنها يلتقيني مع والده كلّ أسبوع، وأنهما يرافقانني لحضور قدّاس يوم الأحد في كاتدرائية "سان ماثيو" قبالة النيل الأزرق. لكن حُسْنَى لم تنتبه وأسرعتُ في الخروج إلى الحوش لتنادي على عبدتها الشابّة، التي يهواها عبدي بخيت، تنفيذًا لأمر زوجها بأن تُحضر لنا عصير عرديب يخفّف عنّا حرارة الجو.

أطلقتُ تنهيدة ارتياحٍ، وشكرتُ العذراء على استجابة صلواتي. ثم مرّت لحظات ثقيلة من الصمت بيني وبين حبيبي، حاولتُ فيها تخمين كلماته التي سينطق بها دون أن يجرح مشاعر صديقتي، وتشاغلتُ عن توتّري بالتلفّت في المكان وتأمّل الملاءات الملوّنة، وفتح منخري لأستنشق بعمقٍ رائحة بخور الصندل الممزوج برائحة الريحان وشجرة البرتقال في الخارج الداخلة من النافذة التي كان يصل منها صوت إذاعة برلين من بيت الجيران.

ولمّا عادَتْ حُسْنَى من الحوش، دخل حبيبي في الموضوع مباشرةً:

-       أريدكما أن تتّحدا، وتساندا بعضكما في غيابي، أنا ذاهب إلى إريتريا في مهمّة عسكرية قد تطول.

هممتُ بتصحيحه:

-       بل إلى "فشودة"، في أرض الشلك بأعالي النيل يا نصر الدين.

لكنّ نبرته الهادئة في نطق الكلمات أصابتني بالشلل، وضاعفت دهشتي من سرعة تغيير كلامه الأخير معي.

 بلعتُ لساني، وأدرتُ وجهي بتوجّسٍ ناحية صديقتي لقراءة ردّة فعلها. ولما لاحظتُ استرخاء ملامحها، انتابني شعورٌ بالغباء، عندما خامرني شكٌ في أنها على علمٍ بعلاقتي بزوجها، شعورٌ تحوّل إلى مشاعر غضبٍ تجاه حبيبي الذي جعلني طوال الوقت أتلظّى بمشاعر تأنيب الضمير، دون أن يخبرني بأنه وصل معها إلى وفاقٍ بخصوص علاقته بي. لكن بسرعةٍ عدتُّ لرشدي، واستبعدتُ هذا الاحتمال، بتخيّل أن تكون لصديقتي قدرات خارقة تمكّنها من قراءة الأفكار، وتمتلك قلبًا ملائكيًّا متسامحًا لا تشوبه مشاعر الغيرة المنغّصة لحياة البشر.

-       زيكو! تعال، وضع رأسك في بطن ماما وبطن آن، لتسمع دقّات قلوب اخوانك!

بطن ماما؟ واخوانك؟ إذًا، حُسْنَى حامل أيضًا!

انتابتني غيرةٌ أشعلت في داخلي نارًا فظيعة، تحوّلت بسرعةٍ إلى شعورٍ بالعار عند ملاحظة هدوء ملامح صديقتي، فبلعتُ بصعوبةٍ ريقي لإنزال غصّتي، وأخذتُ أدير حوارًا داخليًّا وألتهم وليمة تأنيبي بمفردي مستغربةً تبدّل المواقف:

-       ألا تخجلين من نفسك يا آن؟! حُسْنَى هي المفترض أن تغار، وتشعل ثورة أن يكون لزوجها عشيقة تحمل منه طفلًا في أحشائها، وتأتي بيتَها لتسمعه يوصيها بزوجته في غيابه.

أغمضتُ عينيَّ بقوّة لاعتصار الألم الذي انتشر في جسدي كانتشار النار في الهشيم، مهدّدًا بحرق جميع بساتين المشاعر الجميلة التي أكنّها لصديقتي. ومع تفاقم آلامي وتشوّشي وسط فوضى خليط مشاعر الضعف والعَبرة والخيانة، نكّستُ رأسي وتمنّيتُ لو تنشقّ الأرض وتبلعني، حتى لا أفتح عينيّ، فأرى وجه حُسْنَى: ضرّتي وصديقتي في آنٍ معًا.

لحظات عصيبة مرّت عليَّ كأنها الأبديّة، تمنّيتُ فيها لو سمعتُ كلام أختي قبل ثماني سنواتٍ، وقفلتُ راجعة إلى أوروبا لأكون بجوارها في محنتها ووحدتها، ولم أنجرف وراء تيّار الحبّ الذي قلب كياني، وجعلني أغيّر مفاهيمي وقناعاتي عن معاني الحياة والتضحية وجبر الخواطر. 

كرّر حبيبي مناداة ابنه هذه المرّة باسم "دايموند"، اللقب الذي أطلقته عليه أنا منذ لحظة أن تلقّيته بين يديَّ، ورأيتُ حوله هالة من لمعان تشبه لمعان الألماس، يوم شاركتُ نساء الحيّ في توليد أمّه التي كادت تموت، وهي تضعه للحياة. لم أصرّح بدهشتي، بسبب مصارعتي لجحيم مشاعري الذي لم يخرجني منه إلّا وصول العبدة، وهي تحمل الصينية المرصوص عليها كؤوس عصير العرديب البنّيّ. تلهّفتُ لتجرّعه وإطفاء نيراني الداخلية، ولكنّ ذلك لن يحدث، لأنه قبل أن تطوف علينا العبدة، تناهى لأسماعنا طرقٌ عنيفٌ على باب الشارع، فإذا بها تهرع لوضع الصينية على طاولة منزوية في ركن الغرفة، لتطيع أوامر سيّدها بالإسراع إلى فتح الباب.

مرّت لحظاتٌ، قتلنا فيها الفضول لمعرفة هويّة الضيف العنيد اللحوح الذي يطرق الباب بهذا الجنون، قبل أن تطلّ علينا امرأة ترتدي زيًّا تقليديًّا يشبه أزياء قبائل شرقيّ السودان، ملثّمة ببرقعٍ ملوّنٍ كشف عن عينين كحيلتين تغلّفهما لمعة مكرٍ.

أصابتني قشعريرة وحيرة، فأخدتُ أتساءل: أ هي من قبيلة الرَّشَايْدة؟ أم الهَدَنْدَوَة؟ أم البَنِي عامِر؟ ولمّا لاحظتُ نظرتها الصقرية تمسح المكان بنظرة متفحّصة، تضاعف توجّسي، خاصة عندما تقدّمت نحو حبيبي، وكأنها قرأت تساؤلاتي، لتبدأ فورًا بتقديم نفسها بأنها إريترية قادمة من "كَرَن"، جاءت لتعطيه بعض النصائح.

 وبعد أن قلبت عينيها الكحيلتين في وجوهنا المترقّبة، تستقرئ أثر كلماتها فينا، عادت تحدّق في وجه حبيبي، لتخبره أن الطليان يحشدون جيوشهم لقتال الإنجليز؛ انتقامًا منهم بعد أن طردوهم من كَسَلا، وأعاقوا استمرار توغّلهم داخل السودان. ولمّا لاحظَتْ الذهول يرتسم على ملامحه، أضافت أنها ستعطيه تميمةً تحميه وتعينه في تحقيق أمجاده، حتى يموت وهو راضٍ عن نفسه. 

انتفض قلبي هلعًا عند سماع كلمة الموت، وتنامى هلعي عند ملاحظة ملامح القلق التي شابت وجه حبيبي، فوضعت يدي على فمي، وتابعته يتفرّس بعينين جاحظتين، وفم فاغر من الدهشة، في وجه المرأة المخفيّ نصفه وراء البرقع الملوّن. تنبّهت حواسي، وأنا أتابع حركة يدها أثناء فتحها لجرابها، قبل أن تخرج منه مسبحة طويلة مصنوعة من نوى اللالوب، قدّمتها إليه ثم نصحته بأن يضعها حول عنقه من فوره؛ لكي تحصّنه وتحميه من بنادق الطليان وسيوف جنود موسوليني.

-                 هل سأحصل على الترقية بعدها، وأفوز بنياشين إضافية قبل أن أذهب للقتال مع دول التحالف في البحر المتوسط؟

سأل حبيبي بنبرةٍ راجفةٍ، لكن المرأة الملثّمة لم تتجاوب مع سؤاله، وانشغلت بتقليب بصرها في المكان، وفي وجوهنا بعينيها الصقريتين.

-       معركتك الوحيدة هي "كَرَن"، ولن تتمكّن بعهدها من الذهاب إلى "العَلَمين" على الحدود المصرية الليبية. لذلك، عليكَ وضع كلّ أمجادك في هذه المعركة، حتى تخلّد ذكرى تبقى بعد مماتك.

أجابتْ بنبرة بدت لي مألوفة، أثناء تحدّيقها في وجهي بدلًا من وجهه، بطريقة جعلت فرائصي ترتعد. وقبل أن أستعيد رباطة جأشي، إذا بها تتراجع للوراء في حركة سريعة، وتمدّ يدها داخل ملابسها الفضفاضة لإخراج سيفٍ لمع نصله مع انعكاس الضوء الداخل من النافذة.

رفعتُ يدي إلى فمي؛ لكتم صرخة هلعي، وتابعتُ حبيبي الذي تلافاها رغم أنها لم تتوجّه إليه، وقفز بحركةٍ تلقائيّةٍ نحو الوراء. وقبل أن نفهم ما يحدث، اندفعَتْ المرأة نحوي وهي تُصدر قهقهة قميئة، لابد أفزعت الحمائم في شجرة البرتقال في الخارج، قبل أن تزمجر: 

-       أنتِ المعنيّة بهذا السيف يا آن موريس، يجب أن أقتلك أيّتها المتمرّدة اللئيمة.

بأعجوبةٍ نجحت في التراجع للوراء، والإفلات من طعنتها في آخر لحظة. ولحسن الحظّ أن هلعي لم يسمّرني مكاني، بل قذف بي نحو الخارج حافية القدمين، بعد أن أفلتت حذائي في ركضي المتخبّط الأرعن. أحرقت قدميَّ رمضاء الحوش الذي اختفت حشائشه وشجراته، والعبدة التي كانت قد عادت لمكانها لتطحن حبوب الذرة أمام باب الشارع، بعد وضعها للعصير في آخر الغرفة وفتح الباب للطارقة الأريتيرية غريبة الأطوار، التي تريد قتلي.

ورغم ألمي، واصلت الركض الأرعن بلا هدًى، كثورٍ هائجٍ في حلبة مصارعةٍ، وظللتُ أدور في حلقة مفرغة، دون أن أعرف من أيّ اتّجاه يمكنني الهرب والنجاة من هذا المأزق. وفي اللحظة التي كادت فيها قواي تخور من فرط التعب واليأس، أدركتني حُسْنَى، وصنعت من نفسها جدارًا بيني وبين تلك المرأة التي كانت قد أصبحت قاب قوسين منّي.

-       ابتعدي يا حُسْنَى، ولا تتدخّلي بيني وبين هذه المتمرّدة! لماذا تريدين إنقاذها وهي لم تنقذك ذلك اليوم من أيادي قنّاصة العبيد في فشودة؟!

تبادلنا نظرات الدهشة أنا وحُسْنَى، قبل أن نصرخ في كورال:

-       الآنسة "سين"؟!

-       نعم، الآنسة "سين"، لن تفلتي منّي هذه المرّة يا آن موريس!

يا إلهي!  كيف لم أتعرّف عليها من نظرتها فور دخولها؟! كيف تجاهلت نظرتها الماكرة، ولم أتعرّف على نبرة صوتها المألوفة؟!

لحق بنا حبيبي، ثمّ تسمّر مكانه يطالع ذهولنا بحيرة وهلع. ولمّا رفعت الآنسة "سين" سيفها الملتمع نصله الحادّ تحت أشعة الشمس الحارقة، تحرّر من شلله واندفع نحونا ليقف حاجزًا بيننا.

-       انتبه أيّها الجندي! مكانك في ساحة المعركة هناك في "كَرَن"، وليس بيني وبين هذه المتمرّدة! ابتعد، وإلّا فستخسر حياتك!

ولكنّه لم يُطِعها، بل فتح ذراعيه على مصراعيهما، صانعًا بهما جدارًا ليحمينا أنا وحُسْنَى من ورائه، معرّضًا صدره للخطر. ونفّذت الآنسة "سين" تهديدها وسدّدت ضربتها الغاضبة نحوي، ضربة كان لابد أن تخطئني، لتنغرس في جانب بطنه.

سقط حبيبي أرضًا مضرّجًا بدمائه، فارتمينا أنا وحُسْنَى من فوقه مولولتين، وتابعناه يلتقط أنفاسه بصعوبةٍ. ثمّ نسيتُ أن أتنفّس عندما وضع يده اليسرى محلّ الطعنة وغمسها في دمائه الحارّة، قبل أن يمسح بها على جبيني وهو يهمهم متوسّلًا:

-       آن موريس، خلّي بالك من زيكو ومن حُسْنَى في غيابي!

كاد يُغمى عليَّ من الألم، وأنا أراه يبذل مجهودًا جبارًا؛ ليرفع رأسه ويقبّل جبيني، قبل أن يستدير ليقبّل جبين حُسْنَى ويوصيها بالاهتمام بي. وكاد قلبي يتوقّف عن الخفقان لحظة إرخائه لعنقه، ومناداته على ابنه بصوتٍ واهن؛ ليأتي ويضع رأسه على موضع الطعنة. وقبل أن يطيع الطفل الواقف يراقب المشهد بذهول، شملنا حبيبي بابتسامة حنونٍة انكُسِفت شيئًا فشيئًا وراء ملامحه المتشنّجة من الألم، قبل أن يغمض جفنيه ببطءٍ.

وهنا فقط، فارقتني الغصّة ونجحت في النطق، لأناديه بصوتٍ راجفٍ، أثناء ربتي برفقٍ على خدّه:

-       نصر الدين! نصر الدين!

قلدتني حُسْنَى بإطلاق صرخة هستيرية، ثمّ لطمته بجنون على خدّيه. ولمّا لم يستجب، شقّت قميصها وانخرطت في لطم خدّيها والولولة بجنون. في هذه اللحظة فقط، شعرتُ بالمعنى الحقيقي للفقد، وبفوران آلامي من داخلي قبل أن تفيض عبر صوتي في صرخة هستيرية، لابد أفزعت الحمائم في شجرة البرتقال:

-       نصر الدين! نصر الدين! حبيبي، نصر الدييييييين!

 

-       سيّدتي! سيّدتي! أرجوكِ، استيقظي!

خرجت من الكابوس على يد العبد بخيت تهزّني بعنفٍ، فنهضتُ وجلستُ وسط السرير وأخذتُ أتفرّس في وجهه المملوء بالهلع، دون أن أراه حقًّا.

 ولما أخبرني بأنه يحمل لي خبرًا، تنبّهت حواسي، وارتعدت فرائصي من نبرة صوته المتردّدة المغلّفة بالتوجّس، وأدركتُ على الفور أن وراء وقفته منكّس الرأس، كارثة يُخفيها.

------------------------------

من رواية " حَفِيدَةُ غُرْدُون بَاشَا"/ الصادرة عن دار رشم/ أكتوبر 2025

نُشر في العدد الـ19 من مجلة غرفة 19/ ديسمبر 2025

الأحد، 7 ديسمبر 2025

في انتظار البرابرة/جي.إم. كوتزي

 بقلم/ تسنيم طه

قبل شهر ونصف، كنتُ قد بدأتُ قراءة رواية "في انتظار البرابرة" للكاتب الجنوب-إفريقي/ إسترالي "جي.إم. كوتزي"، باللغة الفرنسية.

ثم انقطعتُ عنها فترة، لانشغالي بأمور أخرى، قبل أعود إليها الأسبوع الماضي.

وأمس، وعند خلودي للنوم، وملاحظة أنني وصلتُ لمنتصف الرواية، خطرت ببالي فكرة أن أطلع على النسخة العربية، قائلةً في نفسي: "ربما تكون القراءة بالعربية أسرع وأسلس من الفرنسية، ".

فقمتُ بتحميل الكتاب من موقع "فولا-بوك"، وشرعتُ في قراءته. ولما وجدتُ صعوبة في المتابعة، توقفت وأطفأت الضوء، وعزمتُ أن أواصل القراءة في الغد، ممنيةً نفسي بصفاء ذهني صباحي يعنينني على التركيز.

وفي الصباح، وفور استيقاظي، ولما كان اليوم عطلة، وليس لدي هم الاسراع بالخروج إلى العمل، أخذتُ وقتي في احتساء القهوة ومواصلة القراءة، وأنا أثابر كي لا أشغل نفسي بإعادة كتابة الجمل لتصحيحها في ذهني.

وأخيرًا، أكملتُ قراءة كامل الكتاب في 3 جلسات خلال ساعتين: صحيح، صدق حدسي في أن القراءة بالعربية أسرع من الفرنسية، لكنها لم تكن أسلس؛ بسبب ركاكة الترجمة العربية.


على العموم، كانت تجربة فريدة، أن أبدأ قراءة كتاب باللغة الفرنسية ثم أكلمه باللغة العربية.

 أما الرواية، فهي رواية رائعة، عميقة ومؤثرة...مليئة بالتوتر ...والقلق...والخوف،

 وتستحق أن تُقرأ أكثر من مرة.

الاثنين، 1 ديسمبر 2025

قصيدة (الورقة- La Feuille )....... للشاعرة الرومانية (يوليا هاسديو)

ترجمة/ تسنيم طه








أَيتها الورقةُ البائسةُ الضائعة!

 آه، إن مصيرك يذكّرنا

بمصيرنا نحن، وبخيبتنا نحن:

نُولد دونَ أن نعرف أين ستلقي بنا يَدُ الله.

ماذا نكون؟—سرٌّ.

وإلى أين نمضي؟—لغزٌ.

وماذا سنصبح حين نغادر هذه الأرض؟

أوه! لن يعرف أحدٌ ذلك أبدًا.

------------------------------------------

نبذة عن الشاعرة:

وُلدت "يوليا هاسديو - Iulia Hasdeu" في بوخارست  عام 1869 وتوفيت فيها عام 1888 .

ورغم أنها عاشت تسعة عشر عامًا فقط، إلا أنها تُعَدّ عبقرية حقيقية. فقد كانت موهوبة وذات قدرات استثنائية؛ إذ كانت متعددة اللغات، فإلى جانب الرومانية كانت تتحدث الفرنسية والألمانية والإنجليزية منذ سنّ الثامنة. وقد خلّفت بعد وفاتها مجلدين من الأعمال الشعرية: " براعم أبريل: خيالات وأحلام" و"الفروسية: اعترافات ومسودات ".

إن أعمالها، المتنوّعة في أشكالها التعبيرية (فقد كتبت شعرًا ونثرًا، وأعمالًا مسرحية، وتأملات، ورسائل، وحكايات وقصصًا قصيرة، فضلًا عن مجموعات فلكلورية) تُظهر عمقًا فكريًا وسموًا روحيًا استثنائيين، ليس فقط بالنسبة لسنّها، بل على مستوى أدبي عام.  فنجد في هذه الأعمال حضورًا للنوع الغنائي، والنوع الملحمي والفروسي، وتقارير السفر، والاعترافات، وفي كلّ مرة تدهش القارئَ بأنبل الأفكار والمشاعر.













--------------------------

النص الأصلي: 

Pauvre feuille perdue. Ah ! ton destin nous retrace

Notre propre destin, notre propre disgrâce :

Nous naissons sans savoir où Dieu nous jettera.

Que sommes-nous ? - Secret.

Où courons-nous ? -Mystère.

Et que deviendrons-nous en quittant cette terre ?

Oh ! Nul jamais ne le saura.

(La feuille, Paris, 1986).


مَوْسِمُ العَوْدِة إلى الشَّمال

قِصَّة قَصِيرة: مَوْسِمُ العَوْدِة إلى الشَّمال