الخميس، 17 سبتمبر 2020

قصة قصيرة: انتحار المعجمي

 بقلم/ تعبان لو ليونق


عٌثر على المخطوطات الستّ التالية بالقرب من سرير الضحية (وجد ميتًا)، وهذه سيرته الذاتية: ترك الدارسة في سن السابعة، متحججاً أنها تبديد للوقت. في الأشهر الثلاث التالية، نًشًر مقالات حظيت بالثناء المستحق بصحيفة “الأضواء” Lights وهي مرادفة بالطبع لصحيفتكم “الأوقات” Times. لأسباب غير معلومة، ترك الكتابة ولم يٌسمع عنه منذ ذلك الحين. خصني بالمعلومات التالية لأنني الشخص الوحيد المداوم على زيارته. قال انه كتب العديد من القٍصص القصيرة، بمعدل أربع قصص في اليوم، لماذا لم تنشر؟ لان الناشرون لم يتجرؤوا على نشرها. عندما فشلتُ في إلقاء نظرة عليهم، لعنت الناشرين وحسهم التجاري-الحكومي الذي يمنعهم من نشر قصص استثنائية، أو مكتوبة باستثنائية!


قد كان منشغلاً كما قال-كان يُخطط ليصبح ديكتاتوراً على جزيرتنا، ديكتاتور مطلق لها. ما إن يصبح ديكتاتور، سيشرف شخصياً على كتابة معجم “الياء”، اللغة الوحيدة على الجزيرة والتي تتحدثها مائة وخمس وعشرون ألف نسمة وتتألف من خمسين ألف كلمة. التواصل بيننا مع العالم الخارجي نادر جداً، حيث لا مصالح تجارية تجذب الأجانب لجزيرتنا، وكلنا فخر بذلك. آخر ما يتمناه قاطني الجزيرة هو مغادرتها. حتى دون وجود ديكتاتور، كانت الجزيرة منعزلة كليًا عن العالم الخارجي، وفي ديوان الديكتاتور، يبلغُ الانعزال قمته.

بخصوص المعجم قبل أن أنسى، كان، (وقد استخدم كلمة “هو” عندما كان يخاطبني) مكتوب بطريقةٍ مُختلفة عن المعاجم الأخرى، وبناءً على فكرة الفرادة، كُتب ليكون المعجم الوحيد على الجزيرة. يتم إعطاء كل فرد نسخته مع بداية العام (شهر مايو) حسب توقيتنا، وكل قاطني الجزيرة ملزمون باستخدام الكلمات الواردة في المعجم فقط، وإلا واجهوا الموت.
كان من السهل اكتشاف المهرجلين. كل سبت، عندما يذهب سكان الجزيرة لاستلام قوتهم الأسبوعي من الطعام، كان بالسوق أجهزة اكتشاف ما يدور بخلدهم من كلمات جديدة أو أفكار مختلفة. وبنهاية كل عام، تُسلم النُسخ القديمة للسُلطات لتُبدل بالجديدة، ويسحب من المُعجم خمسمائة كلمة سنوياً.

المخطوطة الأولى:

الحادية عشر مساءً، زرت دار الرياضة مساء اليوم، رأيت مُحاربون-ملاكمون، لم يرق لي ذلك. الرابعة صباحاً، حلمت أنني ملاكم -يا للعار -أولًا، قُدّت لدار الرياضة، دخلت المبنى. وتوجهت لغرفة اللبس (لا أدرى لماذا تُسمى غرفة اللبس، بينما في الحقيقة نتعرى فيها). هذه إحدى تناقضات العيش في ظل نظام آيل للزوال.

المخطوطة الثانية:

العاشرة مساءً، كنت على الشاطئ أستحم. كان هناك الكثير من النساء والرجال أيضاً معرضين أجسادهم العارية للماء، الشمس والهواء. أحجام مختلفة، قصر وطول، صراحةً، قد لا يتمكن هؤلاء من حماية أجسادهم من الفقد والضياع.

المخطوطة الثالثة:

الثالثة صباحاً، أشعر بالتعب بعد كتابة نظريتي-أقصد إنجيلي الجديد -. ذهبت في نزهة، دخلت صالة ما، كان هناك أرتال من البشر – موسيقي -اعتلت سيدة ما المسرح، كنت أظن أن لا سيدات هنا، لكنها كانت هناك على المسرح، تحمل مظلة وتتماوج بغنج. ألقت المظلة -تقدمت-ألقت القبعة -تقدمت -والموسيقى صادحة. تخلصت من القفازات وتساءلت لماذا؟! لكنها استمرت فيما كانت تفعل غافلة عن نظراتي المستجوبة، خلعت ثوبها، لامس شعرها أسفل ظهرها. عندما مالت للأمام، غطى شعرها نهديها، كان للنهدين حمالات صدر مما تعني عدم حاجتها للتخفي خلف الشعر. بدأت ترقص بهياج في ملابسها الداخلية، (للقصة بقية).

المخطوطة الرابعة:

الثالثة والنصف صباحاً، أشعر بالنعاس، غير قادر على مواصلة السرد بتسلسل وتناسق. أتذكر إني طُردت سقف المنزل الساعة أربعة ونصف صباحاً.

المخطوطة الخامسة:

الرابعة ونصف صباحاً. طُردت، متوجهاً لمنزلي أعترض طريقي أربع رجال عراة ملثمون. كانوا بلا مال، أو أدوات كتابة، ولم يختبروا يوما مُتعة العيش مُشرداً ليومين. إن شئت، كان بإمكاني أن أصنع لهم جميلاً ببدلتي وجيوبها، بنظارتي، مقبضها وعلبتها إن وجدت. أو بساعتي، لفافتها وطوقها. حذائي بخيوطه وجواربه (ثقوبه ورائحته يستحقون العناء كما يقال) - بنطالي (أزراره وثقب الأزرار أيضاً) والسوستة. حزامي، إن كنت املك واحدة (حيث أنهم ضليعون في ذلك) قميصي، وربطة العنق ومشبكها، الصدرية وملابسي الداخلية، لكنني لم أتمكن من فهم لغتهم.

المخطوطة السادسة:

الخامسة صباحاً، حلمت الليلية الماضية أنني داخل فصل، مُدرساً-(حلم طفولتي)، هناك أمام تلاميذي، دخل مخربون. حشد منهم تمتع بالجراءة لدخول الفصل ووصفي بالمديون. خلال ثوان أستردوا كل ما أُدين لهم به، كل شيء، كل قطعة، الأعواد والحشائش المزعوم إني أخذته منهم. بدأ قضم بشرتي (ملمتر، ملمتر) بدءً بأصابعي وأظافري. أحسست بحتمية الزوال. لحسن الحظ، زلت سريعاً لأنهم كُثر. توقفوا لبرهة قبل أن يهاجموا قلبي؛ حتى إنهم لفتوا انتباه تلاميذي المتحيرون قائلين "كان بإمكان قلبه أن ينقذه لكن . . . " ضج الفصل موجة استهزاء قبل أن يكملوا هذه الجملة القدرية. واصلوا العمل مرة آخري بحيوية مُتجددة، استخدموا مخالبهم، أسنانهم وحلوقهم الواسعة، كانت مهمة غاية السهولة. مروا من الرئة للكبد والحلق والرقبة وعندما بلغوا راسي، أمروا سُكانها بأخذ ممتلكاتهم والمُغادرة. هؤلاء من سعوا للظفر بحواجبي، رموشي ولحيتي (أنا مثقف إن كنت لا تعلم) وأيّ شعر على وجهي واصلوا مهمتهم، ازاحوا الجلد عن وجهي (الأذن والأنف أيضًا)، فصلوا الفك الأسفل، اللسان والأسنان والحنجرة. مخلوقين (أظنهم، رجل وامرأة) لعقوا عيوني، أكلوا جمجمتي وحظي ديدان الأرض بامتياز التمرق في مخي.

خاتمة:

 اذكر رجلاً اعتاد التهربُ من دفع الضرائب بادعاء الجنون. كان يُغني، يضرب على الطَبل ويرقص. وأخيرًا، يُنهي العرض بمشاهدة نفسه يغني، يضرب على الطبل ويرقص.

**-**

نُشر في الأنطولوجيا، بتاريخ 4 أغسطس 2020.

لقراءة القصة من مصدرها: https://alantologia.com/blogs/33102/

الثلاثاء، 1 سبتمبر 2020

قصة قصيرة: الضائعان

بقلم/ إسراء رفعت


 

يتقاطعان في السكك، أو يسيران على التوازي، أو، تجمعهما نفس السكة، لا يتوقفان، لكنهما يشعران بغتة بالشوقِ وألم الذكرى التي مضت.

الحرب المندلعة أشبه ببركانٍ أو يوم قيامة، حيث لا أحد يقف لأحد، وامرأةٌ وحيدة تبحث عن طفل في الركام تأمل أنها ستجده كما وجدت دُماه وألعابه! امرأة فعلت كما فعلت صفية* أضاعت طفلها! أضاعت الحرب لها طفلها، في الحرب حين تظن الأمهات من الروع أن الوسادات هي أطفالهن غير مدركاتٍ في لحظة الاندلاع خفة الوسائد وصراخ الطفل الذي تركنه خلفهن.
المرأة تبحث، تدوس شيئًا فينفجر، تتحاشى النظر تحتها لتعلم إذا ما كانت قدمها موجودة أو لا، تنهض بعد الانفجار لتعاود البحث، لا تعلم كيف هو مربوط قلبها أو كيف حافظت على الاتزان كما تحافظ نساء وطنها على حجابهن رغم كل حرب!

كما لو أنهن يتوقعنها.

تتذكر، كانت ترضعه بينما انفجرت الأشياء تلو الأخرى، هذا يفسر لماذا طلبوا منهم أن يخلوا قراهم، ثم أعادوهم إليها، في غمرة الفرحة بالأشياء التي وجدوها كما هي انشغلوا عن السؤال، لماذا فعلوا ما فعلوه.

صباحًا جاء الجنود، لم يتحدثوا مع أي مواطن، حتى شيخ القرية العنيد لم يعترضوا طريقه ليتوصلوا معه إلى حل أو هدنة، يريدون القرى وقد أخذوها، هي للتو علمت كل ما حدث، كانوا قد زرعوا الألغام بين الناس وبيوتهم، بل أدهى من ذلك، زرعوا الألغام بين الناس وفُرشهم ومتكآتهم، في مضافة القرية وفي الجامع، أماكن الأمن! في ألعاب أطفالهم، زرعوا الألغام في هدأة بالهم وفي كفاف عيشهم، بين المزارع وزيتونه وبين الطيور وأعشاشها، لذلك لم يعد الحوار يشغلهم، كانوا قد قرروا أن يدمروا حيوات الناس وقصصهم بضغطة زر واحدة في يوم غائم جميل.
سقطَت فجأة حين استنتجت كل هذا، فقدت وعيها من نذالة الفكرة ومن استحالة إيجاد الولد! ثم حين نهضت كان قد غربت شمس اليوم، لم يبق لها سوى الذكرى وألعاب الولد، والركام المحترق.


**
يتقاطعان في السكك.

**
خلل هويته هذا يعيده كلما حانت فرصة نحو القرية، القرية المدمرة التي لا يزورها أحد إلا هو، وحده، كلما أوجعه قلبه وأوجعته دِماه في شرايينه، كلما أوجعه عيشه في الجهة المقابلة من أحزان الناس، الناس كانوا القصص البهية في اليوم الغائم، هو كان اللغم المندس طوال أيام يسمع حكاياتهم وأحاديثهم حتى فجرها، يعود رغم أنه حين علم كل هذا كان الأوان قد فات وكانت أمه قد ضاعت عنه وانتهى الأمر.

لا يتذكر أنها كانت ترضعه بينما انفجرت الأشياء تلو الأخرى، لا يتذكر الألغام ولا القرية، ولا طعم الحليب، ولا اليدين اللتين وجدته ملقى بين ألعابه الصغيرة وانتشلته منها، ولا بكاءه فور أن حملوه، يدان خشنتان أخذتاه، يدا جنرال يدكُّ القرى بالأرض وهو على الرغم من هذا يذوب في حلاوة الولد الذي لم تشوهه الحرب إطلاقًا لأنه محصن بعطر أمه، الجنرال لا يعرف شيئًا عن عطرها، يرى الطفل فيوجعه حرمانه من الأولاد، يأخذه فيصرخ الولد، يهرول به نحو الدبابة، يعود به إلى زوجته، يربيه يربيه، يروي له منذ تعلم السماع إلى حكايا الجنرال عن الأعداء، عن القرى التي تدك بالأرض قبل أن تُبنى من جديد، عن عناد الأعداء وصبرهم، وحبهم لأرضهم، يموت الجنرال بعد عمر طويل، لأن الأشرار يعمّرون في أي حكاية، والأخيار يرحلون قبل تمام الحكاية.

زوجة الجنرال تخبر الولد، عقب كل هذه السنوات وعقب ذهاب الجنرال، عقب أكثر من عشرين عامٍ من عمره وعمر أمه التي تنتظره كما انتظرت صفية عودة ابنها أنه ابن صفيةٍ ما كانت هناك في القرية، حصنته بعطرها وأقلقت نوم الجنرال طوال هذه السنوات، أخبرته أن أمه كانت تتراءى للجنرال في الرؤى امرأةً قوية لكنها مكلومة، تتوعده وتهدده وتبكي وتعلق عذاباتها في رقبته، فيصرخ الجنرال، زوجة الجنرال لا تذكر القرية لأن عدد القرى كبير، عدد كبير جدًا على أن تحصيه، ذهب يفتش عن القرية، وعن أمه التي بانتظاره، في غربة موسى إياها التي وجد نفسه فيها، في القصر الفاخر، وفي دماه يسري حب المرضعة البسيطة، وابنتها التي جاءت بخلاصِه من الجوع ومن الغربة، وأخوه الذي لعب معه كابن سلطان ثم بعثا نبيين سواءً بسواء، كان موسى عثر على دماه!

وهو، كان قد عرف أخيرًا عن قريته، كان يزور الحطام كالمجنون، كلما أوجعه الحطام وأوجعه زيه العسكري الذي حاول به الجنرال نزع أمه عن أحلامه سوى أنه لم يفلح، خلع الزي خلعه وألقى به إلى مزبلة الحي، الحي الفاخر الذي بني من ركام القرى وترقيات الجنرالات كلما دمروا قرى الناس، على تل الأعداء/أهله ! يعود للحطام ويقلبه، شال هنا وعقد هناك، حذاء رجل ولعبة صبي، وحطام مدرسة قريبة، سبورة وطبشورة وعلم البلاد مرسوم على ورقة احترق منها أكثر أجزائها خضرة، لتصبح كل ألوان العلم إثر الانفجار والزمن سوداء. يخرج، حاملًا معه كل هذا، في عقله وقلبه وفي يديه، يرتدي الزي المدني ويشعر أنه صاحب الأرض، ينظر للناس ويحلم لو يحبونه كما يحبون أبناءهم.

بغتة، يندلع الشوق، كاندلاع الحرائق من الألغام التي يضعها جنرال مثل أبيه بالتبني، أو بالحرب! يلقي عن عقله لفظة الأبوة، تمر امرأة خمسينية، بقايا جمالها لا تزال واضحًة، تشوبها مسحة حزن ولا تحمل شيئًا سوى شيئًا ثقيلًا في قلبها شعر به. يمر جوارها حين يندلع الشوق فيها وفيه، يشم عطرًا كان يطارده في اليقظة والحلم، لا تخرج اللهجة كما يريدها، تخرج غليظة كلهجة الجنرال، ولا يفلح سوى أن يبتسم لها، ترد الابتسامة، تتذكر هي تمامًا، ذاكرتها تسعفها لأنها لم تنس أصلًا، كانت ترضعه بينما أخذت الأشياء تنفجر! تنظر إليه، يخرج كلمة يقصد بها التحية، تستبين في كلامه لهجة غير اللهجة، تغير مسارها، وهكذا يتقاطعان، أنا إياي يا أمي! يصرخ بلهجة الجنرال، الأم لا تبصر عيناها سوى ألغام اليوم الغائم، وطفلًا كانت ترضعه في سكينة، تحصنه بآيات الله وبعطرها، وتركض عكس السكة، بأقصى سرعة تملكها، يحاول أن يصل إليها، تسبقه وتختفي، حيث هو يشعر بأنه لا كما شعر موسى: الغريب عن الفرعون وامرأته، الغريب عن أمه. يقرر البقاء حيث ولّت، بانتظار أن يتقاطعا مرة أخرى، حيث ضاع أول ضياع.

**-** 


القصة الفائزة في النسخة الثامنة من جائزة الطيب صالح/ للقصة القصيرة

لقراءة القصة من مصدرها:   http://almasraja.com/%D9%82%D8%B5%D8%A925/

الأربعاء، 15 يوليو 2020

قِصَّة قَصِيرة: بَاوْبَابٌ ومَانْجُو

بقلم/تسنيم طه

 

منذ طفولته التي قضاها في مدينة الفاشِر، وهو لا يهاب المغامرات والتحديات، بل يعشقها ويسعى إليها، غير آبهٍ للرضوض والجروح والكدمات، التي تصيب مواضع شتى في جسده النحيل، بسبب مؤامرات زملائه الذين كانوا ينتقمون من هزائمه لهم، بمغافلته ودفعه من علوٍ، ليهوي ساقطًا مرتطمًا بجزع الشجرة. 

ورغم توبيخ أمه له، واشباعها إياه ضربًا في كل مرة يأتيها متورم الجبهة أو ملتوي الساق، لحنثه بقسمه لها بعدم اللعب مع أولئك الصبية الغيورين، كان يرجع ليتسلى بخلق مغامراتٍ وتحدياتٍ جديدة، لينتشي بكسب رهاناته واحراز المركز الأول في الوصول إلى قمة شجرة الباوباب العتيقة.

وحتى بعدما كبر واشتد عوده، ودخل المدرسة الثانوية وتخرج منها بتفوق ظل يحن للتحديات ولتسلق الأشجار. ولما سافر إلى العاصمة للدراسة، لم يفارقه ذلك الطبع المتأصل في روحه من عشق للمغامرات، والتسابق لإحراز المركز الأول، رغم عدم وجود أشجار باوباب (تبلدي) أو رمال كثيفة للتسلية واللهو، بل تحديات وصعوبات للاندماج في مجتمعٍ جديدٍ، وتنافس على التميز أمام طلابٍ أخرين قدموا مثله، من مدن السودان المختلفة ليشاركوه دراسة الآداب في جامعة الخرطوم.

لكن الطفل المنطلق الذي صار رجلًا، اكتشف نوعًا آخر من المغامرات والتحدي أضافت لحياته قيمة وطعمًا جديدين، لتحل محل نشوته بتسلق الشجرة، متعة انغماسه في مياه "النيل الأبيض"، وانبهاره به وبأخيه "الأزرق" الذي يلاقيه عند المقرن في الخرطوم، غير بعيدٍ من مكان سباحته الأسبوعية تحت "جسر الفتيحاب" بأم درمان.  

وفي كل مرة كان ينسلُّ منتعشًا مبتلًا من مياه النهر، كان يتمنى لو يجلب أمه لترى شسوع رقة المياه في العاصمة، لتشاركه الانبهار بما لا يملكونه في غرب السودان، حيث لا مصدر للمياه إلا مياه الأمطار ومياه الآبار الجوفية.

لكن سباحته الهادئة تلك لم تكن كافية لكي تحقق له فوزًا ساحقًا أمام أصدقائه أثناء رحلتهم إلى "جبل أَوْلِياء"، ليوشك أن يموت غرقًا، بسبب تهوره ورميه بنفسه تقليدًا للآخرين، في وسط بحيرة الخزان. 

وبينما كان أصدقاءه يصرخون في أذنه ليعدوه إلى كامل وعيه " تاج الدين؟"، ويضغطون على صدره ليخلصوه من بقايا المياه التي ابتعلها، كان يتساءل بمن يستعين حتى يصبح سباحًا ماهرًا.

وبعد أسبوع، كان قد سجل في مسبح "البَرَكْسْ" على بعد خطوات من الجامعة، ليظل يواظب على ارتياده سرًا، مرتين في الأسبوع لتلقي الدروس، ليدخر المفاجأة للرحلة القادمة، مقسمًا أن يتعلم السباحة على أصولها، ويتقن مختلف أنواعها ابتداءً من سباحة الصدر فسباحة الظهر، ثم سباحة الفراشة، وانتهاءً بالسباحة الحرة.

وفي الرحلة التالية، التي نُظمت إلى جزيرة توتي، وعندما حذره الزملاء من إعادة مشهد التهور السابق، طمأنهم وسار حافيًا مجموعة أمتار على الرمال الدافئة، ليقترب من فتيات منهمكاتٍ في شواء النقانق "السجوك" على الفحم، متصنعًا أنه سيساعدهن ليظل يراقب من بعيد سباق الشبان قبل أن يرموا بأنفسهم في مياه النيل الأزرق.

وهنا ابتسم بمكرٍ لاستشعاره اقتراب موعد تنفيذ الخطة التي خبأها منذ أشهر، لمفاجأة أصدقائه. فما أن اختفت أجساد الشباب في المياه، حتى اندفع جاريًا كالسهم، متخلصًا من ملابسه في ثوان قبل أن يرمي بنفسه في الماء. 

وبينما الفتيات يصرخن بهلعٍ، ورؤوس الشبان تشرئب من المياه، كان تاج الدين، قد عبر النهر سباحة حتى الضفة الشرقية، ووقف على رمال الشاطئ المقابل في "حِلَّة حَمَد" ليلوح لهم بيديه، قبل أن يرمي بنفسه من جديد في المياه ويعيد الكرة عائدًا إليهم في الضفة الغربية بسرعة دلفين ليكون قد انجز تلك الجولتين في مدة لم تتجاوز العشرين دقيقة.

في ذلك اليوم، ولأول مرة، انتبهت نُسَيْبَة، أجمل وأذكى فتاة في الكلية، لجمال عينيه الحالمتين الثاقبتين، اللتان اصابتاها في مقتلٍ، دافعاتٍ بها للتساؤل كيف لغيرتها الماضية، طوال عامين من الدراسة سويًا، أن تمثل حجابًا أماما عينيها، انقشع اليوم لترى في زميلها، الشاب الحالم القادم من مدينة السطلان على دينار، صورة فارسٍ مقدامٍ يعتلي صهوة حصان أبيض، يسول لها التحليق معه نحو أفاقٍ بلا حدود. 

لكن ولأنها لم تتعود أن تعيره نظرة اهتمامٍ في الماضي، وجدت صعوبة في أن تفعل مثل الأصدقاء، وتتقدم لتقترب منه أكثر لتسأله من أين له بكل تلك المهارات، لتمدح خفته التي جعلت الجميع يتصورن بأنهم يشاهدون مشهدًا من مشاهد الألعاب الأولمبية.

فقد كانت طوال الوقت تعتبره غريمها الأول، لمنافسته لها احراز أعلى الدرجات في مواد الشعر والأدب والفلسفة، والتحدث بطلاقة باللغتين الفرنسية والانجليزية، وبدون لكنةٍ وكأنه بلبل يشدو على فننٍ.

ولكيلا تنزل، المغرورة بذكائها وجمالها، من علياء كبريائها، اتخذتْ حجة دعوة الأصدقاء على زواج أخيها الشهر القادم، وانتهزت الفرصة لأن تقف وقتًا أطول من المعهود لتتأمل ملامح الشاب الرقيقة ونظرته الثاقبة.

وبعد شهرٍ، من رحلة "توتي"، لبى تاج الدين دعوة زميلته، ليس فقط لأنه لمح في عينها الواسعتين كفناجين القهوة، بريق اهتمامٍ جديد بشخصه، ولكن أيضًا حتى ينتهز فرصة اكتشاف بقعة جديدة من بقاع الوطن، تختلف في طقسها وعاداتها وتقاليدها عما تعود عليه في دارفور بغرب السودان.

وهناك في الشمال، بالقرب من جنائن المانجو التي أذاعت من صيت مدينة شَنْدِي، تلقى نوعًا آخر من المفاجآت لم يكن ليتخيل أن يراه بأم عينه في يوم من الأيام: عادة البطان. 

وقف تاج الدين مبهورًا يطالع بذهولٍ شبابًا مصطفين عراة الظهور، متلهفين لاستقبال ضربات السياط المجدولة من جلد البقر، التي ما أن تهوي على ظهر أحدهم حتى تتفصد منها الدماء كتفصد حبيبات العرق على الجبين.

في البداية، أغمض عينيه تجنبًا للألم وهو يتخيل أن وقع تلك الضربات على ظهره. وعندما فتحهما وجد زميلته المغرورة بجمالها، تطالعه بفناجين واسعة، راسمةً على شفتيها الرقيقتين ابتسامة تحدي كأنها تقول له بأنه لن يستطيع خوض معركة مثل تلك، لأنها ليست كقطع النيل الأزرق سباحة بين توتي وحلة حمد في اقل من عشرين دقيقة. 

وتذكر أنه يعرف تلك النظرة، التي كم تجرع مرارتها من زميلته عندما كانت ترمقه بها في كل مرة كان يصفق له زملائه في قاعة الدراسة بعد تقديمه لسمنارٍ عن مقارنة بين مسرحية لشكسبير ورواية لفكتور هوغو، أو مقارنة بين مقولتين فلسفيتين، كـ" أنا أفكر إذا أنا موجود" لديكارت أو "أكون أو لا أكون" لشكسبير، تشعل نقاشًا متحمسًا بين الطلاب.

ثبت تاج الدين نظرته في عيني زميلته وتقدم بثقة نحو الدائرة، وعرى ظهره وهو يتلفت حوله ويتساءل كيف سيصمد أمام نظرات كل تلك الوجوه أمامه.

 لكن ما أن هوى "سوط العنج" على ظهره العاري، حتى خرج من تساؤلاته منتفضًا وناطًا في الهواء ككيس خفيف عبثت به الريح في يوم عاصف.  وكاد أن يجري لكي يخفي شعوره بالألم واحساسه بالعار. لكن ما أن وصل على أسماعه قهقهة زميلته الساخرة، حتى جعله الشعور بالخزي يستعيد روح التحدي القديمة فيه التي لم تكن تمنعه من تسلق شجرة الباوباب وهو طفل، وتلقي الكدمات والرضوض عند غدر اقرانه الغيورين منه به، وتلقي عقاب أمه الشديد لعدم سماع نصائحها.

فتقدم مرة أخرى نحو الدائرة، يتبختر كطاؤوس ويستمد شجاعته من نظرة زميلته المتحدية في الجهة المقابلة. ولم يصدق أنه قد نجح بالفعل واثبت شجاعته كبقية الشباب الشجعان أصحاب الظهور الدامية، إلا عندما أطلقت النساء الزغاريد، واقترب منه والد العريس فرحًا بشاعته، وبكونه حلَّ عليهم ضيفًا ليشاركهم افراحهم، قبل أن يقدمه للجميع ويعرفهم به بأنه ابن حضارة الفاشر ومدينة السلطان علي دينار.

 واسترسل والد العريس، في مدح السلطان وأشاد بشجاعته وبكرمه لالتزامه مدة عشرين عامًا، بإرسال القوافل إلى الأراضي المقدسة تحمل كسوة الكعبة ومؤن الحجاج، بعد تعطيل الانجليز للقافلة التي كانت تذهب إلى مكة عبر مصر.

وبلع والد العريس ريقه وضربه على كتفه، ثم واصل ليحكي للجموع أمامه، كيف أن السلطان قد اظهر نوعًا آخر من الشجاعة عندما وقف بصلابة بجوار الخلافة الاسلامية المتمثلة في الدولة العثمانية، والتزم بمساعدتها ضد البريطانيين خلال الحرب العالمية الأولى. وبعد انتهائه من كلامه، سأل زميل ابنته كيف بإمكانه أن يرد الجميل، ليس فقط لتلبيته دعوة حضور زواج ابنه الوحيد، ولكن أيضا لمشاركته في عادة البطان، أحد عادات قبيلة الجعليين القاسية.

فالتفت تاج الدين يقلب عينه الحوراءين وسط الجموع، إلى أن التقتا بنظرة زميلته، التي ما تزال تحتفظ بابتسامة فخرٍ هذه المرة، لا ابتسامة تحدي أو شماتة. ثم عاد ينظر على وجه والدها، ليحس بأنه قد لمح ما دار بينه وبين ابنته من نظرات، فبلع ريقه بارتباكٍ ليبدي رغبته في تذوق جميع أنواع المانجو التي تنمو في هذه الجنائن المجاورة. فضرب والد العريس على كتفه الشاب بحماسٍ وقال: وهو كذلك، بل وستحمل معك عندما تعود إلى العاصمة ما يكفيك من المانجو ومن الليمون ايضًا. فشكره، واهداه ابتسامة رضى، ثم تنحنح مترددًا قبل أن يصرح بأن لديه طلبًا آخرًا، يعشم أن يشمله كرم مضيفه. فرد والد العريس بسرعة: "أبشِر، طلبك مُجاب".

وساد صمت طويلٌ، تعلقت فيه الأنظار بوجه الشاب النابض بالأمل المملوء بالرجاء، الذي ما أن أفصح ليبدي رغبته بطلب يد زميلته، لمصاهرة ذلك الرجل الذي أكرمه بمدح بلاده وسلطانها، حتى انكتمت الانفاس في انتظار رد والد العريس، الذي ما أن تطلع لوجه ابنته ووجدها تبتسم، حتى هرع يعانق الشاب النحيل، لتملأ الزغاريد الأجواء. 

وهكذا نجحت خطة نُسَيْبَة دون أن تتخلى عن كبريائها، لتبوح له بوقوعها في حبه ذلك اليوم على رمال "توتي"، يوم أصابها سهم كيوبيد.

وتلك هي الحكاية التي ستقصها على زوجها، أثناء رحلة شهر العسل، عندما سترافقه إلى بريطانيا بعد احرازه المركز الأول على الدفعة والحصول على مِنحة الجامعة، قبل أن تعترف له بأنها لا تشعر بالهزيمة أمامه هذه المرة، بعد تحقيقها لفوزين عليه: مرة عندما تزوجت به لتجمع بين الباوباب والمانجو بحيل وكيد النساء، ومرة ثانية عندما تمكنت من اقتسام منحته الدراسية، والطيران معه لمدينة الضباب.

  ****

تسنيم 
باريس 15أبريل 2020
10:27


الأربعاء، 17 يونيو 2020

الأدب الجنوبسوداني المكتوب بالعربية



 تمثل تجربة الكتابة الإبداعية والأدبية في جنوب السودان، أحد الدروب الشائكة والصعبة، ذلك للتباين الكبير في تجربة مختلف الأجيال، بجانب شح الكتابات النقدية والتوثيقية التي تعقب المنتوج الأدبي بأجياله المختلفة، والتي تعود في بداياتها إلى جيل الرواد الأوائل ممن كتبوا بالإنجليزية وتركز اهتمامهم في الكتابة على الحرب وما ترتب عليها من ويلات سياسية، أبرزهم الشاعر والأديب بروفيسور تعبان لوليونق المولود في العام 1936، حيث صدرت له أكثر من تسعة أعمال تتراوح بين الشعر والقصة القصيرة، أولها ديوان (الكلمة الأخيرة) الصادر في العام 1969؛ يليه القاص جونسون ميان 1942 الذي صدرت له مجموعة شعرية من مطبعة النيل بجوبا في العام 1981، وله قصة قصيرة مستلهمة من الحكاية الشعبية للدينكا تم تحويلها لمسرحية مشهورة حملت اسم (محاكمة السمكة الكبرى)، وكذلك الشاعر سر أناي كليولجانق (1954-1999) صاحب ديوان (وهم الحرية وقصائد أخرى) الصادر في العام 1985، وظهر من بعدهم الدكتور فرانسيس مدينق دينق 1938، والذي صدرت له روايتان مشهورتان بعنوان (طائر الشؤم) و(بذرة الخلاص) تمت ترجمتهما للعربية بواسطة مركز الدراسات السودانية، كما ظهرت أسماء مثل أتيم ياك أتيم، اقنيس فوني لاكو، جاكوب جيل أكول في مجال كتابة القصة القصيرة حيث نشرت أعمالهم في العديد من الدوريات والمجلات أبرزها مجلة (سودان ناو) التي كانت تصدر بالخرطوم في ثمانينيات القرن الماضي، وخلال تلك الفترة صدرت مجموعات شعرية لفكتور لوقالا (قرع طبول السلام)، سلفاتور إبراهيم صدرت له مجموعة شعرية حملت اسم (خمس دقائق)، ازاريا قيلو ايميلي وصدرت له مجموعتان شعريتان بالخرطوم: الأولى باسم (ضحايا الحماقات)، والثانية بعنوان (الحفريات)، كما صدرت له مجموعة قصصية باسم (مغامرات كينجي) في الأعوام 1998 – 1999، وجوزيف أبوك الذي صدرت له مجموعة شعرية في العام 1999 بالعاصمة السودانية الخرطوم.

 

استيلا قايتانو

خلال فترة الحرب الأهلية الثانية (1983-2005)، برزت مجموعة من الأعمال الشعرية لكتاب شاركوا في حرب التحرير من جنوب السودان، من أمثال باقان أموم أوكيج ولورنس كوربندي الذين صدرت أعمالهم باللغة الإسبانية، كما أصدر إدوارد لينو ديوانه الأول بعنوان (عاشت القرود) عن دار رفيقي للنشر بالعاصمة جوبا، والدكتور جون قاي يوه الذي صدرت له ثلاث مجموعات شعرية، إلى جانب القاص والشاعر موسس أكول أجاوين الذي نشرت له مجموعة من الأعمال في الصحف السيارة والمجلات الإلكترونية.

 فيما يتعلق بالأدب الجنوبسوداني المكتوب باللغة العربية، فهو يمثل تجربة للجيل الذي عاش وترعرع في المدن السودانية خلال فترة الحرب الأهلية السودانية التي امتدت لأكثر من العقدين من الزمان. وقد برزت أصوات جديدة من جيل الشباب تحكي أوجاع الحرب والهجرة والنزوح كما عاشها جيل الآباء والأمهات، من بينهم آرثر قبريال ياك وهو قاص وروائي، وصدرت له مجموعتان قصصيتان بعنوان (لا يهم فأنت من هناك) و(غابو يرقص الفلامنكو والتانقو) والأخيرة صدرت عن دار رفيقي للنشر في العام 2018، كما صدرت له روايتان: الأولى بعنوان (يوم انتحار عزرائيل) عن دار العين، وهي رواية فائزة بجائزة آفاق للكتابة، كما صدرت له مؤخراً روايته الثانية (سبرانو القيامة) عن دار دار مسكيلياني بالجزائر في هذا العام، وهناك أيضاً استيلا قايتانو وهي كاتبة قصة قصيرة وروائية، صدرت لها ثلاث مجموعات قصصية (زهور ذابلة)، (العودة)، (الطائر الجميل المتواضع) وهي عبارة عن قصص قصيرة للأطفال، ولها رواية صادرة عن دار رفيقي بعنوان (أرواح إدّو)، وعن سبب اختيارها للعربية كلغة للكتابة تقول قايتانو: “لأن اللغة العربية هي اللغة الرسمية حسب الدولة، بالتالي وجدنا أنفسنا ننهل منها في مراحل التعليم العديدة العامة.. من ثم أصبحت هي لغة الاطلاع وتلقي المعرفة، ولم يكن متاحاً لي معرفة لغة أخرى إلا في المراحل الجامعية، وهذا يكفي لأتخذها لغة كتابة على الأقل حتى الآن”.

 

بوي جون

 وترى قايتانو أن الكتابة باللغة العربية في جنوب السودان قد تعيق انتشار المنتوج الإبداعي، رغم أن أغلب الأجيال الشبابية تتحدث وتكتب وتقرأ بالعربية، وقد فطنت لذلك بأن تمت ترجمة جميع أعمالها إلى اللغة الإنجليزية والتي أصبحت منافسة للعربية كلغة تلقٍّ بالنسبة للأجيال الناشئة.

 خلال تلك الحقبة ظهرت أيضاً كتابات القاص والشاعر والروائي بوي جون أوانق، الذي صدرت له روايتان: الأولى بعنوان (جنة الخفافيش) عن دار الساقي وهي رواية فائزة بمنحة آفاق للكتابة، كما صدرت روايته الثانية (كوميان) عن دار رفيقي للنشر في العام 2017، وله مجموعة قصصية بعنوان (مرافعة الثعلب) صدرت عن دار “الجزائر تقرأ”.

وبخصوص اختيار العربية كلغة للكتابة يقول بوي جون: “إن الجغرافيا التي جعلت السودان الكبير على تخوم لغة الضاد هي التي جعلت أمثالنا من أهل تلك التخوم يكتبون بها. والتاريخ الذي جعل من السودان ذات يوم دولة واحدة بحروب لا تنتهي إلا لتبدأ.. هو الذي جعل من أمثالنا نحن من ضحايا تلك الحروب نكتب اللغة العربية، إذن هو أمر قرره التاريخ فمَنْ أنا لأبدِّل أحكامه”.

 إشكالات الكتابة بالعربية عند الأديب بوي جون تأتي دائماً من افتراض الكاتب أنه يحمل رسالة ما، ومن افتراض أنه يريد أن يقول شيئاً ليسمعه الآخرون، ومن أنه حدد لنفسه قراءً مفترضين.

ويضيف بقوله: “أنا لم أواجِهْ أبداً إشكالات لأنني لم أفترض أياً مما سبق، مع ذلك أقول إن الكتابة في بلدٍ مثل الجنوب متعدد الألسن مع حالة تكاد تكون فريدة وهي عدم إستخدام أيٍّ منها كوسيط للكتابة، مسألة إشكالية وشائكة في حد ذاتها”.

 

تعبان لوليونق

 ومن أوائل الأسماء التي ظهرت في مجال الكتابة الشعرية باللغة العربية في جنوب السودان نجد الشاعر قرنق توماس ضل، والذي صدرت له مجموعتان شعريتان عن دار مدارك للنشر بالعاصمة السودانية الخرطوم هما (سفر المرايا) و(سيرة القبلات)، وله تحت الطبع مجموعة شعرية جديدة بعنوان (إليهم في النقر الحميم).

في مرافعته عن الأسباب التي قادته للكتابة باللغة العربية يقول الشاعر قرنق توماس ضل: “أكتب باللغة العربية لأنها اللغة التي تشافهت عليها مع العوالم حولي وأنا صغير، والتي تلقيت بها تعليمي الابتدائي والمتوسط والعالي، ثم وهي اللغة السائدة لاحقاً في نزوحنا العظيم إلى بلادنا الشمالية، ثم أكتب بالعربية لأن أولى العلاقات الإبداعية الكتابية كانت بالعربية، وحتى التي باللغات العالمية الأخرى كانت مترجمة إلى العربية، فالأساس المعرفي الإبداعي والكتابي خاصتي كان بالعربية حيث لا مهرب من الكتابة بالعربية”.

 بالنسبة لتوماس، فإن هناك ضبابية تكتنف مستقبل اللغة العربية في جنوب السودان، فهو لا يريد وصفه بالمظلم، لأن العربية خرجت حالياً من المناهج ومن دواوين الدولة التي تستخدم الإنجليزية كلغة رسمية، وأصبحت متداولة فقط في الأسواق وفي صدور الأجيال التي تلقت تعليمها في الخرطوم وفي الجنوب القديم والشرق الأوسط (مصر، ليبيا، سوريا، الخ): “أما أجيال ما بعد الاستقلال فهي مرتبكة جداً تجاه العربية، رغم الطموح الملاحظ في تعلم العربية والمستقبل في فهمها الرسمي كلغة وليس كمحدد من محددات الصراع الأزلي الذي كان وما يزال”.

 برزت أيضاً خلال تلك الفترة أصوات شعرية جديدة من بينهم أتيم سايمون صاحب ديوان (وخز الوطن) الصادر عن دار رفيقي للنشر في العام 2017، ونيالا وحسن أيول صاحبة (قرابين نيكانغ) والصادر أيضا عن دار رفيقي للنشر 2017، ريجويس استانسلاوس، ألدو ديمو، سايمون إبراهام الذي يكتب القصة القصيرة أيضاً، وأكول ميان كوال صاحب ديوان (انتظار) الصادر بالقاهرة في العام 2017.

 

سر أناي كليولجانق

 يقول أتيم سايمون: “أكتب بالعربية، لأنها اللغة التي تلقيت بها تعليمي وتشكلت عليها مهاراتي من المدرسة الابتدائية حتى الجامعة، وكذلك لإيماني بأنه يجب التعامل مع اللغة كأداة للتواصل بعيداً عن أي حمولات أُخرى، فأنا أستطيع أن أوظف اللغة للتواصل مع العالم المحيط بي فهناك جيل كامل تلقى تعليمه بالعربية ولا يعرف لغة أخرى غيرها، وأرى أنني ككاتب أيضاً غير منحصر في المحيط الداخلي، فأنا مهموم أيضاً بالتواصل مع جمهور القراء الذين يجيدون العربية في الخارج ويريدون أن يتعرفوا على واقع الحياة الثقافية، الاجتماعية والسياسية في جنوب السودان”.

 وعن التحديات التي تواجه الكتابة العربية في جنوب السودان، يرى سايمون أن هنالك بعض الإشكاليات التي تتمثل في أن ما يكتبه يستفيد منه فقط الذين يتحدثون ويقرأؤن بالعربية، وهؤلاء يمثلون أغلبية في أوساط المتعلمين والمثقفين في جنوب السودان والذين درسوا وفق المناهج السودانية فتجدهم يجيدون الإنجليزية والعربية لذلك تجد معظم وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية تعتمد في برامجها على اللغة العربية على الرغم من أن الدستور حدد اللغة الإنجليزية كلغة رسمية للدولة، “فما أقوم بكتابته يجد جمهوره في الوسط المحيط بي والذي يضم في غالبيته مجموعات عاشت ودرست في مختلف مدن السودان إبان فترة الحرب الأهلية السودانية الثانية، وهؤلاء هم أبناء جيلنا جيل السبعينيات، الموجود في كل مفاصل الدولة ومؤسساتها”.

 بسبب غياب المنابر الأدبية والدراسات النقدية المهتمة بمتابعة المنجز الإبداعي في جنوب السودان المكتوب باللغة العربية، لم يتم تسليط الأضواء على العديد من تجارب السرد الجديدة في جنوب السودان خاصة في الفترة التي أعقبت استقلالها من السودان في العام 2011، حيث كانت الجهود الفردية في نشر الأعمال الإبداعية هي سيدة الموقف، إذ نجد الكتابات الشعرية، لأندروداو، قبريال جوزيف شدار، وادينق ايويل لونقار، بجانب الكتابات القصصية لكل من بقت دي انقويك صدرت له مجموعة قصصية بعنوان (الجندي شول شام) سايمون أتير، ملوال دينق، وعبد الله الكاردينال تجد طريقها للنشر على مستوى الصحف والمجلات الإلكترونية، بجانب الأنطولوجيات السودانية والعربية إلى جانب الملاحق الثقافية التي تصدرها الصحف العربية الصادرة بالعاصمة جوبا.

 

 **-**

 كُتب بواسطة اتيم سايمون(شاعر وكاتب من جنوب السودان) بتاريخ 6 يونيو 2020 - ونشر في صحيفة السياسي.

لقراءة المقال من مصدره:  https://assyasi-sd.com/13933/

الأحد، 7 يونيو 2020

قِصَّة قَصِيرة: شِدَّةٌ وتزُول

بقلم/ تسنيم طه




تخيل أنك تجلس بهدوءٍ بجوار النافذة، مستمتعًا بنسماتِ الضحى المحملةِ بشذى شجيرات الريحان، تقرأ في صحيفتك بانسجام دون أن يشتت انتباهك لا الهتافات الآتية من الخارج، ولا مذياع الجيران وهو يبث عبر أثير إذاعة "البيت السوداني" صوت عثمان الشفيع يغني:

"الزهور والوردي،،الشَّتَلُوها جوة قلبي،،،عشان حبيبي".

وبينما أنت في هذه الوضعية المسترخية، حيث ظهرك مرتاح على الكرسي المُنَجَّد حديثًا بحبال بلاستيكٍ بيضاء وزرقاء، وقدماك ممدودتان بتراخٍ أمامك، تستمرئ عيناك تمتع التجوال بين أسطر الصفحة الثقافية، السبب الرئيسي في شرائك لصحيفة سياسية، ستقاوم عدم تصفح بقية صفحاتها المكتظة بأخبار النزاعات والحروب والمجاعات والتفجيرات الإرهابية والانقلابات العسكرية وغيرها من أخبار الكوارث، حتى لا تنغمس في فكرة متشائمة بألا سلام يدوم على سطح هذا الكوكب.

واثناء استمراء عينيك لأخبار الثقافة، وبينما منخريك يستنشقان عبير الريحان، إذا بالتساؤلات تعصف برأسك بحثًا عن عذرٍ وحجةٍ تجعلانك تتغيب عن تأدية جدول حصصك ليومي الأربعاء والخميس، في وسط شهر فبراير القادم، لكي تذهب لحضور الفعالية الثقافية في قاعة الصداقة بالخرطوم.

وبينما أنت غائصٌ في التساؤلات حتى أذنيك، تقتحم زوجتك الغرفة كريحٍ عاتيةٍ، فترغي وتزبد آمرة إياك أن تستعجل بالنهوض لتهب لنجدتها.  

 لحسن الحظ أنك شخصٌ درَّب نفسه على الهدوء واعتاد التعامل ببرودٍ مع مواقف الدراما منذ 30 عاما، وإلا لما كنت لتكتفي برمي زوجتك المهتاجة بنظرٍة جانبية غير مبالية قبل أن تعود لمواصلة قراءتك وتساؤلاتك.  

لكن ردة فعلك الباردة، لا تدفع زوجتك للهدوء كما كنت تتوقع، بل تزيد من إضرام نار غضبها، فتندفع نحوك كسهمٍ طائشٍ، ظنًا منها أن الصمم قد أصاب أذنيك، وإلا لما كانت لتصرخ فيك بتلك الهستيرية لتكرر أمرها لك بالنهوض لإنقاذ ابنكما الوحيد من أيدي الشرطة. تصيبك نبرة صوتها الجهوري بالقشعريرة، فترفع عينك خلسة لتراقب سرعة تعكر وجهها وهو يصبح أحمرًا كحبة طماطم بينما عيناها تقذفان الشرر.

وعندما تشعر أنك ستحترق من تلك النيران المصوبة نحوك، تخفض بصرك باذلًا جهدًا جديدًا لتحافظ على رباطة جأشك وبرودك المكتسب خلال تلك السنوات الثلاثين، ليس قسوةً منك، فأنت حنونٌ بطبعك، يرق قلبك لرؤية فرخ حمامة تسقطه الريح الشديدة من عُشه، وقد تذرف دموعًا غزيرةً وأنت تأخذه لتدفنه بجوار شجيرات الريحان، وتترحم بحزنٍ على روحه التي غادرت الدنيا قبل أن تختبر الحياة بجمالها وقسوتها.  

 فبرودك المكتسب، إنما هو نتيجةُ تجارب مع مواقف تهويلٍ ومبالغةٍ دفعتَ ثمنها الكثير من الخسائر في حياتك. فمنذ مجيء هذا الولد الوحيد بعد رحلة علاجٍ دامت سبع سنوات، وأنت لم يهنأ لك بال، بسبب هلع أمه الذي سيرافقها طوال حياتها بعد اكتشافها بأنها لن تنجب بعده أبدًا. ومنذ نعومة أظافره، زوجتك تهرع إليك في كل الأوقات، تبكي وتنوح وترجوك أن تخرج لتأخذ حق ابنها المظلوم. وكنتَ تتأثر بدموعها، وتشبع أولاد الجيران ضربًا لإصابتهم ابنك المدلل في لعبة كرة القدم في الميدان الترابي أمام المنزل، وكنتَ سريعًا ما تدفع الثمن، تارةً شعور بالعار عندما يوبخك آباء الأولاد المضروبين لتبعيتك لكلام زوجتك وتعاملك بصبيانية مع أمور تحدث لجميع الأطفال وهم يلعبون معا، وتارة أخرى شعور بالحزن عندما يرجوك ابنك نفسه بألا تتدخل بينه وبين أصدقاءه.

ورغم اتخاذك لقرار عدم التدخل في شؤون ابنك مجددًا، لن تتركك زوجتك وشأنك، وستزج بك زجًا لمتابعة ابنها كالظل، حتى بعد بلوغه سن الرشد ودخوله الجامعة، لكي تذهب وتتبع أثره وتبحث عنه وتأتي به إذا تأخر، ولو نصف ساعة من ميعاد وصوله إلى البيت. وستصم أذنيها، وهي تزرف الدموع جداولًا، عن محاولاتك اقناعها بأن اللحية النابتة في وجه ابنها المدلل أكبر دليل على عدم حاجته لحمايتك له بعد اليوم، إلى أن يحين وقت دفع الثمن الأغلى، عندما تبيت في مخفر الشرطة بسبب تشاجرك مع ابنك عند متنصف الليل على جسر " شَمْبات"، بعد أن أيقظتك زوجتك للبحث عنه وشككت بأنه يدخن الحشيش مع اصدقاءه.

أليست تلك أسبابًا كافيةً لجعل أعصابك، التي أبكاها فرخ حمامةٍ، أن تصبح أقوى من حديد وأبرد من لوح ثلج؟

تتقدم كتلة النار المتقدة من لوح الثلج الهارب ببصره إلى الصفحة الثقافية، المتسائل متى سيخمد هذا البركان الذي يمنعه في التفكير في إيجاد عذر يتغب به يومي الأربعاء والخميس من المدرسة؛ ليذهب إلى قاعة الصداقة. يتصاعد لهب البركان مع اقتراب خطوات زوجتك منك؛ فتراقبها بفضول تُلقي عنها ثوبها الأزرق ذو الورود الحمراء، لترميه على الأريكة وهي تتقدم أكثر لتقف أمامك، واضعةً يديها على خصرها في تحدٍ، قبل أن تصرخ بمليء حلقومها:

-         مصطفى قوم فِز، بقول ليك ناس الشرطة ساقوا ولدك!

-         أحسن، خليهو يتربى.

نطقتَ جُملتك ببرودٍ، رغم علمك أن زوجتك لن تحقق حلمك وتبتعد عنك بتلك البساطة لتتركك في سلامٍ. ثم بلعت ريقك وواصلتَ الضغط على أعصابك، لتسمح لها بالفضفضة دون أن تتفاعل مع نعتها لك بالمجنون لعدم اكتراثك لمصير ابنكما الوحيد.

ورغم رغبتك الملحة في الهروب من المكان، إلا أنك ستتظاهر بالمطالعة في الصحيفة. لكن زوجتك التي تعرفك وتعرف حيلك، لن تدعك تواصل ردة فعلك السلبية تجاه سلوكها، وستجبرك على التفاعل رغمًا عنك عندما تنتقي ما سيستفزك ويحرر من داخلك جميع الآلام التي كتمتها طوال سنوات، بمجرد نعتها لك بـكلمة "جبان" لبقائك في البيت في الوقت الذي يشارك فيه جميع سكان الحي في المظاهرات الاحتجاجية على غلاء المعيشة وارتفاع أسعار الخبز والوقود.

توجعك كلمتها، وتعيد إليك ذكرى نفس الإحساس الأليم القديم، لتكتشف أنك لم تنسَ مرارة شعورك به رغم مرور ثلاثين عامًا، عندما وصفك زملاءك في الجامعة بـ"الجبان" لرفضك المشاركة في مظاهرات كلية التربية بجامعة الخرطوم. تنتصب كأفعى "كوبرا" دون اعطاء زوجتك فرصة تفادي كفك الضخمة، وهي تزيحها من أمامك بسرعةٍ، كما لو أنك تهش ذبابة. 

تتهاوى زوجتك على الأريكة بجوار ثوبها ذو الألوان العجيبة، الذي كم تساءلتَ متعجبًا من اجتماع لونيه، لتتحسس بيدها المخضبة بالحناء موضع الألم في خدها، بينما عيناها تصوبان إليك نظرات ذهولٍ وعدم تصديقٍ من أن تمد يدك عليها في يوم من الأيام. تشعرك ملامحها المصدومة بالنشوة وتدفعك للزمجرة مدافعًا عن نفسك بأنك لو كنت تؤمن بمثل تلك المناهج المتمردة والمظاهرات الرعناء لأخذ الحقوق، لكانت قد رأتك في الصفوف الأولى. ثم تلوذ بالصمت عندما يتبدل شعور النشوة إلى شعور تأنيب بسبب نظراتها الكسيرة اللائمة المتحسرة على سنين العشرة بينكما. لكن ألمك ينزاح سريعًا مع انحلال عقدة لسان زوجتك أخيرًا لتوبيخك على سطحية تفكيرك ونعتك لمعاناة الشعب وتسمية تحركاتهم لتغيير واقعهم بالمظاهرات الرعناء.

تعود إلى رشدك وإلى واقعك المرير، فتطالبها بهدوءٍ مصطنعٍ أن تحاول فهم وجهة نظرك. لكنها تصم أذنيها عن تفاسيرك بأن ما يحدث ما هو إلا مجرد ردة فعلٍ غاضبة لن تفضي إلى نتيجة. ولأنها تعرفك من تغير ملامحك وتعرف ما يمكن أن يوجعك أشد الوجع، تتعمد إيلامك بكلمة أقسى من سابقتها، فتصفك بعديم الرجولة لتجاهلك هموم الناس ومعاناتهم. تشتعل كتلة نار جديدة في جوفك، تجعلك تظن أن خلاصك في رميك بنفسك عليها لتشفي غليلك منها بإشباعك إياها ضربا مبرحًا قبل أن تطلقها وترسلها إلى بيت والدها مهشمة العظام. 

لكن قراءاتك في كتب الأمام الهروي ومحي الدين ابن عربي وجلال الرومي وابن عطاء الله السكندري، تذكرك بمقولة "ليس الشديد بالصرعة، وإنما الشديد من يملك نفسه عند الغضب"؛ فتردعك عن زوجتك ليس فقط خوفًا عليها، وإنما خوفًا من أن تهلك أنتَ وراء نفسك الأمارة بالسوء وهي تجرك لإرواء شهوة الانتقام لأناك الجريحة. تقبض على يدك بقوة، بينما أسنانك تصطك من الغضب وأنت تطالع نظرات زوجتك المتشفية الناضحة استفزازًا واحتقارًا.

ورغم ما أنفذته فيك نظراتها من سموم، إلا أنك لا تنساق وراء رغبتك السبعية لإفراغ الغضب، وتقرر اشفاء غليلك بطريقة أخرى غير العنف الجسدي. فتتراجع القهقري لتتبين بوضوح كيف ستكون ملامحها عندما تخبرها بأنك لو كنت تؤمن بردود الأفعال التي تدفع الناس للتظاهر في الشوارع الآن، لكنت قد طلقتها في التو واللحظة؛ لتأكد لها أنك لست عديم الرجولة. فإذا ببركان ثورتها يخمد ويتحول إلى رماد تتناثر شظاياه عبر نظراتها الكسيرة الخائفة، وهي تنكمش بجوار ثوبها كسلحفاة. يعود شعور الانتشاء يغمرك عند قراءتك للغة جسدها المهزومة، فترجع إلى مكانك بغرورٍ وانتفاشٍ كديك مغرور، وتلتقط الصحيفة من الأرض قبل أن تجلس وتخفي نظراتك ورائها. 

لكن ثورتك الداخلية التي لم تهدأ بالكلية، تحول بينك وبين التركيز في السطور المتناولة لفعالية الدورة الثامنة لجائزة الطيب صالح للكتابة الإبداعية التي ستقام في قاعة الصداقة يومي 14 و15 فبراير، فتعود تسترق النظر إلى زوجتك، لتصيبك وخزة في قلبك عندما تلمح دموعها المنهمرة بصمتٍ وانهزامٍ، ويتملك شعور بالعار وبالتأنيب لتعمدك ايذاءها دون مراعاة خوفها على ابنها الوحيد.  تترك الصحيفة وتنهض، ثم تسير بتثاقلٍ وترددٍ لتجلس بجوارها. تشيح بوجهها عنك؛ فتنامى شعورك بالذنب. تبذل مجهودًا لتعتذر عن قساوة قلبك، لكنها تظل تعطيك صفحة خدها. تكرر اعتذارك مرة وإثنين وثلاثة قبل أن تقبله وتلتفت نحوك لتطالعك بعيون حزينة كسيرة تضاعف من شعورك بالألم. وحتى لا تستسلم للسقوط في هاوية استمراء تأنيب الضمير وجلد الذات، تتجاسر وتضع يدك على ركبتها. ولما تشعر بتلاشي انكماشها، تعتذر مرة رابعة. ولما تلمح اللين على ملامحها، تعود تشرح لها رفضك لمبدأ الصراخ من أجل الحصول على الحقوق، ثم تعقب مستشهدًا بحديث رسول الله " ما كان اللين في شيءٍ إلا زانه، وما نُزع من شيءٍ إلا شانه". وإذا بصرختها تخرجك من توهمك بأنك قد تقنعها بوجهة نظرك السلمية للأمور. تطالعها بذهولٍ وهي تستعيد عنفوانها وتقريعها لك لعدم نهوضك لإنقاذ ابنك من بين أيدي الشرطة؛ فتعض على أسنانك تحكمًا في رباطة جأشك، قبل أن تنجح في النطق لتتوسل:

-         أرجوك يا هَنِية، إهدائي!

لكن هنية لا تهدأ، بل تهب واقفةً وتأمرك بالنهوض في الحال، بل وتحاول انهضاك بالقوة بسحبك من يدك، وانت تقاوم محاولًا التملص من قبضتها، وطرد ذكريات المواقف القديمة التي زجت بك اليها، واِبعاد جميع وجوه الساخرين من تصرفاتك الصبيانية.   

وأخيرًا نجحتَ في التخلص من قبطتها المطبقة، وابتعدت عنها لتطالعها بحيرةٍ ووجوم، تخرجكَ منهما بسؤالٍ مستفز عما إذا كنت قد فقدت السمع. تتجاهل استفزازها وتسألها ببرودٍ عما ينقص أبنها ليخرج ويتظاهر مع الناس، في حين أنك تكرس وقتك في إعطاء دروسٍ خصوصية لتوفر له جميع طلباته، فيجن جنونها فتصرخ مستنكرة:

-          طيب لما انت كُوز[1]كدة، ما تمشي ليهم يشغلوك معاهم عشان ترحمنا من عيشة الفقر دي!

تشتعل كرة الغضب في جوفك من جديد، وتوشك على الصراخ لتدافع عن نفسك بأنك لست كوزًا ولست أي شيء آخر. إلا أن شعور بالإحباط يتملكك، ويجعلك توقن بأنك مهما صرخت وشرحت وحكيت وقصصت، ستكون كمن يؤذن في مالطة؛ لأن زوجتك لن تفهم كلمة واحدة مما ستقول وأنت تدافع عن نفسك لتدفع عنك تلك التهمة، وتشرح لها رأيك في أن أصحاب القضايا الحقيقية لا يحتاجون للصراخ، لأن أيمانهم العميق بها سيجعلهم ينجحون بالطرق السلمية كما نجح غاندي بمنهج السلم في إخراج المستعمر الإنجليزي من الهند.

باستسلامٍ تتفرس في وجه زوجتك المتأهب، وتواسي نفسك بقول علَّ ثورتها هذه تكون أخر "شدةٍ وتزول"، قبل أن تنهضَ وترافقها.

 

  ****

باريس 7 يونيو 2020


[1]  كوز" صفة يطلقها أهل السودان تهكما على المنتمين إلى الحركة الإسلامية -وتشمل الإخوان المسلمين وغيرهم من أتباع الإسلام السياسي -والتي كان يتزعمها حسن الترابي على مدى نصف قرن تقريبا، واتخذت لها أسماء مختلفة مثل "جبهة الميثاق الإسلامية" و"الجبهة الإسلامية القومية" و"المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي" وأخيرا "المؤتمر الشعبي".

مَوْسِمُ العَوْدِة إلى الشَّمال

قِصَّة قَصِيرة: مَوْسِمُ العَوْدِة إلى الشَّمال