الثلاثاء، 19 مارس 2024

مقال: أَدَبُ الشَّبَابِ في السُّودَان

بقلم/ تسنيم طه 

ظهر على الساحة السودانية في الآونة الأخيرة، زخم من المنتوج الأدبي في مختلف الأجناس.

مجموعات قصصية ودواوين شعرية وروايات بل وحتى مسرحيات اجتاحت بعناوينها مواقع التواصل الاجتماعي؛ لتكشف عن فوز أغلب مؤلفيها بجوائز أدبية.

"فريج المرر"، "شوق الدرويش"، "ربيع وشتاء"، "صنعاء-القاهرة-الخرطوم"، "آماليا"، "نورس يجهره السرب"، "باحة باروكة"، "صومعة الأحلام"، "خلف الجسر"، "مخاض عسير"، "ما يكون لبقعة قهوة فعله"، "تاسوع الخليل الأخير"، "سِفْرُ الغراب"، "سهام أرتميس"، وغيرها من العناوين التي تُوجت بجوائز عربية وأخرى إقليمية.

جوائز مثل "توفيق بكار" و"المختار للغماني" في تونس، "منف" و"إيبيدي" و"كيميت" و"نجيب محفوظ" في مصر، "إلياس فركوح" في الأردن، "الشارقة" و"البوكر" في الإمارات"، "فريد رمضان" في البحرين" و "محمد سعيد ناود" في إريتريا، و"سحر القوافي" و"أمير الشعراء".  وغيرها.  

لكن لم يكن الفوز وحده ما تسبب في هذا الزخم وساهم في ارتفاع هذا البنيان الأدبي. فقد لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورًا مهما في الترويج لعناوين أخرى لقيت قبولًا بين القراء متابعي صناعة المحتوى الرقمي، رغم أنها لم تحصل على جوائز.

ففي عالم تحكمه الخوارزميات وعدد التفاعلات بالإعجاب والمشاركة، يمكن لأي شخص أن ينجح وأن يحصل على متابعة آلاف الأشخاص وهو جالس في مكانه، دون تكبد عناء الركض اللهاث، وراء سراب دور النشر، وجد الشباب عزاءً لهم، وقبلوا تحديات كسر حاجز الرعب من الكلمة والترويج لها بأقل التكاليف.

 فأحد أسباب احباط الشباب وتثبيطهم عن الكتابة هو موضع النشر؛ إذ ليس بمقدور أغلبهم دفع تكاليف دور النشر التي تطلب أحيانًا أرقامًا خرافية قبل أن توقع مع الكاتب عقدًا لنشر كتاب في طبعة من 500 نسخة، يكون مصيرها في أغلب الأحيان صناديق الكتب في مستودعات التخزين، وليس الانتشار الساحق والوصول بسرعة البرق لأيادي القراء في مختلف أرجاء المعمورة، كما توهم الكاتب.

ومن المميزات الأخرى لمواقع التواصل الاجتماعي نجاحها في الترويج للمسابقات الأدبية، ما ساهم في فتح شهية الكتاب للكتابة؛ بتعزيز روح المنافسة والرغبة لخوض تحدي الوصل للصدارة وتارة، وتارة أخرى بإعطائهم آمالًا في نشر مجاني وانتشار يتجاوز حدود الوطن.

وبالتوازي، كان للجوائز المحلية دور في تشجيع الشباب على الكتابة.

ومن أهم المؤسسات التي اهتمت بالمواهب الأدبية مركز "عبد الكريم ميرغني"، الذي ظل يقدم طوال عقدين من الزمان، مسابقات للكتابة مرتين في العام تحت عنوان "مسابقة الطيب صالح"، وهي جائزة للكتاب السودانيين فقط: واحدة في أبريل لفئة القصة القصيرة، وهي موجهة فقط للشباب دون سن الثلاثين، والثانية في أكتوبر لفئة الرواية.

وكأمثلة نذكر بعض العناوين: "الغابة السرية"، " خيانتئذٍ "، " عاصف يا بحر "، " النهر يعرف أكثر "، " دائرة الأبالسة "، " بلاد السين الأم الرؤوم"، " الناجي الغريق"، "مال قلبي" و"أيام حي البوستة".

ورغم أن جائزة فئة الرواية مفتوحة لجميع الأعمار، إلا أن الإحصائيات تشير إلى أن أغلب الفائزين كانوا شبابًا دون سن الخامسة والأربعين.

وفي السنوات الأخيرة، ظهرت مؤسسة "نيرفانا"، وقدمت خلال خمس مواسم اهتمامًا بالمواهب الشبابية وتنظيم مسابقات أدبية نجحت في إضافة عناوين جديدة للساحة الأدبية السودانية، خاصة في مجال القصة القصيرة.

أما في مجال القصيدة والنثر، فقط ظل بيت الشعر" في الخرطوم، صرحًا ثقافيًا يرتاده ليس فقط الشعراء والمهووسين بالقوافي والأوزان، ولكي أيضًا جميع المغرمين بصناعة المحتوى عن طريق الكلمة. وقد كان له دور كبير في تشجيع الشعراء على الكتابة والإلقاء المنبري، والمشاركة في مسابقات عربية أهمها مسابقة أمير الشعراء، التي تأهل لها في السنوات الأخيرة شباب دون سن الخامسة والأربعين.

طوال عقود، تشابهت مواضيع الكتابة لدى الكُتاب السودانيين، لتشابه حال الواقع السوداني جيلًا بعد جيل، مجبرًا شبابه لأن يكتبوا معبرين عن آلام وطنهم وأحزانه وهمومه وتاريخ احباطاته المتكررة وتتالي مراراته وغزارة دموع أهله شعبه، وخيبة آمال شبابه، وحاله الذي أبى أن ينصلح.

والقارئ للأدب السودان الحديث سيلاحظ جليًا رجوع هؤلاء الشباب لانتفاضة أبريل عام 1985، رغم أنهم لم يكونوا شاهد عصر عليها كما هو الحال مع الثورتين الأخيرتين. فأغلبهم كانوا أطفالًا أو لم يولدوا بعد، ولكن حكايات الآباء والأمهات والأجداد وهم يلقنون ابناءهم اشعار وكتابات ومقولات نادت بالديمقراطية والحرية والمساواة في ذلك الوقت، نجحت في نقل هذا الألم بالتواتر، ووشم وجدان هؤلاء الشباب بتاريخ بلدهم المؤلم.

ورغم تلون ملامح هذا الأدب بجميع ألون الطيف، والتقاء أغلبها في التعبير عن السودان وعن ملاحقته للاستقرار، كملاحقة "سيزيف" لصخرته، إلا هناك نصوصًا خرجت عن المألون وتمسكت الأمل بل وشطحت في الأحلام والتوقعات المستقبلية، رغم الحدث العظيم الذي تسبب في تدهور حالة البلاد في عام 2011، المتزامن مع ثورات الربيع العربية: انفصال جنوب السودان.

كل هذا وما زالوا يكتبوا وهم يتأرجحون بين الأمل والخوف؛ ليصوروا احداث كانوا شاهد عصر عليها: انفصال الجنوب، ثورة سبتمبر 2013، وثورة ديسمبر 2018، وتنحي الرئيس في أبريل 2019، ثم فض اعتصام القيادة في يونيو 2019، إلى أن أتتهم الضربة القاضية التي لم ينتظروها، مع انقلاب أكتوبر 2021؛ ليعقوا في هوة اكتئاب جديدة، وخيبة أمل ومرارة سدت شهيتهم عن الكتابة، وأجبرتهم لانتهاج نهج الجميع بالاستلام لذرف تلك الدموع الغزيرة، وكأنه كُتَب عليهم أن يشقوا نهرًا موازيًا لنهر "النيل"، تغذيه مياه أعينهم، التي توشك أن تجف من كثرة البكاء المتنامي منذ ثمانية أشهر بعد اندلاع حرب شوهت معالم مدينة المركز في دواخلهم، وقد كانوا يتغنون بها ويفتتحون قصصهم بالتغزل فيها : "يا الخرطوم، يا العندي جمالك جنة رضوان".

في بعض المقالات على المواقع الإلكترونية طُرح موضوع تأثر الشباب بتجربة الطيب صالح في روايته "موسم العودة للشمال"، وعدم قدرتهم على تجاوز الكتابة عن القرية السودانية.

لكن هذه الادعاءات ليست صحيحة مائة بالمائة. إذ ليس بالضرورة وجود

نموذج قدوة دوما، عند وجود استخدام الكتابة كعلاج. فهناك تجارب عديدة، أغلبها نسائية، لكاتبات كادن دفاعها الأساسي حاجة حيوية للتخلص من ضغوطات داخلية وأزمات نفسية، كُتبت بصدق وعمق وحملت بصمات كاتبتها بتفرد بدون تقليد.

وبالرغم من وجود هذه القرية السودانية، التي كان عرابها الطيب صالح، ووجود كل هذا الحزن وذاك الألم، هناك ملامح أخرى لهذه الأدب السوداني الشبابي، شاع بعضها عند فئة أكثر من الأخرى.

فالسياسة والجنس وقمع الحريات والتعذيب في السجون والهجرة والحلم بها وعواقبها الوخيمة بعد عبور البحار والفقر والبطالة والحلم بحكم ديمقراطي، تكررت كثيرًا في الأدب المكتوب بواسطة الرجال. بينما شاع بين أسطر الكتابات النسائية مواضيع مثل القيود الاجتماعية والقمع الأسري، الحب والزواج والأمومة وتبعاتها والخيانة الزوجية، وتوتر علاقة المرأة بالرجل وكل ما يثب نظرية "الرجال من المريخ والنساء من الزهرة".

وهناك فئة من الكتاب الشباب، من كلا الجنسين، خرجت من تلك القوالب بتناولها مواضيع عبرت حدود الوطن وعبرت عن هموم الإنسان بشكل عام في مختلف أخرى من بقاع الأرض، وبتسليطها الضوء على جوانب مختلفة في جوانب الحياة في السودان كعادات الزواج والحداد أو التسامح الديني بين المسلمين والمسيحيين. وهناك ندرة من الكتاب اتجهوا لمنحى آخر من الكتابة، باستخدامهم الفانتازيا وأنسنة الأشياء والأمكنة. أما الخيال العلمي فلا وجود له في الأدب السوداني حتى الآن.

وعلى العموم يظل المنتوج الأدبي السوداني شحيحًا مقارنة ببقية البلدان العربية؛ بسبب أوضاع سياسية واقتصادية تعاقبت على البلاد، لعبت دورًا سلبيا وشغلت الشباب عن موضوع الأبداع بهموم ما زالت تلاحقهم كظلالهم.

لكن عسى أن تغلب الكثافة الكثرة. فالعبرة ليست في الكم، وإنما في النوع.

لهذ يحتاج الكُتَاب الشباب من كِلا الجنسين لفهم تقنيات الكتابة الإبداعية واتقان صنعتها والتعامل معها على أنها فن مثل بقية الفنون تحتاج لأدوات، مثلما يحتاج الرسام للريشة وللألوان ومراعاة الضوء والظلال، ويحتاج المغني لإتقان فن اختيار نبرات الصوت وكتم التنفس.

عندها فقط، ستتمهد أمامهم الطرق بمجرد أن يدركوا أن أهم ما يحتاجه الكاتب هو تعلم فن صناعة الحبكة وبناء الفضاء القصصي ورسم الشخصيات. لأن قضاء الوقت في العكوف على رص بنيان الكلمات واحدة تلو الأخرى سيصنع نصا بلا روح ولن ينتج أدبًا عالي الجودة. 

 فموهبة إتقان اللغة وتطويعها وحدها لا تكفي، حتى وإن كانت بنفس أهمية بقية العناصر. فاللغة هي الوعاء الذي يصب فيه الكاتب أفكاره، والمطية التي يستخدمها للوصول إلى هدفه للتواصل مع القارئ.

فالحل يكمن إذًا في البحث الدؤوب لإيجاد ذلك المفتاح السحري والبسيط في آن معًا؛ لفتح باب يُمهد لتقديم أدب رفيع المستوى، يحكي عن الإنسان ويصور بيئته وحقبته بشفافية؛ فيستحق تجاوز حدود الوطن ليصل إلى العالم أجمع.

 

الأحد، 7 يناير 2024

مقال: ثُقُوبُ الغُرْبَالِ

بقلم / تسنيم طه


منذ فجر التاريخ، وخلال رحلة تطور وجوده على هذه الأرض، سعى الانسان إلى تخليد ذكراه بشتى الطرق. قام الفراعنة والسومريون وشعوب الإنكا والمايا وغيرهم من الحضارات القديمة بالنقش على الجدران.

طرق أخرى كثيرة سلكها الانسان ليشبع شهوة الخلود ويحارب شبح الفناء، بحث فيها عن وسائل صادقة تعبر عن أحواله من فرح وحزن وخيبة وألم وغضب وتمرد وحروب وانتصارات وغيرها، تارة عبر فن الكلام والخطابة وتارة أخرى عبر الموسيقى وتارات كثيرة عبر النحت والرسم والتصوير أو الكتابة.

والكتابة، التي بدأ ظهورها في بلاد ما بين النهرين في حوالي سنة 3500 قبل الميلاد، عن طريق النحت بمسمار على الطين قبل تجفيفه بالنار أو الشمس، أصبحت اليوم، وخاصة هي السرد القصصي، أكثر صور التعبير عن أحوال الإنسان. والسرد القصصي، الذي لم يغفل حتى الخطاب الديني عن أهميته ومدى فعاليته في التأثير والإقناع، يستخدم في الصحافة وفي الأدب وتربطهما علاقة وثيقة. وهناك الكثير من الأدباء قضوا معظم حياتهم في الصحافة مثل غابرييل غارسيا ماركيز وأمين معلوف وجوزيف سارماغو وأرنست همنجواي وإيزابيل الليندي وغيرهم.

ورغم وجود اختلافات بين السرد الصحفي والسرد الروائي، إلا أن الصحافة تأثرت كثيرًا بالرواية وأخذت الكثير من عوالهما، خاصة آليات بناء التشويق والإثارة واستخدام لغة شعرية تبتعد عن المباشرة والتقريرية. وأصبحت، بعد أن كانت تعد تكتفي بملاحقة الخبر، تستخدم تقنية النبش الروائي، للنقيب في الدوافع وراء الأخبار. ومما لا شك فيه أن أكثر أنواع الكتابة استهلاكًا في عصرنا الحالي هما الصحافة والرواية. وقد يرى البعض أنه من البديعة استهلاك الصحافة لأنه يشبع الفضول لمعرفة ومواكبة أحداث العصر، ولكن يصعب عليه تقبل فكرة صدارة الرواية لبقية الأجناس الأدبي. والسبب سبب شهرة الرواية واكتسابها هذه الشعبية، يعود لكونها تخاطب اللاوعي عن الانسان بملامستها مشاعره وعواطفه وأحاسيسه، وتسمح له بالسفر عبر خياله.

وكتابة الرواية أصعب الأنواع الكتابة؛ فهي تتطلب وقتًا ومجهودًا ذهنيًا ونفسيًا أثناء عملية اختمار فكرتها داخل الرأس، قبل أن تتضح وتتشكل ملامح شخصياتها، وتُحْكَم حبكتها، وينجح كاتبها في الانعتاق من سجنها المنيع. ولأن كتابتها مهمة صعبة، ترجمتها أيضًا صعبة وشاقة. فالمترجم لا يترجم معاني كلمات وجمل وحسب، وإنما يترجم أحاسيس ومشاعر مختبئة خلف ستائر الثقافة، وبين طيات خبايا النفس البشرية، وداخل أنماط تفكير وتقنيات استخدمها الروائي لبناء وكتابة روايته. فالمترجم كاتب ثان يتحتم عليه مصير نجاح العمل أو فشله. وكم من أعمال أدبية عظيمة قتلتها رداءة الترجمة.

 والسؤال الذي يطرح نفسه: ما السبب في وجود كل تلك الترجمات الرديئة التي تكتظ بها أسواق الكتب؟

ودون الخوض في موضوع إلقاء اللوم على دور النشر، لأنه ليس الغرض من كتابة هذا المقال، سنحاول فهم الجوانب المتعلقة بالمترجم، كونه الناقل والمصفاة التي يعبر من خلالها النص الجديد. 

تُعَرَّف الترجمة على أنها علمية تحويل نص أصلي مكتوب بلغة ما وتسمى بـ"اللغة المصدر"، إلى لغة أخرى وتسمى "اللغة الهدف". ولكن عملية النقل هذه لا تمر بسلام في معظم الأوقات، وقد تفشل فشلًا ذريعًا وتسبب في قتل النص الأصلي، وتدفع القارئ أن يقذف بالكتاب منذ الصفحات الأولى. وتقول إحدى نظريات الترجمة: "الترجمةُ خيانة"، مقولة تمثل أولى العقبات أمام بعض المترجمين، وتسبب لهم الرعب وتجعلهم يدورون في حلقة مفرغة من الخوف ومن تكرار المحاولات المستميتة للوفاء للنص الأصلي وتوخي الكثير من الحذر والظن بوجوب نقل المعنى كلمة كلمة، دون أن يفهموا أن هذه هي الخيانة بعينها. فنقل الكلام بهذه الطريقة يخلق معنى غير مترابط، ولا يوصل الصورة النهائية بوضوح، بل وقد يشوهها ويطمس معالمها بالكامل.

ولكي ينجح المترجم عليه أن يرى الصورة شاملة. ولكي يرى الصورة كاملة، يحتاج للابتعاد قليلًا عن الجملة وأن يعيد قراءتها مرات ومرات ويتساءل عن الفكرة التي أراد الكاتب إيصالها، قبل أن يبدأ في نقلها بكلماته التي تناسب مدلولات اللغة "الهدف" وتشرح معناها بصورة دقيقة، بل ويمكنه عرضها من زاويته التي رآها منها بدون أن يُحدث ذلك خللًا أو تشويها للنص الأصلي. فالترجمة فن مثل بقية الفنون يحتاج إلى أدوات وتقنيات، ثم إلى التحلي بالشجاعة وعدم الخوف من الوصم بصفة الخيانة. وإذا كان ولابد أن يكون خائنًا فليخن خيانة جميلة، وألا يتجنب تحرير النص الأصلي أثناء نقله، مادام أنه قرر أن يصبح مصفاة تسمح بتمرير النص بعد تنقيه من الشوائب.

ولولا الترجمة لما تعرفنا على عناوين تركت بصمتها في تاريخ روائع الأدب العالمي الكلاسيكي مثل: "الجريمة والعقاب" ..."دون كيشوت"..."وروميو وجولييت" ..."البؤساء"..."مائة عام من العزلة"..."أنَّا كارينا"..."الكونت دو مونت كريستو"..."الحارس في حقل الشوفان"..."غاتبسي العظيم"..."أشياء تتداعى" ..."السيدة دالاوي" ..."مدام بوفاري"..."المحاكمة" ..."آلام فارتر"..."ذئب السهوب"..."مزرعة الحيوان" ..."اسم الوردة"..."جين آير" ..."العمى"..."أليس في بلاد العجائب" ...وغيرها.

في الماضي، كان المترجمين يعكفون شهورًا وربنا سنوات قبل أن يخرجوا عملًا أدبيا متقنًا.  لكن اليوم مع سهولة استخدام التكنولوجيا وسرعة إيقاع الحياة، استسهل المترجمين الشباب هذه العملية، وظن البعض أن بقدورهم تطويع القواميس الإلكترونية والانطلاق؛ للمنافسة في سوق الترجمة. لكن هذه التقنية السريعة المواكبة لروح العصر قد تنفع مع المصطلحات الجامدة جمود القوانين والمصطلحات العلمية أو القانونية أو المالية، لكنها لن تنفع مع الأدب. فلغة الأدب لغة حية متحركة متطورة كتطور أحوال البشر، ونقلها لا يعني نقل معاني الكلمات وحسب، وإنما أيضًا نقل الثقافة المتغيرة تغير العصور. وهذه تمثل إحدى العقبات التي تضطر المترجم أحيانًا إلى التواصل مع كاتب النص، إذا كان على قيد الحياة. فهناك اللغات الصامتة كلغة الجسد والأمثال الشعبية التي يختلف تأويلها حسب المجتمع، بل وحتى كلمات فصحى لها استخدامات ثقافية بعيدة عن معناها الأصلي. وإذا لم يكن المترجم على دراية بهذه المدلولات الثقافية فقد يقع في سوء التأويل ومن ثم النقل الخاطئ.

مثال على ذلك عبارة "دفأ قلبي" التي تُستخدم في الثقافات الأوربية. فإذا لم يأخذ المترجم بعين الاعتبار الخلفية الثقافية والبيئة لكاتبها أو ناطقها، سيقوم بنقل المعنى حرفيًا. وهذا لن يوصل الصورة كما أرادها الكاتب. فالدفء هو ما يحتاجه سكان الأراضي الباردة، والبرودة وهو ما يتوق إليه سكان البلدان الحارة. وهكذا تكون الترجمة الأصح هي عبارة " أثلج صدري"؛ فمدح البرودة والحرارة والشمس والمطر أو هجاؤها أمور نسبية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالثقافة وبالبيئة. وكمثال للغة الجسد، خفض البصر أثناء الكلام، الذي قد يترجم في بعض المجتمعات العربية ترجمة إيجابية على أنه دليل على الأدب والاحترام. في حين أنه قد يترجم في ثقافات أخرى على أنه إشارة لانعدام للثقة بالنفس أو الخوف.

 وكمثال لكلمات فصيحة لها استخدامات ثقافية كلمة " شَّمار".  هذه النبتة تعرفها القواميس على أنها "بقلة عشبية من فصيلة الخيميات، منها نوع حلو يزرع يؤكل نيئا أو مطبوخًا"، وبأنها "الرازيانج عند أهل مصر والشام"، وبأنها "نبات أصفر الزهر أخضر الحب له فوائد طبية". قدمت المعاجم وصفًا تفصيليًا لشكل النبتة ولونها وطعهما واستخداماتها في الطبخ وفي طب الأعشاب، بدون أن تتطرق لاحتمالية استخدامها كاستعارة أو تورية، لمعنى آخر.  ففي السودان مثلًا يستخدمون كلمة "الشمار" للتلميح على الفضول أو التطفل. ولو سمعتَ أحدهم ينطق هذه الكلمة، فهناك احتمال كبير ألا يكون للطعام والبهارات أي صلة بالموضوع.

كل ما سبق ذكره يوضح مدى صعوبة الترجمة الأدبية، ويدفعنا للتساؤل: ما هو الحل إذًا؟

وقد تكون الإجابة أبسط مما نتصور: وهي اختيار مترجم يتقن التعامل مع اللغة الأدبية، مثلما فعل الشاعر الفرنسي "شارل بودليير"، الذي ترجم أعمال الكاتب والشاعر الأمريكي إدغار آلان بو من الإنجليزية إلى الفرنسية. والحل البديل، انتقاء مترجم يكون قارئًا نهمًا للأدب، ويكون عقله قد تشرب تقنيات الكتابة الأدبية.

وفي كلا الحالتين، يحتاج المترجم لكي يخرج عملًا ناضجًا ومشدود بالالتزام بمراحل الكتابة، كما يفعل الكاتب الأصلي. فالترجمة إعادة كتابة مثلها مثل مراحل الكتابة تبدأ بالمسودة الأولى تليها مرحلة المراجعة وملء الفراغات، ثم مرحلة مقارنة النصين تليها التحرير والتدقيق وإعادة صياغة الجمل، وأحيانًا أعادة الكتابة بمجملها إذا لزم الأمر، قبل وضع اللمسات الأخيرة على النص نهائي خالٍ من الزوائد. فالكتابة عمل ذهني بحت في المقام الأول، يخاطب المنطق في العقل حتى وإن كان يستخدم الخيال وعناصر لا وجود لها في الواقع، ويحتاج إلى زمن ومراحل مثل بذرة القمح التي تحتاج إلى رعاية منذ لحظة دفنها داخل التربة، مرورًا بمرحلة حصدها ثم تنقيتها من الشوائب قبل طحنها، ثم تحويل الطحين إلى عجين وتركه الوقت الكافي ليختمر قبل ادخال الفرن وإخراجه خبزًا شهيًا. وجودة هذا الخبز، ترتبط بأهم مرحلة وهي مرحلة التنقية من الشوائب. فلو مرت شائبة أو حبة رمل واحدة في الغربال مع الطحين، ستفسد هذا الخبز وقد يستحيل أكله.

هكذا هو الحال مع الكاتب والمترجم: كلٌ منهما يمثل مصفاة أو غربال. فالأول مصفاة يمرر عبر لغته أفكاره إلى القاري. والثاني غربال يمر من خلاله كامل النص من اللغة الأصل إلى اللغة الهدف. وإذا كانت ثقوب كل منهما كبيرة، ستسبب في تمرير شوائب وزوائد، وستخرج نصًا غير مستساغ.

إنها مهمة صعبة بلا شك، بل مهام متعددة ومركبة، لكنها ليست مستحيلة، مهمة التسلح بالتبحر في الثقافة وما ورائها، ومهمة فهم التقنيات وتحليلها، ومهمة ضبط ميزان اللغة لإيصال المعاني والأفكار والصور بوضوح وبلاغة وسلاسة وبساطة؛ فخير الكلام ما قَلَّ ودَلَّ. 


 


------

نُشر بتاريخ  1 يناير 2024، في العدد الثالث عشر من مجلة "أوتار" الأدبية.

السبت، 30 ديسمبر 2023

غَــرْبُ القَــاشِ (فَصْلٌ مِنْ رِواية)

بقلم/ تسنيم طه

كَسَلَا / أبريل 2013

لم نكد ننتهي الأسبوع الأول في مدينة كَسَلا، حتى فاجأني الفاضل بقراره أن نتوجه لمدينة بورتسودان.

أبديتُ دهشتي واخبرته بأننا لم نخطط لزيارتها ضمن جولة رحلة "شهر العسل"، وبأنني لم أكتفِ من كَسَلا ولم أعاود زيارة جبل "توتيل" والشرب من ماء بئره، ولم نزُر السواقي لأخذ صورٍ على ضفاف نهر "القاش"، ولم أحقق حلمي بعبور الحدود الإريترية وزيارة مكان معركة "كرن"، التي قتل فيها جده (خاله لأمه)، أثناء قتاله مع الإنجليز ضد الطليان في أحد معارك الحرب العالمية الثانية بشرق أفريقيا.

 لكن الفاضل تمسك برأيه مؤكدًا أن صوتًا داخليًا يُلح عليه بالتوجه فورًا لعروس البحر الأحمر.

ولما سألته بقلقٍ إن كان حدسه نتيجة كابوس، نفى ووضح بأنه منذ زواجه بي قبل أسبوع لم يرَ كوابيس مفزعة، رغم تزايد مخاوفه الداخلية من تهديدات الجِنية "حَسِينة"، التي توعدته قبل أن تفارق الحياة احتراقًا برقية شرعية من تلاوة شيخ يداوي بالقرآن وعسل النحل في منطقة "العِزبة" بِبَحري، بأنها لن تتركه يهنأ بامرأة من بعدها، وبأنها لا محالة ستخطفه يومًا ما معها إلى عالم برزخ الجن.

 افترستني الهواجس والقلق بعد بوحه لي بمخاوفه، فحاولت التملص من تلك الرحلة متحججة بخوفي من البحر، الذي لم أره في حياتي. وحتى أدعم حجتي، قصصتُ عليه قصصًا من الإلياذة والأوديسا، عن حوريات يخطفن الرجال إلى الجزر النائية، وتوقفتُ طويلًا عند قصة "أوديسيوس" واختفائه بسبب الجنيات عن زوجته الوفية "بينلوب" عشرة سنوات، بسبب جنيات وحوريات البحر، وآخرهن الجنية "كيركي"، التي حولت رفاقه إلى خنازير؛ لينجو هو منها بفضل تحصنه بعشبة أعطاها إياها "هيرميز" رسول الآلهة الإغريق،  بل وينتصر عليها بنيل حبها، الذي سيجعله يقيم معها عامًا كاملًا، قبل أن تدله، لما رغب بالرحيل، على طرق الإبحار الآمنة إلى أرض "الظلال" الواقعة على حافة المحيط، لكي يعلم مصيره من العراف الأعمى "تيريزياس".

تفرس الفاضل في وجهي بذهول، قبل أن ينفجر ضاحكًا. وبعد أن حك ذقنه الحليق بأصابعه المخضبة بالحناء برهة، سخر من إيماني بأساطير لا وجود لها في الواقع، قبل أن يستلقى على الأريكية الجلدية قبالة التلفاز، مواصلًا ثرثرته عن تلهفه للتعرف على البحر؛ ليقارنه بنهر "النيل"، الذي سبح فيه كثيرًا رغم غدره وابتلاعه لكثير من أبناء عمومته في قرى شَنْدِي  والمَتَمَّة، كابتلاعه في الماضي لكثير من نساء "الجَعَليين"، جداته اللاتي رمين بأنفسهن في مياه النيل خوفًا من السبي أيام الحكم التركي، أثناء حملة محمود ود أحمد، الشهيرة بـ"كَتْلة المَتَمَّة"[1]، كما لقنته جدته لوالده "بنت مَسَاعَد"، التي يناديها بـ"حَبُّوبَة الحَلاوة".  

كثيرًا ما كنتُ أصاب بغيرة، عندما يذكر جدته تلك، ليتباهى بحبها له من بين جميع بقية أحفادها الكثرين، كتباهيه بحبه لها من بين جميع نساء الأرض بعد والدته، لتضيق مساحة الود في قلبه لكائنٍ من كان، حتى والده الذي يحمل اسمه.

وكثيرًا ما تساءلتُ أيام خطوبتنا الطويلة، التي طفنا فيها على مطاعم العاصمة المثلثة ومقاهيها، وعلى ستات الشاي قبالة شارع النيل، لتبادل كلمات الغرام والغزل والأحلام المستقبلية، إن كنت سأنجح في منافسة هاتين المرأتين، أم أنه سيستوجب علىَّ العيش في ظلهما، وتجنب أي موقفٍ سيجبره أن يختار بيننا. وكنتُ أعلم أنها لم تكن فكرة صائبة لوضع نفسي في منافسة مع امرأة انجبته وربته، وأخرى سقته الحب والحنان ولقنته بحكاويها تاريخ القبيلة وتراثها وعاداتها وتقاليدها. لكن يبدو أن الأنثى تفقد التفكير المنطقي عند الوقوع في الحب، وتنجرف وراء مخاوف ومشاعر عدم الأمان لا تفعل شيء سوى غض مضجعها.

وها أنا أقع من جديد، في فخ التفكير غير المنطقي، بتخيل أن يكون وراء قراره التوجه إلى "بورتسودان" علاقة بتلك الفتاة الجامعية، التي صادفناها الاسبوع الماضي في الباص السياحي.

ذلك اليوم، وبعد اتخاذنا لمقاعدنا على خلف السائق على اليمين حيث يظهر جليًا اسم الباص "كربكان"، مذكرًا بالمعركة، التي بين القوات البريطانية وقوات المهدية عام 1885، وضعتُ رأسي على كتف الفاضل، هربًا من وهج نظراته المشتاقة اللاتي كادتا تلتهمانني، وهو يذكرني بغضبي منه البارحة أثناء طقوس "الجَرْتِق" لحظة بخ اللبن[2]، عندما نحج في بخي قبل أن أخفي وجهي عنه، واصابني بغم نتيجة تخريب مكياجي وسقوط الرموش الصناعية من جفني الأيسر. أطلق الفاضل ضحكة، ثم لامني على عدم تنبيهه إياه قبل الجَرْتِق، لكي يقوم بشرب كوب الحليب بدل سماع كلام والدته، لكي يسبقني ويرشني به حتى يكون فألي معه حسنًا.

في هذه اللحظة، أدار السائق محرك المركبة استعدادًا للانطلاق، فسينا مشهد "بخ اللبن"، وأخذنا ندندن: "لو سعيد زورها وشوفها بي مهلة، وشوف جمال تاجوج في خصال أهلها، سمحة كَسَلا"

جذبت دندنتها المتغنية بجمال مدينة "كَسَلا"، تلك الفتاة، التي كانت توازينا من ناحية اليسار. فنبهتني غريزتي الأنثوية لخطر محدق؛ دفعني لإلهاء زوجي عن نظراتها الفضولية التي انزرعت في يديه المخضبة بالحناء، بسؤاله إن كان يحفظ أغنياتٍ أخرى تغنت بجمال المدن؛ ليدندن بسرعة مقطع: "أنا أُمْ دُرْمان، أنا السودان، أنا الدُّر البَزِين بلدي".

ولكي أُلهيه أكثر، طلبتُ مني أن ينشدني أغنية أخرى لا تكون معروفة لدى جميع السودانيين. ففكر برهة ثم دندن بنبرة صوته المبحوح التي أعشقها: " ليمون بارا، ويا أخوانا شيلوا الجلالة". وهنا أطلقت الفتاة صرخة إعجاب، قبل أن تنبهل في كلامٍ منمقٍ للتغني بجمال مدينة "بارا"، معلقةً أن فيها ناضل أجدادها ببسالة رغم هزيمتهم أمام قوة سلاح الغزاة الاتراك في معركة "بارا"، قبل أن تضيف أنها كانت فيها بالأمس مع ابنة خالتها الجالسة بجوارها كصنم تحدق في المشهد بخجل وترفع كل لحظة للخمار فوق شعرها.

رمقت الفتاة، بنظرة مقت مستهجنة خفتها تجاه عريسي؛ فتلعثمتُ ثم باركت لنا زواجنا قبل أن تتوجه بحديثها مرة أخرى لعريس: 

-       عروسك عيونها زي الفناجين أكيد جَعَلية.

ضحك الفاضل بفخرٍ وأخبرها بأنه هو الجَعَلي؛ لتتمادى تغزلها بسؤاله بغنج إن كان أخ الفنان "طه سليمان" حتى يشببه هذا الشبه. ولما نفى بهزة من رأسه، وسعت ابتسامتها لتخبره بأنه يفوقه جمالًا ووسامةً بفضل تلك الشامة المتربعة فوق حاجبه، اشتعلت نيران الغيرة في قلبي؛ لتجتاحني رغبة مميتة في النهوض واشباع الفتاة لطما على فمها حتى تتساقط أسنانها؛ حتى تكف عن الثرثرة وتوزيع البسمات لإغواء عريسي بتلك الطريقة الفاضحة.

لم تكن غيرتي منطقية، لكي ينسى الفاضل، أنني عروسه الطازجة التي لم ينلها بعد، وينسى أنني كرست شهرًا كاملً من "الحبسة"، كرسته للاحتراق يوميًا بدخان "الطَّلِح" لكي أبدو في أبهى حُلة لأفرح قلبه، أو يتجاهل رائحة الدِّلْكة والبخور والخُمْرة التي تفوح مني وتفح معها لهفتي لكي أسلمه نفسي له؛ حتى يشتهي فتاة جامعية مغبرة والوجه والملابس.

 وازاد سعير نيراني، عند ملاحظة لمعان عيون الفتاة وهي تمد له رواية بعنوان "غرب القاش"، كانت تمسك بها، قبل أن تهديها إياه مؤكدة بأنه سيستمع بقراءتها عندما يكتشف براعة الكاتبة اليمنية "محاسن الحواتي" في وصف تفاصيل الحي الذي يسكنونه في مدينة كسلا، قبل أن تدعوه، وابتسامة عريضة تصل لأذنيها، لأن يزورهم في بيتهم في هذا الحي، قبالة نهر "القاش" للسلام على والدها، قبل عودته لعمله في ميناء بورتسودان.

من أجل جملتها تلك، ها أنا اليوم أقع فريسة للتفكير عدم المنطقي، وأشك أن قرار الفاضل في التوجه لعروس البحر الأحمر، ما هو إلى وسوسة من تلك الفتاة الجامعية، التي ما هي إلا الجنية "حَسِينة" متنكرة في هيئة بشرية، وبأنها تستدرجه للذهاب إلى بورتسودان حتى تنتقم مني.

 



[1]  "كتلة المتمة" حملة شنّها محمود ود أحمد، ابن أخ الخليفة عبد الله التعايشي، على المتمة في يوليو1897، والتقى بجيش ود سعد في قتال شرس، قتلت فيه أعداد كبيرة منهم من بينها عبد الله ود سعد نفسه في عملية وصفت بالمجزرة.

 [2] بخ اللبن من العادات السودانية التي تقوم بها أم العروس لبنتها يوم عرسها، خاصة أثناء طقس الجرتق، والهدف الأساسي من رش اللبن هو جلب الفأل الطيب كما يعتقدون، وأن حياة العروسين سوف تكون كلها بيضاء.

 

---------------------

من رواية "سهام أرتميس"، الصادرة  عن دار مسعى / أكتوبر 2023



الجمعة، 24 نوفمبر 2023

كُنْتُ شَجَرةً، وتَكَلَّمْتُ بُسْتَانَ حُرُوف (فَصْلٌ مِنْ رِواية)

  بقلم / تسنيم طه



-- يلا يا عوض الكريم، صدقني لن تندم على مرافقتي!

توسلتني أختي أشجان، لكنها لم تخبرني بأنها تخبئ لي مفاجأة لتخرجني من عزلتي.
وبررت فقط بأننا سنزور أحد أقرباء أمي، لا يزورنا كثيرًا لأن والدي لا يحبه؛ حتى يساعدني في إيجاد عمل استرزق منه بعد أن فقدت وظيفتي في العاصمة.

وصلنا سوق "أبْ جَهَل" في حوالي العاشرة بينما الغيوم الرمادية تنذر بأمطار غزيرة. زاحمنا جموع بشر يلتفون حول بائعي الألبان واللبن الرايب والليمون والجرجير والطماطم على قارعة الطريق. وعندما توغلنا أكثر داخل السوق، ومررنا بمحلات لحوم الضأن والعجالي، وفَسِيخ" كُوسْتي " وجبنة" الدِّوِيم"، أصابني غثيان فظيعٌ، وكأنني لم أمر من هذه الأمكنة أثناء طفولتي ومراهقتي، قبل أن أنتقل للعيش في الخرطوم.

خنقتني العبرة عند تذكر كيف طردُت من حياة الرخاء التي خبرتها في الفيلا، التي أسستها بأموالي الخاصة، لتعود التساؤلات تنهشني: هل سأعود يومًا للنوم والجلوس على الأثاث الفخم الذي جلبته نرجس من إيطاليا؟

وهل سأكون مجاب الأوامر من الخدم والحشم الذين أتت بهم من الفليبين وسيرلانكا، لينتشروا في الفيلا الواسعة ويلبوا طلبات المدعوين على الحفلات الأسبوعية، التي كانت تقيمها نرجس لأفراد عائلتها وصديقاتها من بنات الذوات الذين يترأس آباءهم مناصب في الدولة مثل والدها؟

زفرتُ بعصبية، مع تصاعد غضبي تجاه نفسي لوقوعي ضحية لكيد النساء (نرجس وأماني-إيناس)، وعودتي لنقطة البداية، أسعى مثلما كنتُ طالبًا قبل سنوات للحصول على وظيفة توفر لي مصاريف يومي، بعد أن كنت أصرف راتبي الشهري بالدولار الأمريكي.

- لا تحمل هم يا عَوَضْ الكَرِيم! وان شاء الله الفرج قريب!

طمأنتني أختي لما أحستْ باغتمامي، فتنهدتُ بعصبية، وتبعتها في زقاق ضيق يسمح بالكاد بمرور المشاة، من كثرة حاويات البهارات والخضروات المجففة (بامية وكول، وملوخية، وشمار وشطة) المنتشرة على جانبه. فحرك خليط هذه الروائح المحببة معدتي، وتلهفتُ لتناول وجبة عصيدة دافئة بِمُلاح "تَقَلِيَّة"، رفقة جرجير وشطة خضراء، أرمم بها عظامي.

فمنذ أيام، بعد تضاعف توتري بسبب تجاهل والد نرجس لمكالماتي، وتنامي تشاؤمي بأنه سيحنث، انتقامًا مني على ما فعلته بابنته، بوعوده لي بخصوص أرباح الأموال التي شاركته بها في المشاريع الاستثمارية طوال سنوات (تربية دواجن في الخوجَلاب شمال بحري، رعي بهائم في كُرْدُفان، زراعة سمسم وبرسيم في سِنَّار، وتنقيب عن الذهب في صَحَاري وجبال ولايتي نهر النيل والشمالية)، انقطعت شهيتي عن الأكل.

وصِرتُ أكتفي بغمس الرغيف الحاف في كوب شاي أحمر أو كوب قهوة، أتناولها برفقة قهوة أمي، عندما تناديني لأجلس بقربها برهة تحت ظل الضحى، لحين وصول صديقاتها الدجالات المشعوذات، اللاتي يفقنها مبالغة في سرد القصص الغرائبية (أثناء تدخين للنارجيلة وضرب الودِع وقراءة الطالع والأبراج، تحت زوبعة من بخار التيمان) عن مدينة "الأُبَيِّضْ" في الماضي، وعن الثورة المهدية وحامية "بارا"، وعن عهد التركية البائد وحاكم يُدعى "يوسِف دامير"، وعن ثورة قديمة في مدنية تُسمى "السور" سُبيتْ فيها كثير من قريباتهن ومات فيها كثير من الرجال، وعن أرواح أموات هائمة في الفضاء.

عند خروجنا من الممر، امسكتُ بيد أختي لأوقف تقدمها.

وترددتُ قبل أن أتعذر بحاجتي للأكل قبل مقابلة قريب والدتي. فرمقتني بنظرة تعاطف دفعتني للاعتراف بعدم قناعتي بالحصول عن مهنة تجلبني إلى هذا السوق الشعبي كل يوم، لأصبح مضطرًا لتحمل صياحات الباعة ورائحة عرق الزبائن وشدة الحرارة، بعد أن تعودت العمل في مكتب مكيف أمام جهاز حاسوب لترجمة عقود وفواتير لشركات عالمية، ومشاهدة مباريات التنس مع على شاشة حاسوبي في أوقات راحة اقتطعها خلال الظهيرة، تذكرني بأيام شبابي عندما كنت لا افوت مباريات "أندريه أغاسي" و"مارتينا هينجيز" و"سيرينا ويليامز".

مر عامٌ ونصف على وشاية نرجس وتلفيقها لي تهمة تسريب أسرار الشركة، ثم تهديدها للمدير، إذا لم يطردني من العمل، أن تشي به هو أيضًا إلى السلطات، ليسحبوا منه تراخيص الشركة فيعود أدراجه إلى روسيا أو إلى السعودية أو إلى الجحيم.

ولا أدري كيف صدق المدير ادعاءاتها وتهديدها، إلا إذا كانت فعلًا تملك الدليل على تهربه من دفع الضرائب.

أهدتني أختي ابتسامة مشجعة، ثم أخرجت موزة من حقيبة يدها لتؤكد بأنها ستهدئ جوعي لحين أن تصحبني لتناول وجبة "أقَاشِيهْ" في سوق "فَلَّاتة" لن أنساها ما حييت.
سألتُها: ما المناسبة؟ فأجابتْ بأن هذه هي المفاجأة، ولامتني على نسياني لعيد ميلادها، ثم استدركت لتؤكد بأنها هي نفسها توقفت عن الاحتفال به حدادًا على روح صديقتها سارة عبد الباقي، المتوفاة بأحد الرصاصات الطائشة قبل خمس سنوات أيام انتفاضة سبتمبر 2013.
تناولتُ الموزة، وتطلعت في وجهها بامتنان، دون أن انجح في طرد قلقي من العثور على وظيفة تستجيب لمعاييري، وتغنيني عن المجيء يوميًا لهذا السوق الشعبي.

وعدت أفكر في المدير، وأتساءل إن كان سيقبل ارجاعي للعمل لو اتصلتُ به. فرغم كرهي له لتصديقه ادعاءات نرجس، كما كرهته كثيرًا في الماضي بسبب طبعه الغضوب، إلا أن ما يشفع له جزله العطاء في حوافز إجازات العيد وفي الراتب، الذي لولاه لما تحملتُ دفع نفقات نرجس الفظيعة، وأدوية الضغط والسكر لوالدي وإيجار البيت الذي يسكنوه، ونفقات أختي التي كرست حياتها للبقاء بجوار والدينا بعد مغادرتنا أنا وأخي للبيت.

طالبتني أختي بأن أُسمعها إحدى قصائد "محمود درويش؛ فسألتُها باستنكار: هنا في السوق؟ فأجابت بسؤال: ولم لا؟ ثم عللتْ: "هذا هو الحل الوحيد لكي تكفر عن ذنبك لنسيان عيد ميلادي".

تفرستُ في ملامحها الباسمة برهة ثم سألتها بمكرٍ إن كانت ستجاريني في المطارحة الشعرية، فهزت رأسها وأكدت بأنها ما تزال تحفظ جميع قصائد محمود درويش وأغلب قصائد الشعر العربي الحديث والكلاسيكي، فتحديتُ: "لكن شاعر اليوم شاعر مكسيكي، يكتب بالإسبانية"؛ فغمزت قبل أن تستفهم:

"أها؟ دي بركات بَاوْلا يا عَوَضْ الكَرِيم؟"

ابتسمتُ بفخر، وحمدتُ على نعمة تلك الأيام الجميلة التي عشتها مع صديقتي المكسيكية أيام دراستي في موسكو، حتى وإن كانت أمها قد رفضت زواجنا في نهاية المطاف.

واصلنا التسكع بين أزقة السوق بينما أنشدتُ لأختي أبياتًا من قصيدة، "كنت شجرة وتكلمتُ بستان حروف "للشاعر المكسيكي "أوكتافيو باث"، قبل أن أعود للخوض في سيرة بَاوْلا؛ لأحكي عن غرامها بقراءة كتب الشعر بأربع لغات، ثم عن رحلتنا سويًا إلى مدريد وبكائها أمام محطة "أتوتشا"، حيث قُتل خالها ضمن تفجيرات مارس الإرهابية التي نُفذت في مدريد عام 2004.
ثم توقفتُ عن الكلام لما توقفتْ أختي عن السير فجأة لتلتفت بحثًا عن صاحبة الصوت التي صاحت باسمها.

بفضولٍ التفتُ معها؛ لتقع عيني على آخر شخص كنت أتوقع رؤيته في مدينة "الأُبِيِّضْ": أماني-إيناس.

----------


من رواية "سهام أرتميس"، الصادرة من دار مسعى/ اكتوبر 2023


الثلاثاء، 21 نوفمبر 2023

مشاركتي في ورشة الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) لعام 2023

  

مارس 2023: 

نظمت الجائزة العالمية للرواية العربية الورشة السنوية للكتابة الإبداعية "ندوة" بمشاركة سبعة من الكتاب الواعدين من سبع دول عربية، والتي أقيمت برعاية هيئة الشارقة للكتاب.

استمرت الورشة خلال الفترة بين 5 و12 مارس في إمارة الشارقة، وحظيت بحضور كتاب طموحين من الأردن، والإمارات العربية المتحدة، والسودان، وعُمان، ومصر، والمغرب، وفلسطين.

أشرف على الورشة الأدبيان جلال برجس، الشاعر والروائي الأردني الذي فاز بالجائزة العالمية للرواية العربية عن روايته "دفاتر الورّاق" في عام 2021، والقاصة والروائية العُمانية بشرى خلفان، التي ترشحت للقائمة القصيرة عام 2022 عن روايتها "دلشاد".

تراوحت أعمار الكتاب المشاركين ما بين 30 و42 عاماً، وأشارت إدارة الجائزة إلى أنهم من نخبة الكتاب العرب الصاعدين، مؤكدة أن الهدف من عقد "ندوة" هو صقل المهارات الأدبية للمشاركين، حيث تخلل الورشة حلقات نقاش جماعية وفردية بين الكتاب والمشرفين عليها.


مَوْسِمُ العَوْدِة إلى الشَّمال

قِصَّة قَصِيرة: مَوْسِمُ العَوْدِة إلى الشَّمال