الأربعاء، 11 مارس 2020

كيف تؤلف كتاباً في 6 خطوات

 


الكتابة بحد ذاتها هي تعبير عن خبراتك وقراءاتك وكل ما تعرفه، وهذا التعبير قد يختلف من شخص لآخر، فمنا من يكتفي بنشر كتابات قصيرة على صورة منشورات على فيسبوك وتويتر، ومنا من لديه مدونة يصب فيها كل ما يتعلمه، ويوجد أيضاً الخبراء أصحاب الكتب.

لكن ربما لا تعلم أنه مهما كان مستوى خبرتك في شيء ما فإنك تستطيع من خلال الكتابة أن تستفيد وتفيد الآخرين بما تعلمته، الكتابة أيضاً ليس لها شروط فقد تكتب في أي موضوع أنت مهتم به، لكن كلما ركزت في موضوع معين وأخرجت كل خبراتك فيه كان هذا أفضل لك ولقرائك.

لتبدأ كل يوم باقتطاع بعض الوقت للعمل على كتاب إلكتروني تبيعه، تفيد به الآخرين، وتشارك الآخرين خبراتك وأفكارك. هذه بعض الخطوات والنصائح الجيدة التي يمكنك إتباعها للعمل على كتابك الأول.

 

كيف تؤلف كتاباً؟

 الخطوة الأولى: الصورة المجملة للكتاب

تخيل أنك تريد أن تبنى قلعة، الخطوة الأولى هي عمل التصميم المجمل للقلعة هل هو كبير أم صغير؟ ما شكله من الداخل ومن الخارج؟ تكوين الصورة المجملة دون تفاصيل، كذلك كتابك؛ يجب أن تحدد صورة مجملة عن هدف كتابك وما الموضوع الذي ستكتب عنه وما حجم الكتاب، هذه الخطوة هي الأهم والتي سيترتب عليها الخطوات التالية.

يمكنك إنجاز هذه الخطوة ببعض العصف الذهني، كأن تسأل نفسك ما هو الموضوع الذي تحترفه أو تجيده ويمكنك الكتابة عنه وتفصيله، إذا كنت كتبت مقالا سابقا عن موضوع معين ووجدت أنه يحتاج لسلسلة مقالات لكى تستفيض في الشرح، وهكذا إلى أن تصل لصورة مجملة وفكرة جيدة تبدأ بها.

 

الخطوة الثانية: التخطيط وتقسيم الكتاب لفصول

هنا ستبدأ التخطيط لكتابك على أساس الرؤية الواضحة الناتجة من الخطوة السابقة، يمكنك استخدام الخرائط الذهنية في هذه الخطوة، أكتب عنوان الكتاب في المنتصف وأخرج الفروع والتقسيمات منه مع عنونة كل فصل، ثم قم بترتيب فصولك على حسب الأولوية وأهميته عند القارئ. حدد وقتاً معيناً للانتهاء من كل فصل وجدولا زمنيا للكتاب ككل، وخذ كل فصل على حدا وأكتب العناصر التي تريد أن يفهمها القارئ، وإذا كانت معرفتك ضعيفة في بعض الفصول فاجمع بعض المصادر لتساعدك مع الإشارة إليها في آخر الكتاب، والانتباه للحقوق الفكرية والملكية لأصحابها.

 

الخطوة الثالثة: البدء بالعمل والالتزام بالجدول الزمني

ستبدأ الآن بالعمل على كتابك الأول ويتطلب منك ذلك التزاماً كاملاً لما خططت له سابقاً، كلما وجدت نفسك تستطرد بالكتابة والخروج عن المضمون والإطار الذي رسمته لكتابك عد لمراجعة الرؤية الأولية للكتاب والعناصر التي حددتها لكل فصل، ربما تأتي لك أفكار جيدة لوضعها بكتابك كحال معظم الكتاب فلا تضيعها أو تتجاهلها، فقط دوّنها في مفكرتك وبعد الانتهاء من الكتاب انظر أي من هذه الأفكار مناسبة ليتضمنها الكتاب بعيداً عن الحشو.

 

الخطوة الرابعة: التصميم والتنسيق

بعد الانتهاء من العمل يأتي وقت بعض الفنيات المهمة كالاهتمام بالتصميم وتنسيق الكتاب، التصميم يجب أن يكون بسيطا ومعبرا عن محتوى الكتاب، والتصميم يشمل غلاف الكتاب والمقدمة والنهاية بالإضافة إلى الفهرس وسهولة الوصول لأي فصل والتنقل بين أجزائه.

تنسيق النص المكتوب أيضاً من الأشياء التي يجب الاهتمام بها، كنوع الخطوط والعناوين، وهل يجب الالتزام بقوانين معينة لها، وعليك أيضاً تحديد أماكن الصور والروابط إذا وجدت في هذه الخطوة.

 

الخطوة الخامسة: مراجعة الكتاب

بعد الانتهاء من كتابة الفصول والتنسيق والتصميم ووضع جميع أفكارك به تأتي خطوة أساسية وهي مراجعة العمل النهائي، وربما تستعين ببعض أصدقائك المهتمين بموضوع الكتاب لإهدائهم النسخ الأولية وسماع آرائهم عنه، وبعد تجميع تلك المعلومات يمكنك الآن أن تقرأ كتابك الأول بعين القارئ لا عين الكاتب، بعد انتهائك من القراءة قد تجد بعض الملحوظات المهمة دونها واجمعها مع ملاحظات أصدقائك وادرسها جيداً ثم قم بتقييمها حسب الأهمية، ويجب دراسة هذه الملاحظات بدقة وبتروي حتى لا تشوه الصورة النهائية للكتاب، ثم بعد تصحيح بعض الأخطاء وإكمال النواقص أنت الآن قد أنجزت كتابك الأول.

 

الخطوة السادسة: التسويق والنشر

هذه الخطوة ترتبط بشكل أو بآخر بالخطوة الأولى والتي يجب أن تكون قد حددت فيها الفئة المستهدفة من القراء، وأين يمكنك نشر كتابك أو بيعه، ولكن الآن فقد قطعت الشوط الأكبر باهتمامك بجودة المحتوى والصورة النهائية للكتاب.

الباقي هو أن تختار مكانا معينا لبيع كتابك، ويفضل أن تكون جهة البيع واحدة لكى لا تشتت نفسك وعملاءك بكثرة الروابط، يمكنك أن تكتب تدوينة في موقعك عن الكتاب وصورة مجملة عن المحتوى لتشجيع القراء، يمكنك أيضاً إذا كنت تعرف بعض الكتّاب الجيدين أن تعطيهم بعض النسخ لقراءتها وتقييمها، وإذا كان كتابك جيداً يلبي حاجة لدى القراء فإن الكتّاب أنفسهم ربما يكتبون عنه في مواقعهم.


الآن انتهيت من كتابك الأول لذا فلا تتوقع نجاحاً عظيماً ولا سقوطاً كبيراً، كل ما عليك هو الاستعداد لكتابة كتابك الثاني والثالث وهكذا، والاستفادة من تجاربك وآراء قرائك عن الكتاب الأول ويمكنك بعد فترة إصدار النسخة الثانية بعد التنقيح والإضافات.

 

**-**

لقراءة المقال من مصدره: 

https://blog.khamsat.com/how-to-make-your-first-ebook/  

السبت، 7 مارس 2020

قِصَّة قَصِيرة: بحيرة بحجم ثمرة الباباي

بقلم / استيلا قايتانو



كل شيءٍ فيها كان يذكرني بشجرة الباباي المنتصبة في فناء بيتنا الواسع .. طولها الفارع ، ووقفتها المستقيمة رغم شيخوختها.

لا ألمس في جدتي أي جماليات، كنت أراها قبيحة جداً مثل الغوريلا، شفتاها غليظتان ، رأسها كبير يصلح للجلوس دون أي متاعب .. كان يزين شفتها السفلى ثقب هائل تسده بقطعةٍ من الخشب نحتتها لتكون صالحة لهذا الغرض. عندما تخرج تلك القطعة فإن لعابها يسيل عبره. أشهر شيءٍ قبيحٍ فيها أنفها الأفطس، عندما تسمع تعليقاً عن فطاسة أنفها كانت تقول دون أيّ جهدٍ في التفكير:

-         يكفي أنني اتنفس به..

كنت أرى الأفق عبر ثقب أذنها الهائل أيضاً .. الذي أخذ مساحةً كبيرةً من حلمة الأذن ، و هناك أيضاً ثقبَ في أنفها الأفطس ثم تبرز مساحةَ كبيرةَ من لثتها في الفك الأسفل نتيجة لقلع أربعة أسنان .. أما عيناها فكانتا حمراوتان تجثم فوقهما جفونَ منتفخة.

الشيء الذي عرفته عن جدتي أن لها مقدرة فائقة في تحمل الألم .. ذات يومٍ ذهبت تقضي حاجتها في العراء، عندما عادت تحك كعبها الذي أخذ يتورم شيئاً فشيئاً دون أن يبدو عليها الألم، سألتها في براءةٍ عما بها فقالت:

-         يبدو أن أفعى لدغتني، ثم أخذت مشرطاً وفصدت اللدغة كانها تفصد شخصاً آخر أو كان المشرط يصنع أخاديده المؤلمة في جسم غير جسمها..

ازددت اضطراباً و انا أرى دماً أسود يخرج من تلك الأخاديد .. ليصنع بركةً سوداء .. بركة بلون سمّ ودم ، ثم أخذت ترياقاً مثل حجرٍ أبيض اللون و سحقته بقسوة.. ثم أخذت تملأ تلك الأخاديد بالحجارة الصغيرة ذات الأثر الحارق في الجروح .. حدث كل ذلك و أنا أبحث عن أثرٍ للألم بين خلجاتها .. فجأة نظرت إليّ .. كنت منكمشةً فازددت انكماشاً .. خفت .. أردت الهرب .. و أنا أتذرع بأعذارٍ واهية لأنهض من قربها لأني أعرف عادتها ، إذا أخذت دواء .. أياً كان نوعه فإنها كانت ترغمني على أخذه خوفاً من انتقال العدوى إليّ ، فشلت في الهرب لأنها كانت قد أطبقت قبضتها الفولاذية على معصمي .. و بالمشرط صنعت خطين على ظهر يدي و كذا على قدمي ، لم تعطني حتى فرصةً للصراخ ، أحسست بألمٍ يتسلل عبر دمي ثم قطرات من الدم تنساب عبر الفتحات الثماني .. أخذت الترياق و دعكته بنفس القسوة .. كأنها تريد إدخال تلك القطع الصغيرة عبر أوردتي ، و قالت راطنة وهي تمارس قسوتها عليّ بصوتها الذي بالكاد يشبه صوت النساء:

-         هكذا حتى لا تجرؤ تلك الحبائل المتحركة على لدغك .. إذا رأتك إحداها فإنها لا تقوى على الحراك حتى تذهبي مبتعدة

و هذا ما يحدث دائماً عندما أكون و حدي أو معها .. و منذ ذلك اليوم لم تلدغ أفعى أياً منا رغم أنها كانت تتحرك في كل مكان، حتى في فناء بيتنا الواسع المليئ بالأشجار و الخضروات و شجرة الباباي ذات الأثداء الكثر و الكبيرة .

كانت غرفتنا من القش ذات جدارٍ دائري وبابٍ قصير بحيث يركع من أراد الدخول فيها على ركبتيه ، و عندما تدخل تلاقيك ثلاثة مدرجات لتنزل إلي عمق الغرفة فترى سقفاً مخروطياً بعيداً ، فتصعب عليك المقارنة بين خارج وداخل الغرفة .. وهناك في نهاية البيت حظيرة تضم أكثر من ثلاثين بقرة ، فتزدحم في فتحتي أنفك روائح الروث و الفواكه والخضروات .. ورائحة جدتي ..
كنا أنا وهي ، في كل هذا الصخب ، عائلةَ تتكون من  جدة وحفيدة .. توفيت أمي و هي تلدني .. وتوفى أبي في رحلةِ صيدٍ عندما سحقته جاموسةَ هائجةَ بقرونها ، أما جدي فقد أعدم عندما قتل أحد الإنجليز ممزقاً نحره بالرمح لأن نظرات الإنجليزي لم ترق له .. بقيت مع جدتي منذ عمر يوم ، أرضعتني حتى العاشرة من عمري .. كان ثدياها مثل ثمرة الباباي في الضخامة و ما تحوي من لبنٍ طازجٍ ذي طعمٍ غير مفهوم و لكنه جميل ، كنت أرضع قبل الذهاب بالأبقار إلي المرعى ، و بعد أن أعود فلا أشتاق إلا لثمرة الباباي الموجودة على صدر جدتي .. كنت حينها في الثامنة من عمري ، حضرت ذات يومٍ و لم أجدها في البيت .. أدخلت الأبقار في الحظيرة و أنا أناديها مراتٍ و لكن لم تجب .. أعماني إدماني عن رؤية أي شيئ و ناديتها بأعلى صوتي فردت عليّ من بيت جارتنا التي كان يفصل بيننا وبينها جدارَ من البوص و الأخشاب :

-          نعم .. هل حضرتِ يا ابنتي؟

رأتني في حالةٍ عصبيةٍ و الدموع واقفةَ على جفوني و أنا أقول لها في صوتٍ مخنوقٍ بالعبرة و الغضب:

- أسرعي أريد أن أرضع.

قلتها في صوتٍ حازمٍ و في غيظ ، فتأتي و تجلس على الحصير ، أتناول ثديها في نهمٍ و لهفةٍ غريبين ، متجاهلة تعليق جارتنا و هي تضحك علينا و تؤنب جدتي على كيفية نهمي على الرضاعة و أنا في هذا العمر المتأخر.

لم تكن جدتي ترتدي أي شيئٍ سوى جزءٍ ضئيلٍ من الجلد مكون من قطعتين ، معلق بحبل جلدي لفته تحت السرة يتدلى من الأمام و من الخلف ساتراً عورتيها ، أنا حتى ذلك العمر كنت أتساءل لم تضع جدتي تلك الفروة في هذه المواضع .. لم لا تكون مثلي؟

عندما بلغت العاشرة من عمري حدثت تغيرات أثرت على مجرى حياتي ، صنعت لي جدتي شريحتين من الجلد لأغطي المواضع التي تسترها هي .. و منعتني من الرضاعة .. كانت أياماً صعبة ، كنت لا أنام الليل أشعر بلهفةٍ عارمة لأرضع كما أشعر بنفس الرغبة لأتعرى ، عشت أساماً لأتخلص من هذه المشاعر المخجلة ، كنت أعود إليها كلما سنحت لي فرصة ، مثلاً عندما تسكر جدتي بذلك الخمر البلدي مع صديقاتها العجائز ، كانت لا تدري من الدنيا شيئاً و لكنها كانت تتعبني جداً ، خاصة بعد ذهاب صديقاتها من بعد صخب من الرقص والغناء الفاتر ، كانت تتكلم مع الموتى ، مثلاً كانت تقول لأمي : أنتِ يا ربيكا يا ابنتي .. لولا خوفك من الولادة و ربطك للولادة بالموت لما مت .. و أنت يا ماريو فقد قتلك التحدي رغم خوفك ، أما أنت يا زوجي العزيز فقد قتلك جهلك ، ثم تلتفت إليّ قائلة و قد التوى لسانها في الحديث و عيونها أكثر احمراراً و جفونها متورمة لدرجة الانفجار ، وهي تحرك تلك القطعة الخشبية التي أصبحت جزءاً من شفتها المترهلة أكثر مما ينبغي بلسانها المتحرك في قلق:

-         أتعلمين قصة موت جدك؟

-         لا ياجدتي

رغم أنني كنت أعرف القصة و أحفظها عن ظهر قلب ، إلا أن ردي لا يعني لها شيئاً سواء كان بلا أو نعم ، لأنها كانت ستسردها في الحالتين .. ثقل لسانها و أخذت الكلمات تخرج ملتويةً و مقطوعة ، كنت أسمعها كأنها محشورة في قلةِ كبيرة فيخرج صوتها بعيداً .. قوياً .. ومشوشاً .
لقد قتل جدك أحد الإنجليز في زمن الاستعمار فحكمت عليه المحكمة بالاعدام و هو لا يدري ذلك ، كُتب الحكم في ورقة .. و كان عليه أن يقطع مسافة كبيرة لتنفيذ الحكم في مكانِ آخر .. كان جدك الغبي سعيداً لأن الانجليز أعطوه ورقة و قالوا له إذهب سوف يلقاك أناس هناك .. أعطهم هذه الورقة .. حمل الرسالة وقد حشرها بين شقي عودِ من البوص حتى لا تتسخ .
فصنع لنفسه رايةً صغيرة وهو لا يدري أنها راية موته ، و عندما وصل .. نُفذ الحكم فمات و الدهشة مرتسمة على و جهه الغبيَ ..

ثم تضحك في هستيريا و تعيد القصة مرة أخرى بعد السؤال ذاته ، و بعد دهر من الكلمات و الجمل الملتوية .. ثم تباعد بين الجمل .. و تباعد بين الكلمات .. يليه تباعد بين الحروف .. ثم صمت و انفاس ثقيلة و شخير مزعج يضج في انحاء بيتنا الواسع بعد أن تبكي على موتاها بنفس هستيريا ضحكها حتى تنحدر الدموع على صدرها.

كنت أفرح ويرقص قلبي طرباً ، لأني سأمارس أشيائي التي حرمت منها دون أن اواجه عيوناً حمراء أو صوتاً رجالياً يأمرني بالابتعاد .. أنزع ذلك الغطاء الجلدي الساخن و ألقيه في أبعد مكان ، أقترب من جدتي التي نامت ملقاة أطرافها في كل مكان .. حتى الشريحتان لا تفلحان في تغطية شيئ من جسمها الضخم الممدد على أرضية غرفتنا العميقة .. أتناول ثديها و أشرع في ممارسة رضاعتي في نهم محموم ، عندما امس حلمتها للوهلة الأولى أتذوق طعماً مالحاً ، طعم دموعها .. رغم قبحها لم اكن أتقزز منها فأنا احبها ، أستمر في تلك الحالة و أنا أسمع صوت الرعد بالخارج و أمطاراً غزيرة تضرب السقف المصنوع من القش في إصرارٍ ثائر ، أتجاهل كل هذا الصخب .. صخب الطبيعة المفاجئة ، لأعيش عالمي ، عالم يتكون من بحيرة في حجم ثمرة الباباي ، بحيرة غزتها الشيخوخة فنضبت و ترهلت حتى وصلت السرة.

ذات يوم و أنا أسير خلفها في طريقنا لجلب الماء من النهر ، و نحن نتخذ شريطاً من الطريق الذي صنعته أقدام البشر بين الحشائش التي تغطي نصفنا الأسفل ، بلغت حينها الخامسة عشر من عمري ، كانت تضع قلةً كبيرةً سوداء على رأسها ممسكة بها بيدها اليسرى فيظهر شعر ابطها الأحمر الذي احترق بالعرق ، و أنا ارى الأفق عبر ثقب أذنها ، و أعد خطوط الشيخوخة التي أصبحت واضحة في مشيتها السريعة المتعثرة ، و ترهل بطنها و ثدييها الذان عندما يصطدمان بالبطن يصدران صوتاً كالتصفيق في حالتي المشي و الرقص.

كانت كغير عادتها هائمة صامتة ، كنت أحاول اللحاق بها بين حين و آخر بهرولة خفيفة ، فجأة توقفت لأنَ هناك أفعى ملونة ترفرف حولها فراشاتَ تحمل ذات الألوان الطفيفة ، اندهشت لذلك و قلت مازحة : منذ متى تقف جدتي لرؤيتها أفعى؟ قالت بعد أن تنهدت بعمقٍ ولأول مرة ألمح خوفاً مخلوطاً بالحزن قد جثم على أخاديد و جهها الكثيرة و العميقة ، قالت: هذه الأفعى نذير شؤم .. تابعنا سيرنا دون أن نتحدث ، قالت جدتي بعد أن فقدتُ الأمل في أن تتحدث:

-         أتعلمين أني رأيت جدك قبل أيام؟

-         في الحلم؟

-         لا .. بل في الواقع

-          لكن ياجدتي .. جدي قد مات كيف ترينه مرة أخرى؟

-         رأيته في صورة تمساح ..

ضحكتُ و لكنني سرعان ما صمتّ عندما رأيت الجدية على وجهها .

-         وكيف عرفتِ أنه جدي؟

-     من تلك العرجة التي كان مشهوراً بها و صفات أخرى أعرفها أنا فقط
عرفت أننا لا نموت بل نتحول إلي أشياء أخرى تحمل الصفات التي كنا عليها ، نتحول و لكن دون ذاكرة فجدك لا يذكرني عندما تحول إلي تمساح.

-         و ماذا تريد أن تكون جدتي بعد عمر طويل؟

-         لا أدري إلي ماذا سأتحول ، و لكني أتمنى أن أتحول إلي نسر.

و منذ ان ماتت جدتي و علاقتي بالنسور قوية، كلما ألمح واحداً أتأمله في تحليقه عسى أن أجد بعض صفات جدتي ، ثدياً بحجم ثمرة الباباي .. عيوناً حمراء .. جفوناً منتفخة .. أو لبناً بطعم الملح..



**-**

 المصدر/ الانطولوجيا: http://alantologia.com/blogs/1227/

الأحد، 23 فبراير 2020

"البطان" بالسودان.. إحياء الأعراس بجلد السياط




يرفض إبراهيم ومحمد وبابكر الخروج من وسط الحفل قبل أن ينال كل منهم عدة جلدات كدين واجب سداده للعريس أو صاحب المناسبة السعيدة، أو لنيل احترام كثير من الأقران أو الفتيات ممن يحضرن تلك اللحظة.
وفي حالة من الزهو والنشوة يخلع أكثر من شاب رداءه العلوي وسط حلقة معدة سلفا للحفل كاشفا ظهره للعريس، ليتلقى نصيبه من جلدات تسيل دماءه، في ظل زغاريد تطلقها نساء فرحات بهذا الفعل.
وفي المقابل يفتخر أحمد العريس بزملائه ممن كشفوا ظهورهم وجلدوا لرد دينه، الذي يتمثل في نيل كل واحد منهم عدة جلدات أو ما يعرف بالبطان، وإلا فإن الجميع سيغادر الحفل دون رجعة، وربما تنتهي إلى المقاطعة.
وتعود ظاهرة البطان إلى مناسبات الأعراس أو المناسبات الكبرى في معظم ولايات شمال السودان، من نهر النيل إلى الشمالية إلى شمال كردفان، لتشكل حالة يختلف عليها كثير من الناس.
وكعادة بعض الشباب فإنهم يدخلون الحفل واضعين نصب أعينهم مشاركة العريس وإرضاء الحاضرين، وقطع الطريق على أية عبارات يمكن أن تضعهم في مصاف الجبناء من فتيان القرية أو المنطقة بأسرها.
شاب يستعد للجلد في عادة البطان السودانية (الجزيرة)
الأستاذ المسرحي والباحث في ذات المجال عبد الرحمن الشبلي يقول إن البطان عادة كانت في بدايتها محاولة لتكملة طقوس مناسبة الزواج، ومشاركة من زملاء وأصدقاء وأنداد العريس في فرحه.
ويؤكد أنها كانت تنحصر ممارستها بين القريبين من العريس عند بعض القبائل في الشمال والشمال الغربي للسودان. ويضيف أن "الإحساس بوحشية العادة أدى إلى انحسارها في الفترة السابقة. لكن من يرونها محاولة لإظهار قوة التحمل، ومظهرا من مظاهر إبراز الشجاعة لأي شاب، أعادوا إنتاجها من جديد".
ويعتقد بعض الشباب أن عادة البطان كانت مظهرا من مظاهر التودد للفتيات بسبب الحواجز الكبيرة التي كانت تفصل بين الجنسين "إلا في بعض المناسبات".
ويعرف الشبلي عملية البطان بأنها نوعا من الجرتق (طقس من طقوس الزواج)، مشيرا إلى حصرها في فئة الشباب "لكن بعض الذين كانوا يجلدون، عندما يكبرون تأخذهم الحمية للبطان فيأتي أحد أبنائهم أو إخوتهم لفديتهم بالجلد بدلا منهم".
بينما يقول متابعون إن انحسار عادة البطان في الفترة الماضية بفضل التعليم "لم يكن مانعا من عودتها من جديد، لأن بعض الناس يعتقدون أنها موروث تجب المحافظة عليه".
ظهر أحد الشباب بعد مشاركته في البطان بإحدى مناسبات الزواج في السودان بمدينة الدامر بولاية نهر النيل (الجزيرة)
وينظرون إلى أن مشاركة المتعلمين في عادة البطان محاولة منهم لدحض الاتهامات التي تشكك بشجاعتهم، والعار الذي يلاحقهم بعدم تحملهم جلد السوط، "وبالتالي فإن المتعلمين وأولاد المدارس أصبحوا هم من يحرصون على البطان قبل الآخرين".
ويؤكد عبد الرحمن الشبلي لمجلة الجزيرة أن ضعف التعليم والبيات الشتوي لهذه الظاهرة خلق عند الجيل الجديد ما يعرف بالحنين إلى الماضي، مما دفعهم لمحاولة إحياء هذه العادة لتبدأ مع الأطفال والصبية قبل الكبار.
ويعلم الأطفال على عادة البطان بالجلد بالعمامة لأجل أن يتعود الطفل أو الصبي على ذلك قبل أن يصل إلى مرحلة سوط العنسيك (شريحة من جلد الفيل).
بينما يقول العريس يحيى إبراهيم محمد أحمد إن التقاليد والعادات الجارية أملت عليه القيام بفعل هو أحد معايير الشجاعة في القبيلة، مشيرا إلى أنه "تقليد أشبه بالدَين بين العريس والذين يجلدون".
ويقول لمجلة الجزيرة "رغم إننا نعرف الأضرار الناجمة عن ذلك الفعل، فإننا لا نستطيع الإمساك عنه حينما تزغرد النساء احتفاء بصعود الشباب نصف عارين لوسط دائرة الحفل".

**-**
نُشر في موقع الجزيرة
لقراءة المقال من مصدره:

---
*الصورة من موقع سفارة السودان بإسلام أباد

الثلاثاء، 14 يناير 2020

مقال: نور: شبابٌ مخطوفٌ،،،نجمٌ عن سماءِ الفكرِ آفِلٌ.

 بقلم/تسنيم طه



بكائي عليــــه من فؤادٍ مفجع......ومن مقلةٍ ما شُوهِدتْ قَطُّ باكِيــة

بكائي على هذ الشباب الذي ذوى.... وأغصانه تختالُ في الروضٍ ناميـة

. ويا عارفيــه لا تضنوا بذكرهِ....ففي الذكرِ رجعى من يد الموت ناجية.

هذه أحد ابيات القصيدة التي رثى فيها الأديب المصري عباس محمود العقاد، معاوية محمد نور، أول أديب سوداني يكتب بالصحافة المصرية، ورائد الحداثة والقصة القصيرة في السودان، لاسيما مشروعه النقدي الذي عكف عليه خلال مقالاتٍ نشرها في عشرينيات وثلاثينات القرن الماضي في الصحف المصرية، انقطعت سريعًا دون أن تكمل ما كان يجول في فكر صاحبها الذي وافته المنية وهو شابٌ في مطلع الثلاثينات من عمره، نتيجة اصابته بمرض ذهني غامض مصحوب بداء عضوي.

ولد في مدينة أم درمان عام 1907، في عائلة ميسورة الحال، وعاش في حي الموردة برفقة خاله، الذي رباه بعد وفاة والده وهو في سن العاشرة. وكان خاله الدرديري محمد عثمان، من أوائل المتعلمين، حيث شغل منصب قاض بالمحكمة العليا وعضوا بمجلس السيادة بعد الاستقلال في 1956، وكان له الفضل في تهيئة بيئة تعلم ومعرفة، شحذت ذهن الغلام مبكرًا بحب الأدب والعلوم الحديثة.

وبعد تلقيه للتعليم التقليدي، انتقل معاوية نور للمدارس الحديثة في عهد الاستعمار الإنجليزي، ودخل كلية غُردون لدراسة الطب، وكان من المتوفقين، غير أنه تركه سريًعا بسبب تغلب ميوله الأدبية التي دفعته للمغادرة إلى لبنان بمساعدة خاله، للدراسة في كلية الآداب بالجامعة الأمريكية في بيروت، ليخبر تجربة الاحتكاك بالثقافات الأخرى، التي ستساهم في تفتح مداركه، وتبلور مفاهيمه لنقد الأدب والثقافة، نقد فيها بجرأة أسماء كبيرة في الوسط الأدبي، أمثال سلامة موسى وإبراهيم المازني.

في تلك الفترة، نشر معاوية نور، مقالاتٍ ونصوصٍ ودراساتٍ اجتماعيةٍ وفلسفيةٍ، في مطبوعاتٍ وصحف ومجلات مصرية في القاهرة مثل "جريدة مصر"، و"البلاغ الأسبوعي" و"الرسالة" و"مجلة المقتطف" و"الهلال".

تميز منهج معاوية نور بالبحث والتجريب والتنوع والجرأة، كان نتاجًا لنهمه الأدبي وقراءاته لأدباء عالميين أمثال: دستويفسكي وهمنغواي، وتشيكوف وشكسبير، وأميل زولا وبرناردشو وليو تولستوي، وآخرين عرب أمثال: طه حسين وعباس محمود العقاد، وجبران خليل جبران.

وبعد اكمال دراسته في بيروت، انتقل معاوية نور إلى القاهرة، ليحتك بالأوساط الثقافية ويصبح محررًا بجريدة مصر بالصفحات الأدبية، مستمرًا في نشر قصصه ودراساته مقالاته، حيث سيتعرف بالعقاد، الذي سيرثوه بقصيدة تأسف فيها على شبابه الضائع.

وقد كان معاوية نور أحد المؤسسين لجماعة الأدب القومي، التي كان يرأسها الدكتور محمد سعيد هيكل، وكان يرى أن مهمة الأدب القومي هي الحفاظ على عبقريات الأمم وخصائصها الفكرية والشعورية والوان المزاج وطرق التفكير وأصناف الاحاسيس، ذاكرًا مثال الأدب الروسي الذي تمثلت عبقريته في انسانيته الواسعة، وصراحته البسيطة.

من أشهر مقالاته:

    " فتور الأدب القصصي"؛ " الأدب القومي"؛ " معنى الثقافة"؛ "كيف نقرأ"؛ "كيف نفكر؟"؛ "ركود الأدب العربي المعاصر" ؛ " الذوق الأدبي"؛ "الأدب الرفيع" ؛ " لعلم والأخلاق" و"فلسفة الأسلوب".

من قصصه القصيرة: 

-        أم دُرمان مدينة السراب والحنين

-        ابن عمه

-        إيمان

-        المكان

-        الموت والقمر

-        في القطار

- في الخرطوم


من أشهر خواطره اليومية:
- لا يصح ولا يعقل

- غاندي

-  ساروجيني نايدو
-نحن وجائزة نوبل.

- تكريم النبوغ.

صحيح أن حياته كانت قصيرة، إلا أنها كانت حافلة بإنجازات وعمل مثمر، ساهمت في أن يطلق عليه رائد القصة القصيرة في السودان، وخاصة بعد قصته المسماة "المكان"، التي بذرت القصة السودانية المبنية على الإطار التجريبي الحداثوي الممزوج مع الثقافة الغربية.

-------

المصادر:

*رواية "نور: تداعي الكهرمان"، للروائي السوداني جمال محمد إبراهيم.

**موقع سودانيز أون لاين:   https://sudaneseonline.com/board/160/msg/1207113542.html

مجلّة الدوحة الثقافية الشهرية، عدد يوليو 2018، من خلال كِتاب جمع بين مقالات وقصص قصيرة كتبها معاوية نور، تحت عنوان "بين ثقافتين". 

https://elmahatta.com/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D8%AD%D8%A9-%D8%AA%D8%A8%D8%B9%D8%AB-%D9%85%D8%B9%D8%A7%D9%88%D9%8A%D8%A9-%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%AA%D9%8A%D9%86/

**-**

لقراءة قصته " أم درمان: مدينة السراب والحنين" :      https://tasnimtahaa.blogspot.com/2021/01/blog-post_74.html

  **-**

تسنيم

 باريس 14 يناير 2020

مَوْسِمُ العَوْدِة إلى الشَّمال

قِصَّة قَصِيرة: مَوْسِمُ العَوْدِة إلى الشَّمال