الثلاثاء، 19 مارس 2019

مقال : تأثير القواميس الإلكترونية على عملية الترجمة

بقلم/تسنيم طه 


قبلَ سنواتٍ معدودات، كان العالم يسمى" بالقريةِ الكونية، واليوم، وفي عصر التكنولوجية المتسارعة والثورة العلمية التي لم تشهد العصور مثلها نتيجة لسهولة انتشار المعلومة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، من فيس بوك وواتساب وتويتر وانستجرام وغيرها، أصبح بالإمكان حمل هذه "القرية" بأكملها في الجيب والتنقل بها في كل وقت وحين ومتابعة ما يجري فيها لحظة بلحظة.

 ومع الوتيرة الواسعة الخطى لهذا العصر، وجد الانسان نفسه في دوامة سريعة لا تنتهي وإيقاع حياةٍ يكاد أن يصرعه. فهو في حالة عمل مستمر مذ أن يستيقظ إلى أن يخلد للنوم، بل وحتى أحلامه تحولت إلى كوابيس من العمل الدؤوب، فأصبح يعتقد أن 24 ساعة في اليوم لن تكفيه لإنجاز المهام التي أوكل بها نفسه حتى يواكب روح العصر، إذ عليه متابعة الأخبار ليعرف ما يدور حوله، وأن يذهب إلى العمل ليسكب لقمة عيشه، وأن يتواصل مع الأخرين الذين يلاحقونه بلا كلل ولا ملل بسبب تلك البرامج الالكترونية المجانية التي يحملونها في هواتفهم الذكية...إلخ،
وعندما أضحى في قناعة تامة بأنه لن يستطيع القيام بكل شيء بنفسه.
ومن هنا ولدت لديه الحاجةَ الماسة إلى استخدام الآلات والأجهزة الالكترونية التي تساعده في انهاء المهام الضرورية من كنس وغسل وطبخ...إلخ. ثم كبرت تلك الحاجات وتناسلت لتتجاوز الضروري منه إلى الكمالي. فبعد أن بات يمتلك ما يساعده في الاعمال المنزلية من غسالة أوتوماتيكية ومكنسة كهربائية وفرن وجهاز تحضير القهوة...إلخ، أصبح يحتاج إلى من يقوم بقراءة الإيميلات بدلاً عنه، بينما يقوم بتنظيف أسنانه في الليل، ولمن يترجم له الصفحات التي يتابع اخبارها بلغات أجنبية بينما يقوم بحلاقة ذقنه في الصباح أو تحضير طعام الإفطار ...وهكذا.
ومن ناحية أخرى وبعد أن أصبح العالم بلا حدود، وأضحى السفر عبر القارات أسهل من التنقل في شوارع مدينة واحدة في أزمنة غابرة، ولدت لدى هذا الانسان الجديد رغبات مُلحة في الترحال والتنقل بين البلدان لقضاء العُطَل والإجازات. وساعدته في ذلك عروض الإعلانات التي لا تفتأ تغزو عقله وتغريه بمتعة السفر وتسهيل وسائل الدفع...الخ.
ومن هنا لمعت في رأسه فكرة تعلم اللغات الأجنبية للتخاطب بسهولة مع أهل تلك البلاد عند زيارتهم في بلاهم لاكتشاف تراثهم وتذوق أطعمتهم. وكان الحل الأمثل لهذا الانسان الممزق بين اللهاث وراء العولمة وبين الوقت الذي لن يكفيه للذهاب إلى المدرسة أو المعهد، هو اللجوء إلى البرامج الإلكترونية المتخصصة في تعليم اللغات وإلى برامج الترجمة الآلية.
وهذه الأخيرة، ستكون موضوع هذا المقال. سوف نقوم، في الأسطر القليلةِ القادمة، بعرض بعض النماذج لأشهر القواميس والمعاجم الإلكترونية في مختلف اللغات. وسنحاول أن نتطرق إلى محاسن وعيوب استخداماتها، سواءً كانت ثنائية اللغة أم أحادية، ولكن من دون التوسع في شرح آليات عملها، تجنباً لتكرار ما تم توضيحه في مقالات أخرى من هذا العدد.
كما سنقوم، في نهاية المقال، باقتراح حلول قد يكون من شأنها حل بعض إشكاليات عمليات النقل (الترجمة) من لغةٍ إلى أخرى، بعد تقديم أشهر القواميس والمعاجم الإلكترونية. ولكن دعونا أولاً نقوم بعرض بعض المواقع الإلكترونية المتخصصة في تعليم اللغات الأجنبية.
أولًا: المواقع الالكترونية المتخصصة في تعليم اللغات الأجنبية:
نُقدم هذه المواقع، للمثال وليس للحصر، إذ في الحقيقة هناك مواقع أخرى كثيرة مرقمنة لتعلم اللغات الأجنبية. وقد صممت آليات هذه المواقع بطريقة فعالة ومسلية تساعد الطالب لتعلم اللغة التي يريدها بسهولة وبسرعة، إذا ما تمت مراعاة الاستمرارية في عملية التعلم. وذلك من خلال التمارين المتنوعة التي تقدمها في مجالات اللغة من تعبير كتابي، واستماع، وفهم للنصوص...إلخ، وأشهرها المواقع التالية:
1- موقع Busuu:
هو موقع يُقدم دورات تعليمية لغوية مجانية على الانترنت تشمل 12 لغة من ضمنها الفرنسية والإنجليزية والاسبانية والألمانية والروسية والتركية والصينية والعربية. كما يتيح فرصة تحميل التطبيق على الجوال للاستفادة منه اثناء التجوال. وهذا الموقع يُراعي المهارات الأربع لتعلم اللغات الأجنبية (ثلاثة مجانية: الكتابة والقراءة والاستماع) غير أنه يجب الدفع المُسبق للاستفادة من المهارة الرابعة (التعبير الشفهي وتصحيحه).
2- موقع Duolingo:
بالنسبة لهذا الموقع، فعملية التعلم تعتمد بشكل كبير عل الترجمة المباشرة، سواء للكلمات أو للجمل. وخلافاً لسابقه، فهو يفتقر إلى تطوير المهارات الأخرى في تعلم اللغات الأجنبية كالحوار والتعبير الشفهي. الا أنه يُركز على التمارين الكتابية، إذ على المتعلم أن يقوم بترجمة الجملة أو الكلمة وذلك بكتابتها في المكان المقابل للنص. وهذا يعتبر تمرينا جيدا للتدرُب على الترجمة الفورية وعلى الكتابة في آن معاً.
3- موقع Itlaki:
يتيح هذا الموقع، الذي يعمل على مبدأ الوسيط بين الطالب والمدرس، مساعدته للطلاب من خلال المحادثات الصوتية أو الكتابية حيث يمكنهم استخدام خاصية "البحث عن صديق لتعلم لغة" التي بواسطتها يمكنهم إيجاد العديد من الأصدقاء الذين على استعداد لتعليم لغتهم الأم في مقابل تعلم اللغة الأم للمتقدم. كما يوفر الموقع هذا الموقع العديد من الكتب التي يمكن تحميلها مجاناً.

4- موقع Babbel:
يساعد هذا البرنامج على تعليم 13 لغة منها الإنجليزية والفرنسية والإسبانية، وكذلك الإندونيسية والتركية والدنمركية.
ثانيًا: القواميس الإلكترونية والمعاجم المحوسبة:
1- ECTACO:
تعتبر شركةECTACO من أهم الشركات العالمية الرائدة في مجال تكنلوجية الترجمة الالكترونية، وذلك لما يقوم به المتخصصون (لغويين ومصممين) فيها من العمل على تطوير برمجيات الأجهزة الإلكترونية المحمولة. وتهتم هذه الشركة، التي حصلت على جوائز عديدة من الحكومة الأمريكية، بالجودة والنوعية وتحقيق فكرة الاتصال والتعاون الدولي، كما تسعى الى تزويد كل شخص من المبتدئين، بل وحتى المخصصين، بالوسائل الكافية التي يحتاجون اليها في السفر وفي العمل والتعلم والفهم. وتعتبر Lingvosoft أحد أهم برمجياتها المتطورة، وذلك لدورها الهام في برمجيات الشركة المبدعة والمزودة بلغة تشغيل واسعة الانتشار، ولما قدمته من مستحدثات في برمجيات Pocket PC و Palm OS وSymbian و Windows و SmartPhone. وقد أصدرت الشركة عدة أجيال من المعاجم الإلكترونية، نذكر منها:
- سلسلة أجيال X5/X8:
يعتبر هذا الجيل من الأدوات المهمة والأكثر نفعاً لمتعلمي اللغات الأجنبية. حيث يقدم عرضا ضخما من مصادر المعلومات الأساسية التي تمتلك مفرداتها مئات من الآلاف المدخلة في معجمها العام الى مفردات اصطلاحية متخصصة. بالإضافة الى وجود امكانات صوتية.
- سلسلة أجيال المعاجم الإلكترونية (800):
صممت موديلات هذا الجيل بشكل خاص للسياح وللطلاب الذي يحتاجون الى التخاطب بلغات أجنبية وبصورة فورة، اذ يحتوي هذا الجيل
على أكثر من 14 ألف عبارة متعلقة بالمواضيع السياحية والتي يتم نطقها بواسطة صوت حي لمتحدث من أبناء تلك اللغة. بالإضافة الى توفر ترجمة فورية ثنائية مدعومة بمعجم موسع.
- سلسلة أجيال B3:
هذا الجيل موجه أيضا للمسافر وهو متوفر كجهاز ثنائي اللغة أو متعدد اللغات الذي هدف مساعدة المسافر الى بلد لا يتقن لغته على إيجاد العون عند زيارته لبنك أو مطعم أو زيارة المعالم السياحية.
- سلسلة أجيال TL-2:
تعتبر مترجمات هذا الجيل من أهم وأحدث الكتب اللغوية. وذلك لما تمتاز به من القدرة على تمييز حديث الشخص المستخدم وترجمته الى اللغة الاجنبية ومن ثم قراءة تلك الترجمة باستخدام صوت حقيقي. وهي متاحة بمختلف اللغات وملائمة لكافة الاغراض، ابتداءً من المحادثات البسيطة وصولاً الى توجيه أعقد التعليمات تفصيليا. ولهذا تعد فهي من أكثر الاجهزة المحمولة القادرة على تلبية احتياجات المستهلك والأوسع انتشاراً.
- سلسلة أجيال 630/600:
تحتوي هذه السلسلة، المتينة في مجال التقنيات المحمولة، على عدد موسع من المفردات وقواعد اللغة الإنجليزية بالإضافة الى الاختبارات المعيارية المعتمدة. كما أنها مزودة بأكفأ وأسرع وظائف البحث التي تُتيح كل ما هو ضروري للمحادة الفورية والترجمة ثنائية الاتجاه.
- سلسلة أجيال 430/400:
تركز هذه السلسة، ذات التقنيات المتقدمة والمتعددة الجوانب والوظائف في نطاق الاعمال التجارية للمترجمات المحمولة، على إعطاء توضيحات فنية باللغات المتعددة لمنظمي الأعمال ( Business Organizers). وهذا ما يجعلها أكثر شيوعا واستخداما لذوى الاحتياجات التنفيذية. ويمكن الحصول على الاجهزة والبرامجيات من شركة ECTACO باللغات الآتية:-
الانجليزية، الفرنسية، الالمانية، الاسبانية، العبرية، العربية، الروسية، الفارسية، اليونانية، البرتغالية ، الايطالية، الهندية، البولندية، الالبانية، الارمنية، الاذربيجانية، البنغالية، البوسنية، البلغارية، الصينية المبسطة، الصينية التقليدية، الكرواتية، التشيكية، الدنماركية، الاستونية، الفلندية، الهنغارية، الإندونيسية، اليابانية، الكورية، اللاتينية، اللاتفية، الليتوانية، النرويجية ، الرومانية، الصربية، السلوفاكية، السلوفانية، السويدية، التغالوغ، التايوانية، التركية، الاوكرانية، الفيتنامية، اليديش.
كما يمكن ضغط كافة برامجيات Lingvo مع قواعد برمجية وبرامج تشغيل توفر للمستخدم مساحة واسعة من الاختيارات. كما تطرح برامجيات تطبيقية لــ 48 لغة لبرامج Windows، PalmOs، Smartphone، AppleIpot. كما عمل Lingvosoft على تطوير برامج حديثة للأجهزة المحمولة من حواسيب وهواتف وغيرها.
2- تطبيقات أندرويد المجانية للترجمة الفورية:
تمتاز معظم هذه التطبيقات، التي لا تحتاج إلى الاتصال بالإنترنت أثناء العمل، بالقدرة على ترجمة العبارات أثناء الاشتغال على تطبيقات أخرى، مثل فيس بوك وتويتر وغيرها. ولكن تجدر الإشارة إلى أن معظمها قد يحتاج ملفات اللغات المراد الترجمة اليها عند أول تشغيل. وأشهر هذه القواميس:
- مترجم جوجل " Google translate":
الذي يترجم فوريا النصوص وصور العبارات باللغة المختارة بل وحتى ترجمة العبارات المكتوبة بخط اليد على الجهاز. كما يقوم المترجم بنطق العبارات المترجمة لمعظم اللغات.
- مترجم Merrian Webster.
- مترجم Offline dictionaries
- مترجم Word web
- مترجم English-Arabic dictionary

3- تطبيقات أخرى مجانية:
- مترجم Babylon:
يعمل هذا البرنامج مع أو بدون اتصال بالإنترنت حيث يقدم نتائج فورية دون الحاجة إلى التنقل بين النوافذ وذلك بمجرد نقرة واحدة على الكلمة أو الجملة المطلوبة. وقد تم تطوير هذا البرنامج، الذي يقدم ترجمته بأكثر من 77 لغة، بأحدث تكنولوجيا الــ OCR (التعرف الضوئي للحروف). ومن خلال التعرف على النص المحيط بالمصطلح المراد ترجمته، يستطيع هذا البرنامج تقديم ترجمات في مستوى عالٍ من الدقة.
- مترجم Sysram:
يعتبر مترجم Sysram من عمالقة المترجمات الالكترونية في ترجمة المواقع والملفات والنصوص حيث يحتوي على قاموس للمصلحات ولا يحتاج للاتصال بالأنترنت. وتعتمد عليه أغلب وأشهر محركات البحث في الترجمة مثل شركة جوجل وشركه ياهو ووكالة لاستخبارات الأميركية وهو سهل ويدعم العديد من اللغات منها اللغة العربية. وهو يوفر الترجمة المزدوجة اللغات التالية: انجليزي/عربي، انجليزي/فرنسي، انجليزي/ ألماني، انجليزي/اسباني، انجليزي/روسي، انجليزي/إيطالي، انجليزي/سويدي، انجليزي/يوناني، انجليزي/بولندي، انجليزي/صيني، انجليزي/كوري، فرنسي/ألماني، فرنسي/برتقالي، فرنسي/اسباني، فرنسي/يوناني، إيطالي/الماني، برتقالي/الماني، اسباني/إيطالي، اسباني/برتقالي.
- القاموس الوارد الثنائي – الناطق:
صمم هذا القاموس خصيصًا للناطقين بالعربية ويشتمل على اللغات التالية: ( عربي / انجليزي، انجليزي / عربي، فرنسي / عربي، عربي / فرنسي، عربي / الماني، الماني / عربي، ايطالي / عربي، عربي / إيطالي، عربي / اسباني ، اسباني / عربي).

والسؤال الأول الذي يطرح نفسه هو: ما هي الفئات المعنية باستخدام القواميس والمعاجم الإلكترونية؟
هناك ثلاث فئات سنتعرض لها في هذا البحث وهم:
1- الهاوين.
2- الطلاب.
3- المحترفين (المترجمين).
تسري على الفئتين الأولى والثانية، نفس متطلبات المرحلة الأولى من عملية التعلم والتي تصحبها بلا شك الحاجة الماسة إلى استخدام قواميس ثنائية اللغة. وبهما سنبدأ، آخذين على سبيل المثال لا الحصر، الدارسين للغة العربية والناطقين بلغات أوروبية.
في دول الاتحاد الأوروبي، يكتشف الطلاب لغات جيرانهم، (من لغات لاتينية كالفرنسية أو الإسبانية أو الإيطالية...الخ، أو لغات جرمانية كالإنجليزية أو الألمانية أو الدنماركية...الخ)، منذ فجر المرحلة الثانوية. ففي فرنسا مثلاً، تُتاح للطلاب فرصة الاختيار لتعلم لغتين أجنبيتين في آنٍ معاً: انجليزي/ ألماني أو إسباني/إيطالي.
ومعظم هؤلاء الطلاب الذين غالبا ما سيتقنون واحدة على الأقل من هذه اللغات في المستقبل، لا يواجهون صعوبات جمة في بداية الدراسة، ذلك بفضل، أولًا، برامج التبادل الثقافي بين هذه البلدان التي توفر لهم فترات إقامة دراسية تعينهم على اكتشاف عادات وثقافات تلك اللغات، وثانيًا، لتشابه هذه اللغات (الأوروبية) فيما بينها نسبة لالتقائها في الأصل. ولكن دعونا نكتشف نوع الصعوبات التي يمكن أن يقابلونها عند تعلم أحد اللغات السامية وأكثرها انتشارًا كاللغة العربية.

الترجمة الإلكترونية من وإلى العربية:
سنقوم بتطبيق مثال بسيط على فئة دارسين مبتدئين وسنرى ماذا سيخرج معهم من نتائج أثناء استخدامهم للترجمة الفورية على مترجم Google.
ومثالنا هو التالي: (جملة: أنا مُتعَب) والتي تُترجم كالآتي:
1- الترجمة إلى الفرنسية= Je suis fatigué
2- الترجمة إلى الألمانية= Ich bin müde
3- الرجمة إلى الإنجليزية= I am tired
4- الترجمة إلى الاسبانية= Estoy cansado
إن أول ما يصيب الطالب بالدهشة هو عدم توافق عدد الكلمات في الجملة العربية (كلمتين) مع عدد الكلمات في الجمل السابقة (3 في كلٍ منها -باستثناء الاسبانية والتي سيأتي الحديث عنها لاحقًا).
ولأن الطالب، الذي افترضنا أنه ناطقٌ بالفرنسية ويجيد أو على علمٍ على الأقل بالإنجليزية والألمانية أو الاسبانية، لا يكون على دراية مسبقة بأحد سمات اللغة العربية من غياب فعل الكينونة في الجملة الإسمية (مبتدأ+خبر). ولهذا سيفترض أن هناك كلمة ناقصة وسيبذل جهدًا مضنيًا حتى يجدها. ولهذا سيلجأ إلى الترجمة الحرفية لكل مفردة على حدة حتى يتمكن من حل اللغز وإيجاد الكلمة المفقودة إلى أن يخرج بالنتائج التالية:
النتيجة الأولى:
كلمة " أنا" تقابلها المعاني التالية: (Je بالفرنسية ، Ich بالألمانية، I بالانجليزية).
النتيجة الثانية:
كلمة " متعب" تقابلها المعاني التالية: (fatigué بالفرنسية، müde بالألمانية، tired بالإنجليزية).
وهنا سيتأكد المستخدم أن الكلمة الناقصة في اللغة العربية هي ما يقابل الأفعال التالية: suis في الفرنسية، bin في الألمانية و am في الإنجليزية. وبالتأكيد لن يفوته أن يأخذ مصادر هذه الأفعال، ليرى الترجمة الى العربية، بيد أن المترجم الآلي لن يخرج له نفس المعاني. فبعد ترجمة الفعل من الفرنسية الى العربية يخرج بالمعنى التالي: être = وجوده، ومن الألمانية الى العربية سيجد الآتي: sein= له، ومن العربية الى الإنجليزية: to be= يكون. وهنا سيحاول مرة أخرى وسيضيف نقطة بعد كل كلمة متحايلًا على المترجم الآلي حتى تتوحد معه المعاني، وسيخرج بالنتيجة الثالثة:
معاني الأفعال "être، sein، to be " يقابلها في اللغة العربية الفعل " يكون". وسيوشك أن يؤكد هذا الظن لولا أن هذه النتيجة التي خرج بها ستتغير عندما يقوم بتحويل الجمل الثلاثة إلى الماضي.
فمن خلال الترجمة العكسية، أي من اللغة الفرنسية (لغته الأم) نحو اللغة العربية سيخرج بنتائج مختلفة وهي كالآتي: جملة " J’étais fatigué" تقابل جملة " كنت مُتعبًا" في اللغة العربية. ومجددًا ستعصف الحيرةُ برأسه عندما لا يرى ضمير المتكلم " أنا" في الجملة. فسيعاود الكرة من جديد وسيأخذ كلمة " كُنتُ" ويترجمها إلى اللغات الثلاث ولكن القاموس الإلكتروني سيخرج له نتائجًا لن ترضيه.
ما الذي يحدُث؟ إنه لا يفهم. والقاموس غير قادر لتوضيح هذا اللبس.
ما هذه الحيرة؟ كلمة "كُنتُ" تقابلها في الفرنسية كلمة "vous" وفي الألمانية كلمة "sie" وفي الإنجليزية كلمة " I was".
لا يمكن أن تكون هذه الترجمات صحيحة فهو على علمٍ مُسبق بأن " vous" بالفرنسية تقابل " sie" بالألمانية واللتان تدللان على ضمير المخاطب " أنتَ"، ولكنهما تختلفان في المعنى المقابل في الإنجليزية.
ولأنه يعرف مسبقًا أن جملته بالفرنسية " J’étais fatigué" تعني بالأنجليزية " I was tired" سيخرج بالنتيجة الرابعة:
- بما أن كلمة "كنت" بالعربية   تقابل جملة " I was" بالإنجليزية
- وبما أن كلمة جملة " I was" بالإنجليزية تقابل جملة "J’étais " بالفرنسية
- اذاً جملة " J’étais" بالفرنسية تقابل كلمة "كنت" بالعربية.
وهنا قد يفهم ضمنًا أن " كنت" ليست كلمةً واحدة وانما كلمتان تقابلان في الفرنسية " Je+étais" ولكن القاموس الإلكتروني لن يُفسر له أن "تاء" المتكلم، توحي بالضير "أنا"، الذي أصابه منذ البداية بالحيرة باختفائه من الجملة.
وهذه ستكون مرحلة أخرى سيكتشف فيها النحو والصرف العربي والتي لن يسعنا المجال هنا للتحدث عنها بإسهاب.
أما بالنسبةِ لمتعلم اللغة العربية والناطق بالإسبانية، فسيواجه نوعًا آخر من الإشكاليات، أولها تطابق عدد الكلمات في الجملتين.
فعند ترجمة المثال السابق، نجد أن جملة " أنا مُتعبٌ" تقابلها بالإسبانية جملة " Estoy cansado". وهنا إذا اعتبر الطالب، أن كلمة " أنا" توازي كلمة " Estoy" وكلمة "مُتعب توازي كلمة " cansado" يكون قد وقع في أول الفخوخ، ذلك أن من سمات اللغة العربية غياب فعل الكينونة في الجملة الإسمية ومن سمات اللغة الاسبانية غياب الضمير ومن هنا تكون حساباته خاطئة.
ودون الإسهاب في شرح آليات عمل هذه القواميس وأليات تغذيتها بالمعلومات، سنكتفي بالإشارة إلى أن التحليل المعجمي، وتفكيك النص إلى وحدات، ثم تفكيك المفردة الكتابية إلى اجزائها التركيبة المختلفة من مدخلات وملحقات دخيلة على الكلمات الاصلية، كالزوائد والتوابع واللواحق والسوابق، التي تفرضها الطبيعة الصرفية والاعرابية للجملة، يمكنه أن يزيل بعض الالتباسات التي قد تحدث نتيجة الاختلافات في السّمات التّمايزيّة لكل لغة.

ماهي الحلول اذاً لتجاوز  هذه الالتباسات؟
-          فئة الطلاب:
يكمن الحل الأمثل في تنويع البرامج المساندة التي من شأنها المساهمة في فك شفرات اللغة العربية في المجالات المختلفة (صرفية ونحوية ودلالية). ذلك أن الأجهزة الالكترونية قد لا تمتلك الذكاء الكافي الذي يمكنها من احتواء برنامج واحد يجمع كل تلك المعطيات من محللات صرفية، بشقيها التركيبي والتحليلي، ومحللات نحوية شاملة للدقيق النحوي من تشكيل واعراب، ومدققات إملائية. وعليه، فإن الاستعانة بقواميس، كقاموس متخصص في تصحيح الأخطاء الاملائية، وأخر يعمل على تصحيح الأخطاء النحوية وثالث لترجمة المفردات والمصلحات، يمكنها أن تساعد في الوصول إلى فهم المعنى المقصود أو معنىً أقرب إلى المعنى الصحيح.
أما فيما يختص بالنظام الصوتي في اللغة العربية، فإن القاموس الآلي سيجهل لا محالة تحديد النبرات وسيخلط في نطق الجُمل أو الكلمات وسيصعب عليه التفريق بين جملة استفهامية، أو جملة تعجبية، أو جملة إثبات، ناهيك عن عدم توضيح الصوامت والصوائت وكيفية نطق كلاً منها على حدة، سواءً كان مفرداً أم في سياقات مختلفة.
لهذا قد يكون اللجوء الى سماع التسجيلات ومشاهدة الفيديوهات حلًا مناسبًا للتعرف على النظام الصوتي للغة العربية وذلك عبر الاستماع إلى الكلمات في سياقات مختلفة لمعرفة النبرات المتباينة التي تصاحبها.

-         فئة المحترفين:
وبالنسبة لهذه الشريحة، والتي يفترض أن يكون قد تجاوزت مرحلة الغموض في التعامل مع اللغة الهدف، فإن هناك مشاكل أخرى ثقافية قد تقف حائلًا أمامهم، سواءً كان ذلك يتعلق بنصٍ أو بكلام منقولٍ إلى العربية، أو منقول منها إلى لغات أخرى.
ولكن دعونا أولا قبل أن نتطرق إلى موضوع الثقافة، أن نقدم بعض المواقع المتخصصة (في الترجمة من الإنجليزية على سبيل المثال) التي من شأنها تقديم بعض الحلول الناجعة للمحترفين وتسهل لهم علمية الترجمة. ومن هذه المواقع نذكر:
مواقع لتصحيح الأخطاء النحوية والإملائية:
1- www.Spellecheckplus.com
2- www. Onlinecorrection.com
3- www. Grammarcheck.net
4- www. Grammarly.com
مواقع لمعاني الكلمات والمصطلحات:
- موقع worreference.com.www
مواقع احترافية للترجمة :
1- www.Freetranslation.com
2- www.Translation paralink.com
3- www. Babelfish.com
4- www. Reverso.net/texte_translation
والآن لنعرج إلى الاستخدامات الثقافية للمصلحات وما يمكن أن يصاحبها من خلط والتباس في الفهم والادراك للمعنى المراد. ولنأخذ بعض الأمثلة حتى نوضح دور البعد الثقافي والاستخدام المجتمعي اللذان بمقدورهما تغيير المعاني الأصلية للمصلحات وللمفردات.
المثال الأول، كلمة "Gay" في اللغة الإنجليزية:
إن معنى هذه الكلمة في الإنجليزية الحديثة يدلل على "المثلية الجنسية" غير أن الكلمة في الأصل تعني "مرح"، ولكن اليوم سيكون من النادر وجود كلمة "مرح" في القواميس الإلكترونية.
ولهذا، لن يكون بإمكان متعلم اللغة الإنجليزية اليوم أن يستخدم الكلمة ليدلل على حالة مرحه. فإذا قال I’am gay، سيفهم في الحال أنه مِثلي، ولن يذهب تفكير السامع على أن المتحدث يريد أن يقول إنه يشعر بالمرح أو الفرح أو غيرها من المترادفات.
المثال الثاني، كلمة "جهاد" في اللغة العربية:
إن هذه الكلمة التي تحمل في الأصل معانيٍ نبيلة من مجاهدة للنفس ونكران للذات بُغية الترفع عن الصفات الدنيئة من حقد وحسد وغيرة بنية قيادتها والارتقاء بها عن نزعاتها البدائية من غضب ورغبة في الانتقام وجشع وكسل وحب ظهور بين الناس...وغيرها، أصبحت اليوم تحمل معنى آخر منفرًا وداعيًا للتوجس والريبة، وهو الإرهاب.
لذلك مهما يكون قد سمع عن هذه المعاني النبيلة للكلمة، فإن متعلم اللغة العربية اليوم، بل حتى أبناؤها المتحدثون بها، لن يستطيع أن يستخدم هذه الكلمة دون أن يترك في أذن السامع صدىً عن الإرهاب والتفجيرات وأصحاب اللِحى حاملي المصاحف والسيوف والمهددين بالقتل والابادة...إلخ.
ومن هنا، سينقب المتعلم الجديد للغة العربية عن كلمة أخرى تعني ترويض النفس تجنبه استخدام كلمة "جهاد"، كما سيفعل متعلم اللغة الإنجليزية ليتجنب استخدام كلمة "Gay"، وان كانوا في قرارة أنفسهم يعرفون المعاني الحقيقية لهذه الكلمات.
ولكي نوضح أكثر أن اللغة تحمل في طياتها الثقافة، سنضرب مثالاً ثالثاً يختص بتداول مصطلح ثقافي عربي قد يجهله أبناء اللغة العربية أنفسهم، وهو استخدام كلمة "شمار".
فعند البحث عن معنى الكلمة في القواميس الإلكترونية سنحصل على المعاني التالية:
معجم المعاني الجامع، معجم عربي /عربي:
شَمار: اسم
الشَّمار: بقلة عشبية من فصيلة الخيميات، منه نوع حلو يزرع يؤكل زرقه وسوقه نيئا، ونوع آخر سكريّ يؤكل مطبوخًا.
المعجم الغني:
شَمار: النبات، بقل حلو من الفصيلة الخيمية، منه نوع حلو يزرع يؤكل زرقه وسوقه نيئا، ونوع آخر سكريّ يؤكل مطبوخًا.
معجم اللغة العربية المعاصر:
شَمار: هو الرازيانج عند أهل مصر والشام.
معجم الأعشاب: نبات أصفر الزهر أخضر الحب له فوائد طبية.
المعجم الرائد: بقلة من الفصيلة الخيمية، ومنه نوع حلو يزرع يؤكل زرقه وسوقه نيئا، ونوع آخر سكريّ يؤكل مطبوخًا.
كل تلك المعاجم قدمت وصفًا تفصيليًا للنبتة في كل ما يخص شكلها ولونها وطعهما. ولكن أياً من هذه القواميس لم يتطرق إلى احتمال استخداماتٍ ثقافية لهذه الكلمة. فمثلًا، إذا ذهبت إلى السودان وسمعت أحدهم يقول لشخصٍ ما: " خَلِي الشمار"، فلا يذهبن تفكيرك إلى هذه النبتة مطلقًا. ذلك أن السودانيون يستخدمون هذه الكلمة ليدللوا على الفضول والتطفل. بهذا سيقابل جملة "خَلِي الشمار" المعنى الفصيح: "دَع الفضول". وهذا المثال، انما هو للتوضيح فقط وليس للحصر، إذ أن الأمثلة كثيرة ولكن المجال لا يتسع لها.
باختصار، نود القول أن المعجم الإلكتروني مهما كان شاملاً لمدلولات اللغة ومفرداتها، تبقى هناك مسألة الثقافة من المسائل التي يصعب الإحاطة بها كليًا، كونها من الأمور المتجددة باستمرار.

لماذا تعتبر القواميس أحادية اللغة الحل الأمثل؟
دعونا أولاً، قبل أن نميل إلى شرح مزايا استخدام المعجم الأحادي، أن نقدم بعض هذه أشهر هذا القواميس الإلكترونية أحادية اللغة. بالإضافة لقواميس اللغة العربية الأحادية مثل المعجم الوسيط والمعجم الجامع ومختار الصحاح واللغة العربية المعاصر والغني، هناك المعاجم الإلكترونية أخرى المتخصصة في اللغات الأجنبية، ونذكر من تلك المعجم الأمثلة التالية:
قاموس Larrousseفي اللغة الفرنسية، قاموسTheFreeDictionnary في اللغات التالية:
الإنجليزية، الإسبانية، الألمانية، الفرنسية، الإيطالية، الصينية، البولندية، البرتغالية، الهولندية، النرويجية، اليونانية، الروسية، التركية، والعبرية.

مميزات استخدام المعجم الأحادي:
تعتبر القواميس أحادية اللغة أكثر تقادماً وتميزاً من القواميس الأخرى كونها تحتوي على العديد من الأمثلة التوضيحية للاستخدامات المختلفة لكل كلمة. هذا وبالإضافة إلى أنها تُعَرِّف بصورة أفضل العبارات الاصطلاحية، وقد تتوفر على طرق أكثر دقة فيما يخص نطق الكلمات. وهذه الشروح المفصلة من شأنها أن تُثري المخزون اللغوي للفرد، وأن تعلمه الاستعمال الصحيح للكلمة في السياق المرغوب.
على سبيل المثال إذا قمت بقراءة شرح الكلمة الفرنسية " Colporteur" في قاموس Larousse الأحادي اللغة ستجد الشرح التالي:
Marchand ambulant qui proposait les marchandises à domicile.
بهذه التوضيحات الكاملة والدقيقة التي يقدمها القاموس، سيتعلم الشخص القواعد السليمة للجملة كما سيتعلم الاستخدام الصحيح للكمات. وإذا لم
يتعرف مثلاً على كلمة marchandise في المثال أعلاه، سيعاود الكرة ويذهب للبحث عن الكلمة في القاموس ليجد الشرح التالي:
Marchandise : Ce qui se vend et s'achète.
هنا بدلاً من التعرف على معنى كلمة واحدة (colporteur= بائع متجول)، سيضيف إلى مخزونه اللغوي كلمة إضافية
(marchandise= بضائع). ليس هذا فحسب، بل يكون قد تعرف أيضاً على صيغٍ جديدة لاستخدام الأفعال (vender/يبيع وacheter / يشتري) وذلك بعدما يكون قد فهم أن جملة Ce qui se vend et s’achète تعني كل ما يُباع ويُشترى. وان يكن على معرفة مسبقة بمعنى هذين الفعلين سيعاود الكرة مرة ثالثة وستتوالى عمليات الإثراء للمخزون اللغوي.
في الختام، علينا الاعتراف بأن تطبيق قواعد ومعايير الترجمة البشرية على قواميس الترجمة الألية يظل من الصعوبة بمكان بحيث لا يمكن الإحاطة به في أسطر معدودات، ذلك أن مدارس الترجمة قد تنوعت فيما بينها، اتفقت أحياناً واختلفت في أحايين كثيرة، في تحديد معايير النقل من لغة إلى أخرى من أجل تفادي خيانة النص أو الكلام المنقول.
وتكمن الصعوبة في أنه حتى في اللغة الواحدة قد يتم ترجمة بعض الجمل والكلمات بصورة خاطئة مما قد يعوق وصول الرسائل بشكل صحيح، ويتسبب في الوقوع في الحيرة، دافعًا بالسامع أو القارئ في أن يتساءل عن مقصد محدثه أو ماذا قصده الكاتب بجملة أو بكلمة ما عندما قام بكتابة النص. وتلك الصعوبات تتمثل في أن المعاني لا تصل فقط عبر الكلمات المكتوبة أو المنطوقة، بل تنتقل عبر وسائل اتصال أخرى أقوى وأبلغ، مثل لغة العيون وحركات الجسد وفترات الراحةِ بين الجُمل، بل وحتى الصمتُ أحياناً.
وللأسف، كل هذه السمات لا يمكن تخزينها في قاموسٍ مُحوسب كونها عبارة عن منتوج إنساني بحت مصنعه الوحيد النفس البشرية وما يخالجها من عواطف وأحاسيس اثناء النطق بالكلمات أو عند القيام بكتابتها.
ولهذا احتاج الإنسان منذ الأزل إلى فك هذا اللبس في فهم الآخر. فأصبح يبحث ويخترع ما يمكنه من سبر أغوار ذلك الغموض. وأضحى يقوم بالإحصاءات والتجميع والتدوين، ووضَع المعاجم والقواميس والموسوعات لكي يُحسن تواصله مع العالم ويبدد له شبح الخوف من العزلة التي قد تضربها عليه عدم القدرة على فهم المقصود. والحواسيب، وان كانت تمتاز بذكاء منطقي فائق القدرات، إلا انها تفتقد إلى الذكاء الطبيعي المركب الذي يمتلكه الانسان والذي بواسطته يستطيع إدراك فهم اللغات غير منطوقة. وهذا ما أشار إليه الكاتب الأمريكي والعالم الانثروبولوجي"Edward T.Hall"، في كتابه " اللغة الصامتة - The silent language" والذي يضيف فيه بُعدًا آخر من الأبعاد المهمة في عملية التواصل.
وهذه اللغةُ الصامتة، والتي تعتبر المكون الأساسي للغات البشر، ليست مادةً جامدة يمكن تلقينها إلى الحواسيب بسهولة كمادة كالرياضيات أو المنطق، إذ أنها منتوجٌ إنساني خالص يحمل في طياته ثقافة المتكلم، بل وتاريخه أيضًا.
وهنا سؤال أخير يطرح نفسه وهو:

هل سيأتي يومٌ يُمكن فيه تعليمُ الآلة هذه " اللغةُ الصامتة – The silent language  "، وما يتبعها من مدلولات ثقافية وتاريخية واجتماعية وعاطفية؟

  
قد تحتاج الإجابة على هذا السؤال أطروحة دكتوراه كاملة. فليمضي الباحثون اذًا قُدمًا في تنفيذ هذا المشروع الكبير.


 **-**
باريس 
19 مارس 2019

الأربعاء، 19 ديسمبر 2018

Au delà des rêves

écrit par/ Tasnim TAHA




Quand un cœur se balance entre la souffrance et le bonheur, il creuse pour comprendre le mystère cette dualité.

Mais il n'arrive pas à identifier la source de cette belle vibration.

IL s'incline, désormais, devant la vérité en se rendant compte qu'il est devenu accro à ce sentiment de dualité qui lui permet désormais à toucher la lune. 

 A caresser les étoiles. 

Ainsi, il n’a qu'à s’envoler loin.

Très loin.

Afin de savourer chaque instant avec cette triste joie. 

 Devant ce battement merveilleux, il n’a qu'à s’ambitionner.

Qu'à atteindre un monde plus beau dans lequel il peut scintiller tel un diamant dans le ciel.


Il n'a qu'à se sentir léger sans poids.

Serein sans charge.

Neutre sans cadre ni jugement.

Sobre sans aucun plan ni rien.

 Devant cette belle fatalité, il n'a qu'à renoncer à tout pour laisser l'univers prendre la décision.

Il va juste observer la rivière qui coule avec son rythme mélodieux sans se donner le droit d’intervenir dans cette harmonie. 

Et parmi les espérances dues à ces belles émotions, il se rappellera de ne rien calculer.

Rien attendre.

Ne désespérer de rien. 

Il veillera de rester fidèle à son sermon : d'être soi-même tout le temps.

Dans le calme ainsi que dans la déception pour écouter ses gémissements, ses auto-guérisons.

Et pour méditer ses doux volcans internes.

Dans le salut, ce cœur sera toujours diffuseur de soulagement et de sérénité, même quand on lui jette par les plus opulentes et immondes pierres. 

Il se contentera d'être satisfait de tout ce qui lui arrive.

Il acceptera toutes les leçons, surtout celles les plus dures.


Il apprendra dans la peine et dans la joie.

Il chantant l'ode de l'amour et de la paix.

Il se rappellera que tout est pour le bien.

Et rien ne viens par hasard.

 

Est-ce qu'un tel rêveur cœur aurait-il à s’angoisser ou à craindre quoi que ce soit ?

**-**


Paris
19/12/2018

الأربعاء، 14 نوفمبر 2018

Rose

écrit par/ Tasnim TAHA



Il était une fois une rose, belle et pleine de vitalité, semblable aux vraies roses et non aux artificielles. Unique dans sa tendresse et son envoûtement, elle vivait solitaire dans un désert, un lieu isolé que peu de gens traversaient. Pourtant, elle appréciait son isolement et trouvait son bonheur dans la solitude, loin du tumulte du monde et des conflits humains.

Un jour, un passant, attiré par une force magnétique inexplicable, s’arrêta devant cette rose. Les yeux fermés, il se mit à respirer son parfum envoûtant avec une intensité presque fébrile. En un instant, il se sentit transporté dans une autre dimension, un endroit hors du temps. Mais, au moment où il se préparait à partir, une étrange nostalgie l’envahit, accompagnée d’un frisson qui parcourut toute sa colonne vertébrale.

Après avoir avancé de quelques pas sur son chemin, il se retourna inconsciemment, comme hypnotisé. Il se mit alors à contempler la belle créature. Cependant, la lumière éclatante émanant de la rose était si intense qu’il ne put la soutenir et baissa timidement les yeux.

Dans le silence qui suivit, il crut entendre l’écho de la rose résonner en lui. Une voix intérieure semblait lui murmurer : Elle est ta rose, cueille-la !

De son côté, la rose était ravie de lire l’admiration dans les yeux du passant. Curieusement, elle sentit en elle naître une tendre affection pour lui.

Je vais lui permettre de me cueillir et je ne sortirai pas mes épines pour le repousser, comme je l’ai fait avec tant d’autres, se dit-elle. Il est différent, celui-là. Et puisque je suis une rose, et que ma destinée est d’être cueillie, je m’offre à lui. C’est lui qui a fait vibrer mon cœur après ce long parcours sentimental, aride, d’une vie dans le désert.

**-**

Paris, 13/11/2018

السبت، 20 أكتوبر 2018

Bâton d'encens


Tu ne sais pas que je prie
Pour toi chaque instant
Pour que tu te libères
De ta jalousie,
De ton envie,
Dt ton désir si brûlant

Peux-tu arrêter de croire
A cette pâle copie de toi
Qui t’imprègne de désarroi?

Il faut que tu saches
Que rien ne me gâche
La vie jamais ne me lâche
Ou contre moi se fâche
Car je m’y attache

Avec amour et fidélité
Sans hostilité
Ni aversion, 
Ou animosité.

Mon cœur ignore la haine
Et toutes les chaines
De vengeance
Ou de peine.

Même si tu me haies
Je resterai
Fidèle à mon serment
D’être un bâton d’encens

Je te pardonne, 
Je me brûlerai sans douleur
Pour diffuser de bonnes odeurs

Je te pardonne
Mon ennemi bien aimé,
Qui me veux du malheur.

Je te souhaite de tout mon cœur
Une réelle libération,
Un éternel bonheur.

****
Tasnim
Paris 20/12/2018
10:56

الأربعاء، 19 سبتمبر 2018

عين على الأدب السردي السوداني من خلال روايتي «شوق الدرويش» و«مسيح دارفور»



إن ما يعرفه القارئ العربي عن الأدب السوداني قد لا يتجاوز في كثير من الأحيان إسهامات عبقري الرواية العربية الطيب صالح في حقول الأدب من روايات وقصص قصيرة، لكن الأدب السوداني في مجمله لا يتوقف عند هذه الأيقونة الثقافية الوازنة، وينتج آلاف الأعمال كل سنة، غير أنها لا تحظى بنفس الاهتمام الذي قد تحظى به مثيلاتها من الأعمال الأدبية العربية.

فالسودان وعلى الرغم من كونها بقعة أرضية متخاشعة خلف الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، إلا أنها شكلت بيئة خصبة لشياطين الإبداع، وأرضًا زاخرة بالموضوعات. بدءً بتوالي الحروب والأزمات والنكبات التي تنتج عنها، والتعددية العرقية والدينية وانتهاء بانتشار طرائق التصوف والدروشة على اختلافها. كل ذلك تحتضنه السودان بكرم بالغ، تمسح دموعها ودماءها بأمل خافت طمعًا في غد أفضل؛ ليأتي الأديب الذي يرفض أي شكل من أشكال التصالح مع الواقع، ينكأ بقلمه جراح المدن والأرض والناس، ويعيد تشكيل المعنى بعد أن يفرغ من مهمته الإنسانية النبيلة التي لا يغيب عنها الانتصار للضحايا والانتفاض في وجه جلاديهم.
وهذا ما تؤكده العديد من النصوص السردية السودانية الحديثة، التي تباغت القارئ بغناها وتنوعها الديني وتعدديتها الاثنية وكثافة أحداثها والحبكات العبقرية التي تُواشج كل هذه المكونات في توازن تام. لدرجة قد يعتقد معها القارئ أنه أمام عمل من نسج خيال الكاتب فقط، في حين أن كل تلك الموضوعات والمكونات، بالرغم من غرابتها، فهي حقيقية جدًا وواقعية، لا يجد الكاتب معها سوى أن يعيد ترتيبها بحسب ما يتناسب ورؤيته للنص الإبداعي الذي يسكنه. إذ نجد أن روايتي (شوق الدرويش) و(مسيح دارفور) تتركان لدى المتلقي انطباعات عميقة لا تخلو من الدهشة، وكأنهما قطعتان نفيستان سقطتا من عالم آخر.
شوق الدرويش.. طعم الحب في رائحة الموت والحرب
ما كان يئن. ولا هرب من أوجاعه بالغيبوبة. ما كان بداخله من وجع حماه من كل وجع آخر.
بهذه العبارة يصف حمور زيادة ألم بخيت منديل بطل روايته، الألم الذي يفوق القدرة البشرية على التحمل؛ فالعديد ممن شاركوا بخيت العذاب بالسجن نفسه، توفوا بعد فترة قصيرة ؛ لكن بخيت ظل حيا… وكأنه تجرد من الجسد، أو أنه على الأقل لم يكن يعبأ لكل أشكال التعذيب الجسدي التي طالته، وهو منهمك باجترار الألم الذي تسبب في نزيف روحه وقلبه معا. وقد تمكن بالفعل هذا الجسد الواهن والضعيف والمحمل بأنواع التعذيب والإهانات من الوقوف مرة أخرى، مانحا صاحبه إمكانية البدء في رحلته نحو الانتقام مباشرة بعد سقوط مدينة المهدية وخروجه من الأسر.
النار والدخان في كل مكان
النار والدخان في قلبه
سقطت مدينة المهدي
ليكون سقوط مدينة المهدية ونهايتها هي الصورة التي اختارها الكاتب لتكون بداية روايته، مبتعدًا بذلك عن البدايات الكلاسيكية التي يطبعها الهدوء أو التي يختار لها أصحابها تحميلها مهمة التعريف بالشخوص بتدرج. نجد حمور زيادة بالمقابل لا يخشى الصدام مع القارئ، ويقحمه مباشرة في القصة مند الصفحات الأولى، ليستمر فيما بعد باستحضار التفاصيل الهامة في محطات شخصياته من خلال استخدام تقنية الفلاش باك.
وبالرغم من أن رائحة الموت والدم والدخان تكاد تطغى على معظم صفحات الرواية، إلا أن عبقًا عجيبًا يأبى إلا أن يغلف تلك الرائحة ويفوح عبر الرواية مانحًا إياها بعدًا آخر، إنه ذلك النسيم الهادئ الذي ينتشر عبر الحب الذي يحمله بطلنا تجاه ثيودورا اليونانية التي دخلت السودان مع بعثة دينية أرثودوكسية، والذي لم ينضب حتى بعد وفاتها ليظل طيفها مرافقًا له ومؤنسًا لوحدته وشاهدًا على عذاباته. هو الحب الذي يعتمل في قلب مريسيلة تجاه بخيت إذ لم تدخر جهدًا في مساعدته على تحقيق رغبته في الانتقام، بالرغم من أنها تكره تلك الأجنبية التي سرقت لبه ولا تكف عن لعنتها سرًا وجهرًا مرددة: (يلعن دين بنت النصارى). هو الحب الذي يكنه يوسف أفندي تجاه ابنة عمه، وهو أيضا ما جعل الشيخ الدرويش الحسن الجريفاوي يتراجع عن الوعد الذي قطعه بقتل بخيت انتقامًا لموت التاجر، ما إن عرف قصته ولمح في عينيه طيف الحب الذي اضطر الحسن نفسه إلى التخلي عنه في سبيل تلبية الدعوة المهدية.
عجلت إليك ربى لترضى، عجلت إليك ربى لترضى، عجلت إليك.. وتركت فاطمة ورائي.
من جانب آخر، نجد أن الرواية تتضمن جزءًا هامًا من التاريخ الكولونيالي للسودان، فهي تتناول فترة ما بعد الثورة المهدية لتصفية الاستعمار التركي وبداية الاستعمار الإنجليزي، وهو ما جعل خطاب الآخر الكولونيالي حاضرًا بقوة، سواء من خلال الحملات التبشيرية ومهمة التنوير وتمدين الشعوب البربرية المتخلفة في نظر المستعمِر، أو من خلال الاستعباد والاستغلال الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والجنسي الذي ينهجه هذا الآخر الأبيض تجاه الإنسان الأسود. والذي يمثل له بشكل أبرز الأوروبي الذي اشترى بخيت لأول مرة بقروش قليلة من سوق النخاسة، وقد كان لايزال طفلًا آنذاك، واصفًا إياه بالقرد القبيح (انت حبيبي الزنجي، أنت عبد قبيح).
ثيودورا نفسها معشوقة بطل الرواية الذي آثر قطع رؤوس بني جلدته عقابًا لهم على ما ألحقوه بها من أذى، نجدها تمتنع تمامًا عن التطلع لبخيت في منأى عن لونه، وترفض مرارًا طلبه بالزواج منها مخافة أن تنجب أطفالًا سود، مكتفيه باعتباره أخاها الأسود، نفس النظرة كذلك كانت تسقطها على معظم من التقت بهم في أم درمان أو الخرطوم فنجدها قد انصرفت إلى اتهام خادمة سوداء بسرقة صليبها دون أن تعترف الخادمة بذلك أو أن تثبت عليها السرقة. وتظل هذه النظرة الدونية والاستعلائية تجاه السودانيين هي السائدة لدى الآخر الكولونيالي بمن فيهم ثيودورا كذلك، بالرغم من كل الصداقات التي ربطتها وكل الوقت الذي مضى على تواجدها بالسودان.
لكننا نجد بالمقابل التفاتة طريفة لتمثل المستعمَر حول المستعمِر، وهو أمر غير مألوف في معظم الأعمال الأدبية الكولونيالية. فنكتشف أن نظرة الأسود للأبيض لا تخلو بدورها من الشعور بالقرف؛ مما قد يغمر القارئ بالأسئلة ويدفعه للتفكير في الجانب الآخر للحركات الاستعمارية. إذ لطالما كره بخيت العرق الأبيض واستغرب كيف حرمهم الله اللون وابتلاهم بالبياض لتكون (أجسادهم مسلوخة تكسوها حمرة، وأعينهم كقطط خبيثة، ورائحتهم نحاس صدىء).
أما بالنسبة لما يتعلق بالبنية الروائية لهذا العمل، فيظهر جليًا أن حمور زيادة قد برع في اختيار نصوص متعددة ومتنوعة ساهمت في إغناء الوعاء اللغوي للرواية، وجعلت من البنية الخطابية للنص الواحد نافذة للعديد من النصوص المختلفة التي تتفاعل فيما بينها من خلال اشتغاله على متناصات تاريخية وأدبية وصوفية معًا. فنجده قد ضمّن إلى جانب الخطاب المابعد كولونيالي، بنية صوفية واضحة، لم تعق تشكيل النسق اللغوي للرواية، وإنما أضفت نوعًا خاصًا من السحر على العمل الروائي، فكانت وقفات التأمل والفلسفة الصوفية وصوت الحكمة الذي يتخلل الرواية والاقتباسات من القرآن أو الإنجيل وأشعار الحلاج وابن عربي، إضافة بالغة البهاء وفسحة للقارئ كي يغوص في أعماق كينونته ويسبح في كنه علاقته بالنفس والغير والله، فضلًا عن القاموس اللغوي الغني الذي استخدمه الكاتب والأساليب الدلالية والجمالية المتعددة التي تتماهى والموضوعات المضمنة في الرواية، فاللغة هنا ليست رتيبة جافة تنتهي مثلما بدأت، بل إنها تتلون وتتنوع بحسب المحكي، لتصبح لغة شعرية عند الوقوف على القيم الإنسانية كالحب والايمان، وأحيانًا يطغى عليها طابع الجدية والصرامة عند الحديث عن الحرب والطغاة والمستعمر، وأحيانًا أخرى تصير لغة واصفة للأماكن والأشخاص والروائح وحتى أنواع العذاب التي تلقاها المساجين.
ثنائية الجمال والبشاعة في مسيح دارفور
يقول الكاتب السوداني عبد العزيز بركة ساكن في أحد حواراته التلفزيونية: (أنا كاتب منحاز لا أعرف الحياد. والمحايد مع الشيطان… المحايد مع القتلة)، والشيطان هنا ليس شيئًا آخر غير الجنجويد، لذلك فهو من هذا المنطلق لا يجد للجنجويد في روايته توصيفًا آخر غير البشاعة، هذه الكائنات المتوحشة والمفرغة من طابع الإنسانية، تسير في الأرض فقط لتأكل وتغتصب النساء والأطفال وتنهب وتذبح بأبشع الطرق.
مما يجعل من فكرة المهدي المنتظر في العقل الجمعي السوداني فكرة الخلاص الأبدي من عبث الجنجويد، هذا المهدي الذي سيوحد البلاد ويستأصل الظلم وينتصر للفقراء. هي فكرة تتعاظم لدى المخيلة الشعبية السودانية وتدفع بالكثيرين لادعاء النبوة أو تقمص شخصية المهدي المنتظر. وهي كذلك ذات الفكرة التي انطلق منها الكاتب ليؤسس لشخصيات عمله الروائي، مستبدلًا المهدي بالمسيح عيسى (ابن الإنسان وليس ابن الله).
فقد اختار عبد العزيز بركة ساكن للمسيح أن يحط رحاله بمدينة دارفور السودانية، وأن يكون ادعاؤه للنبوة منطلقًا لأحداث الرواية. وجعل من إشكالية الهوية السودانية محورا هاما داخل الرواية، إذ اشتغل على الصراع بين الحكومة الممثلة في الجنجويد والمجندين بالخدمة الإلزامية والمجاهدين؛ وبين الشعب المتمثل في السكان الدارفوريين على اختلاف انتماءاتهم الإثنية والدينية، بالإضافة إلى المسيح كذلك. ثم جعل من هذا الصراع ثيمة عمله الروائي.
و بما أن الجوع يولد الوهم، فإننا لن نستغرب من اليقين الأعمى والإيمان والمبايعة التي لقيها مسيح دارفور على أيدي ضحايا الحرب. ففي رواية عين الفرس للأديب المغربي الميلودي شغموم نجد أن الشخصيات تأثرت بفكرة وجود أطباق (البسطيلة) و(المشوي) في عمق البحر وهو ما جعل الكثيرين منهم يقضون غرقًا.
عبد العزيز بركة اشتغل كذلك على التجريد المعرفي لثنائيات مفاهيمية متعارضة في ظاهرها، وذلك بغرض تفكيكها وإعادة تحديد معناها وفق رؤية شمولية. وهي إحدى أهم الممارسات التي يدعو لها جاك دريدا من خلال عملية الإزاحة الفكرية للثنائيات الميتافيزيقية التي تعمل على الغوص في أعماق المفاهيم المتداولة مجتمعيا والتي تكتسي طابع اليقينية وغالبًا ما تحمل مدلولات أحادية، لينتقل إلى تجريدها من الآراء المسبقة وإعادة تشكيلها مع جعلها علامة مفتوحة على مدلولات متعددة، لينتهي إلى إبراز العلاقة الباطنة بين هذه الثنائيات إذ تتقاطع عند نفس النقطة فيصعب حينها التمييز بين المفهوم ونقيضه.
إذ نجده إلى جانب ثنائية الجمال والبشاعة، قد عمل على ثنائية الدين والكفر أيضًا، ذلك أن الرواية زاخرة بإشارات توحي إلى أن الكفر هو نفسه الإيمان، مثلما جاء على لسان مسيحه مرة:
 الكفر يا أحبائي درجة بالغة التعقيد من الإيمان
ليعرج على ثنائيات مفاهيمية أخرى من قبيل الثقافة والمجتمع، ويتطرق لها من خلال شخصية إبراهيم خضر إبراهيم، الشاب المثقف الذي تم إجباره على الخدمة العسكرية فوجد نفسه مدافعًا عن إيديولوجيات لا يؤمن بها. بالإضافة لثنائية الحب والكراهية، والتي نجح من خلالها في إرباك القارئ وجعله عاجزًا عن التمييز بين مفهومين لطالما جزم أنه محيط تمامًا بمعناهما.
وعرفوا فيما بعد أن الحب والكره يجريان بذات الشريان، ويسقيان ذات الحقل، وعرفوا أن من يحب كمن يكره؛ يختلط عليه الأمران، ولا يعرف أيهما خيره وأيهم شره، وقد يقبل أصبع الشيطان ظانًا أنها شفة محبوبه.
يظهر إذًا أن عبد العزيز بركة قد استطاع أن يطرح بجرأة وذكاء اسئلة فلسفية عميقة على بساطتها، تنطلق من الواقع المعيش للساكنة الدارفورية على وجه التحديد لتلقي بظلالها على أنساق مفاهيمية أكبر، وتطرح قضايا إنسانية كونية لا تنحصر في حدود السودان فحسب. غير أنه لا يظهر للقارئ ثقل هذه العملية، ويدرج ذلك بسلاسة ومرونة لا تعيقان خيوط السرد وكأنها فعل فكري عفوي.
من جهة أخرى، كان من اللافت للانتباه أن يعمل الكاتب على الجسد بلغة جريئة غير آبه لما سيقابله به المجتمع السوداني المحافظ. مكسرا بذلك بنية الطابوهات المجتمعية، خاصة في ظل الرقابة المفروضة على المشهد الأدبي بالسودان والتي لازالت تعتبر الجسد أحد محرمات الكتابة الأدبية، مما جعل تهمة خدش الحياء العام ملاحقة له حتى اليوم.
فقد كان شجاعًا في كشف المغامرات الجنسية لعبد الرحمان التي لم تجد حرجًا في استخدام جسدها لإغواء الجنجويد واقتيادهم إلى منفاهم الأخير في هوس غريب بلغ ذروته مع رغبتها في أكل أكباد ضحاياها بعد قتهم. هذا ما آلت له الفتاة اليتيمة التي تم العثور عليها أسفل جثتين متحللتين وحين سئلت عن اسمها أجابت: عبد الرحمان؛ فتمت تسميتها كذلك. وحتى العناية التي أولتها لها العمة خريفية التي تبنتها لم تسعفها يوما في نسيان ما فعله الجنجويد بها وبأهلها وأقاربها، لذلك ظل الحقد الذي تكنه بداخلها يكبر معها ويدفعها إلى الانتقام مستخدمة ذات الجسد الذي استباحه الجنجويد.
وجبت الإشارة إلى أن اللغة التي عمد بركة ساكن إلى استخدامها، هي لغة سلسة تتدفق بانسيابية فتتيح للراوي العليم بمجريات الأحداث وتفاصيل الأشياء، الانسحاب بخفة وإفساح المجال لصوت الشخصيات كي يرتفع من حين لآخر، معبرًا عن آراء الشخصيات وأفكارها وخلجاتها. دون الوقوع في الخلط بين هذه الأصوات إذ إن الكاتب ربط بين جل شخصيات الرواية بشكل أو بآخر، انطلاقًا من شكيري توتو كوه، وانتهاء عند مريم المجدلية. بالإضافة إلى الوصف المكثف والدقيق للأمكنة والزمن والرائحة وكذا الشخصيات، سواء على مستوى المظهر الخارجي أو المستويات النفسية التي يتنقل عبرها ببراعة، فضلًا عن استخدامه مكون الغرائبية في السرد منطلقًا من الواقعية السحرية التي تطبع السودان، وهو ما ينعكس على الكتابات السودانية بصفة عامة.
**-**
كُتب بواسطة / مريم الشتوكي- المغرب


الأربعاء، 15 أغسطس 2018

قصة قصيرة: أم درمان: مدينة السراب والحنين

 بقلم/معاوية محمد نور


 يدخلها الإنسان عن طريق القنطرة الجديدة، المقامة على النيل الأبيض، بعد أن ينهب الترام سهول الخرطوم الخضراء الواسعة، فيلقي نظرة على ملتقى النيلين في شبه حلم، ويعجب لهذا الالتقاء الهادي الطبيعي، وذلك التصافح العجيب من غير إثارة ضجة ولا صوت، فكأنما النيلان افترقا في البدء على علم منهما، وهنا يلتقيان كما يتلاقى الحبيبان ويندمجان نيلاً واحداً،،

فما ندري أنهما كانا نيلين من قبل ولا ترى في موضع الالتقاء ما يشير إلى شئ من المزاحمة أو عدم الاستقرار مما يلاحظ عادة في إلتقاء ما بين جهتنين مختلفتين، وإنما هناك عناق هادئ لين، وإنبساط ساكن حزين، فإذا فرغ المشاهد من هذا المنظر الذي لابد أنه آخذ بنظره، مرغمه على التأمل، انتقل إلى الضفة الأخرى من النيل الأبيض فرأى البيوت الصغيرة مثبته على الصحراء، ورأى السراب يلمع ويتماوج بعيداً، ورأى بعض العربان وراء جمالهم المحملة حطباً تمشئ في ائتاد وفتور، ومن ورائها سراب ومن أمامها سراب، فكأنما هي تخوض في ماء شفاف، ورأى شماله بعض ثكنات الجنود السودانيين، مثبتة هي الأخرى في أماكن متقاربة، ثم سمع صوت (البوري)، يرن حزيناً، شجياً، وسط ذلك السكون الصامت وفي أجواز ذلك الفضاء اللامع وتلك الشمس المحرقة، فيحس بشئ من الحنين البعيد والحزن الفاتر المنبسط ويعجب لذلك المكان ما شأنه وشأن الترام الكهربائي والقنطرة والاتومبيل الذي يخطف كالبرق بين كل آونة وأخرى في ذلك الفضاء السحيق،  وإذا سار به الترام قليلا في إتجاه النيل، رأى المدينة المعروف (بالموردة)، ورأى السفن البخارية الآتية من أعالى النيل واقفة على الشاطئ محملة ببضائع تلك الأماكن الجنوبية كما رأي بائعي الذرة أمام حبوبهم المرصوصة في شكل أهرامات صغيرة وهم يبيعون للمشترين وينطقون العدد في نغمة إيقاعية موسيقية فيها شئ من الملال والترديد الحزين، وفي مثل ذلك المكان كانت تباع الجوارى ويباع العبيد في أسواق علنية مفتوحة في عهود مضت، وكان البائعون يتفننون في عرض تلك الجواري بما يبلسونهن من الحلى والزينات

فإذا سار الترام قليلاً وجد المشاهد نفسه أمام "قبة المهدي" ورأى تلك القبة مهدمة مهدودة كما رأى الجاع الواسع الكبير الذي بناه الخليفة عبد الله لكي يصلى فيه المصلون أيام الجمع والأعياد فوقف هنيهة يذكر عهداً مضى بخيره وشره، وخالجة شئ من إحساس (الزمان) الذي لا يبقي على شئ إلا مسخه، وتركه باهتاً شائخاً بعد أن كان كله رونق وشباب.

وهنا يذكر الإنسان قصة ويذكر تاريخاً ويذكر حروباً أقامت عهد المهدية وتخللته وقضت عليه أخيراً....
وربما يرى في الشارع القائم بين ذلك الجامع وبين طريق الترام صبياً واضعاً رجل على رجل في حماره القصير وهو يمشي في طريق معاكس للترام ساهم النظر، مفتوح الفم، ينظر إلى بعيد من الآفاق ويغمغم بنغمة حزينة ملؤها الشجو والفتور ناسياً نفسه ناظراً في حوله نظرة الحالم الناسي.

ذلك مشهد لن تخطئة قط في شوارع أم درمان، حركة خفيفة ساهية، وغناء كئيب حزين، كأنما يستعيد قصة مضت، ويحكي رواية مجد وبطولة عفى عليها الزمان، ودالت عليها الحوادث كما تدول على كل عزيز على النفس حبيب إلى الفؤاد ولم تبق على شئ سوى الغناء والسهوم الكئيب.

وفي ذلك المنظر يتجسم تاريخ أمة، ونفسية شعب، رمت به الطبيعة وسط ذلك الجو المحرق، وتركت له صفات الصدق والبساطة في عالم لا بساطة فيه ولا صدق، هو شعب من بقية أمم مجيدة طيبة الأرومة، إضطره الكسب والمعاش أن يهاجر إلى تلك البلاد ذات السهول الواسعة والصحراء المحرقة، فكان تاريخه مأساة تتبع مأساة، وماضية كله الجرم والإثم، وهؤلاء المهاجرون من أذاقوا السكان الأصليين الألم وساموهم الخسف والعذاب، كرت عليهم النوبة من أمم أخرى فكان نصيبهم التعب والخوف، وإذا كل السكان سواسية أمام عوامل الجو ودواعي الملل والسأم، ومغريات الشعر والذكر وويلات الفقر، وإذا بكل تلك العوامل المختلفة تترك طابعاً خاصة في نفوسهم وسمات خلقهم، وسحنات وجوههم لا يخطئها الناظر العارف، ولا تقل الدلالة والشاعرية والحزن الكظيم على تلك الخصائص التي يراها الإنسان على وجه الرجل الروسى الحزين.

وأبلغ ما يدل على تلك النفسية وذلك الخلق الأغاني الشعبية التي يرددها الكل، من أكبر كبير إلى الأطفال في الطرقات والشوارع، بل أنني لا أعرف شعباً فتن بأغانيه وأعجب بها فتنة السوداني وإعجابه بها، فأنت تجد الموظف في مكتبه ، والتاجر في حانوته، والطالب في مدرسته والشحاذ والحمار والعامل والمزارع والطفل الذي لم يتجاوز الثالثة ومن إليهم كلهم يغنونها، ويرددونها في كل ساعة وكل مكان، ويأخذون من نغمها وإيقاعها معينا لهم يعينهم على العمل ويلهب إحساسهم بدواعي النشاط والتيقظ الشاعر، بل بلغ إفتتانهم بها أن الرجل ربما يشتري "الاسطوانة"، الغنائية بعشرين قرشا وهو لا يملك قوت يومه، وقل أن يمر الإنسان بأي شارع من شوارع ام درمان ألا ويعثر على إنسان أو جماعة تدمدم بتلك الأغاني في شبه غيبوبة حالمة، وصوت باك حزين..

والأغاني لا يمكن أن تذيع في أمة مثل هذا الذيوع وتحظى بمثل هذا الإنتشار إذا هي لم تعبر عن نفسية الأمة أتم تعبير...

 وأغرب من ذلك وأدعى للدهشة أنهم يرقصون على تلك الأغاني الحزينة الكئيبة ولا يرون فيها حزنا، ولا كآبة، لاعتيادهم سماعها وإرتباطها الوثيق بحياتهم، فإذا غنى المغني قائلا (يا حبيبي خائف تجفاني)، وكان هذا المقطع الأخير الذي يرددونه مثل الكورس، المسرحي وغناها المغني بصوت عالي وترديد شجي ناعم، طرب الكل، واشتد الرقص، واشتعل النظارة حماساً، ونسى كل نفسه، في موجه طرب راقص، فيعرف المشاهد أن هذا الشعب قد وطد نفسه على قبول الحياة، كما هي في غير مأثورة وكان له في آلامه الدفينة البعيد القرار نعم السلوى، عن الحاضر، ونعم العزاء، عن الآلام والمتاعب، وتلك هي نعمة الاستسلام والحنين، ومظهر الاستهتار بألم طال، وتأصل فأنقلب فرحا ونعيماً!!.

ونفوس السودانيين، واضحة، واسعة، وضوح الصحراء، وسعتها، وخلقهم لين صاف، لين ماء النيل، وصفاءه، وفيهم رجولة تكاد تقرب من درجة الوحشية، وهم في ساعات الذكرى والعاطفة يجيش الشعور على نبرات كلماتهم، وسيماء وجوههم، حتى تحسبهم النساء والأطفال، وتلك ميزات لا مكان لها في حساب العصر الحاضر، وإن كان لها أكبر الحساب في نفوس الأفراد الشاعرين وفي تقدير الفن والشعر والحضارة.

 **-**

المصادر: 

* "أم درمان: مدينة السراب والحنين"، المنشورة في جريدة مصر العدد 1030 - 17 أكتوبر 1931م.

 ** اللوحة للفنان التشكيلي السوداني صالح عبده

***للتعرف أكثر على الكاتب:

https://tasnimtahaa.blogspot.com/2021/01/blog-post.html

الثلاثاء، 10 يوليو 2018

ملكة الدار محمد عبد الله … أول قاصة وروائية سودانية



في 18 سبتمبر 1920 أبصرت الأديبة (ملكة الدار) النور في حي القبة بمدينة الأبيض حاضرة كردفان، تلك المدينة الوديعة التي أحبها الكثيرون فأطلقوا عليها تحببا اسم (عروس الرمال) نظرا لكثبانها الرملية الساحرة التي تحيط بها. في هذا الحي الذي يعتبر أحد أشهر أحياء المدينة حيث يقع ضريح الشيخ إسماعيل الولي مؤسس الطريقة الإسماعيلية، نشأت الطفلة (ملكة الدار) وأذانها مشّنفة بترانيم المدائح النبوية وحلقات الجذب الصوفية التي كانت تفعل فعلها في الحضور فاكتسبت في لا وعيها شيء من تلك الجذوة حيث الاستغراق والتأمل. لقد قادها ذلك لاحقا إلى التطلع إلى معرفة كنه الأشياء وغرس فيها حب التعلم والتعليم ، ساعدها على ذلك والدها الذي لم يكن لحسن حظها رجلا متزمتا بل كان رجلا مستنيرا ، حفظ القرآن وأدرك شيئا من علوم النحو واللغة فعلم أن في ابنته نباهة وطموحا فشجعها على التعليم في وقت كان ذلك امرا عصيا بل غير مستحب بأن ترسل الأسر فتياتها إلى المدارس في ذلك الزمان أي في النصف الثاني من عشرينات القرن الماضي، شيء أشبه ما يكون بالسباحة عكس التيار، لكن الأب آزر ابنته وحقق رغبتها، فالتحقت بداية بخلوة الشيخ إسماعيل الولي لحفظ القرآن ثم مدرسة الأبيض الأولية ثم التحقت بكلية المعلمات بأمدرمان لتبدأ حياتها العملية مدرسة للبنات، ثم استطاعت بمجهوداتها الخاصة من أن تحسّن من لغتها الإنكليزية من خلال المراسلة ثم إتقانها لها عبر التخاطب والتخالط مع المعلمات الإنكليزيات اللائي كن يعملن في مدارس الأبيض يومها .
في حقبة الأربعينات بدأت تتكشف موهبة (ملكة الدار) في الكتابة الأدبية خاصة في مجال القصة القصيرة كنتاج طبيعي لاهتمامها وشغفها بالأدب وقراءة القصص والادب العربي بشكل عام، لتكون لها الريادة في هذا المجال كأول قاصة سودانية، في تاريخ ليس ببعيد عن (معاوية محمد نور) صاحب أول قصة قصيرة مكتملة في بنائها الفني بحسب دكتور / مختار عجوبة وهي قصة (إبن عمه) التي نشرت في السياسة الأسبوعية في مايو 1930 والتي أتبعها بقصة (إيمان) التي نشرت في ذات الجريدة في سبتمبر من نفس العام.
في فترة الأربعينات ومع زخم الحراك الذي أفضى إلى ظهور نواة أول إتحاد نسائي، تدفع (ملكة الدار) بإنتاجها الأدبي إلى القراء، مجموعة قصصية كتبت بأسلوب شيق وسلس يثبت أن في نفس هذا العمل روح أديب اريب . تقدم (ملكة الدار) ثلاثيتها : (حكيم القرية) ، (المجنونة) ، (متى تعودين ).
تفوز (حكيم القريـة) بجائـزة مسابقة الإذاعة السودانية للقصة القصيرة عام 1947، قصة تنقل في سرد شيق صراع الثنائيات : العلم والخرافة، الخير والشر والنهاية التي ينبغي أن تكون أي انتصار العلم والخير، بينما تفوز قصتها الثالثة بالمرتبة الثانية في مسابقة ركن السودان من القاهرة في وقت لاحق ، غير أنه حري بالقول هنا أن إرهاصات موهبة (ملكة الدار) الأدبية بدأت قبل ذلك بمقالاتها النقدية الرائعة التي كانت تنشرها على صفحات جريدة (كردفان) التي يرأسها الفاتح النور . إن موهبة (ملكة الدار) لم تكن يوما موضع شك فقد أثنى عليها أساتذة أجلاء أمثال الراحلين: محمد عبد القادر كرف ومصطفى شرف وأمنّوا على امتلاكها ناصية اللغة وعلى إمكانياتها الفنية في الحبكة الروائية ، إضافة إلى أسلوبها الشيق في السرد وإيراد الصور الفنية المحكمة.
في المقابل وبفضل تنقلها في عملها في كثير من أرجاء السودان: سنجة في النيل الأزرق ، كسلا في الشرق ، مدني في الوسط ، أمدرمان العاصمة الوطنية، ثم الدلنج في الغرب ، استطاعت (ملكة الدار) أن تقترب أكثر وأكثر من تفاصيل المجتمع وأن تفجر طاقاتها المكبوتة من خلال اقتحامها العمل الاجتماعي فأقامت الندوات والمحاضرات عن العادات والممارسات السيئة في المجتمع السوداني مثل الخفاض الفرعوني والشلوخ وغيرها ، مبصّرة الناس بأضرارها ونتائجها الكارثية ، فاكتسبت لقاء ذلك أرضية صلبة ومؤيدون كثر ، خاصة وأنها كانت تخاطب الناس بلغة سهلة مفهومة دون استعلاء أو صفوية فكان أن ساهمت بشكل أو بأخر في خلق الوعي بين نساء ذلك الزمان. لقد ساعدها ذلك الاقتراب والالتحام مع مجتمعها من أن يتشكل في ذهنها روايتها القادمة.
(الفراغ العريض) رواية استوفت كل الشروط والمعايير التي تجعل منها رواية كاملة ومع أن الرواية تنتمي في ذاتها إلى جنس السير الذاتية ، إلا أنها استطاعت بمهارة ومن خلال السرد بضمير المتكلم والمخاطب والغائب أن تقدم نوعا راقيا من الحكي المتعدد الأصوات ، تناولت فيه الوضع الاجتماعي للمرأة في ذلك الزمان والقيود التي كبلتها والعقبات التي كانت تواجهها ولا حاجة هنا للقول بإن هذه الرواية قد سبقت بها (ملكة الدار) روادا للقصة والرواية من الرجال امثال (أبوبكر خالد : بداية الربيع ) و (خليل عبد الله الحاج : إنهم بشر) الذين صدرت أعمالهم في النصف الثاني من الخمسينات . هنا المقطع الأخير من خاتمة الرواية:
(ومادت الأرض تحت قدميها فاستندت إلى الجدار السميك وأحست بعزلة قاتلة وحاجة شديدة للبكاء بل للصراخ، ودت لو تصرخ وتمــلأ الدنيا صراخا فلم تستطع وأرادت أن تجري وراء العربة في الشارع ولكن قدميها مسمرتان إلى الأرض وهي مشدودة إلى الجدار وبعد لأي وقد تقدم الليل، استطاعت أن تتحرك وأخذت تسير في اتجاه بيتها بخطى مضطربة والدنيا مظلمة في وجهها والمرئيات تدور أمام بصرها وتدور ونفسها كسيرة وقلبها مجروح والفراغ عريض) ص 200 .
في تناوله للرواية يقول محمد الفاتح أبوعاقله في مدونته (مطر وقوس مطر):
(عندما تقرأ هذا النص تقف شخوص الرواية أمامك بكل مكنوناتها ولا يكون دورك سالبا بل تقوم بردم الفجوات والمشاركة في تخلق تلك الشخوص استنباطا وكشفا) ثم يواصل (لقد وظفت ملكة الدار محمد اللغة في رواية الفراغ العريض توظيفا جماليا وتمكنت من المزاوجة ما بين المحكي اليومي والالفاظ المعجمية المدرسية الفصحى في سبك من السرد السهل الميسور دون معاظلة وتعقير). لقد قدمت (ملكة الدار) نموذجا فريدا مخالفا لكل التوقعات فقد كان الفهم السائد يومها أن المرأة لا تستطيع أن تسهم في رفد العمل الثقافي لما تمر به من ضغوط اجتماعية عصية لكنها خيبت ظن هؤلاء ومن راهن على ذلك الخيار.
يختتم (أبوعاقله) تناوله للرواية بالقول بأنها لم تجد حظها من البحث والمناقشة والمدارسة وأن الحكم عليها لم يتعد قوالب النقد الجاهزة بناء على فرضية الحقب التاريخية التي لا ترى في القديم ما يشي بملمح من التكنيك الذي يمكن أن ينسب إلى الراهن من التاريخ .
إن قصص (ملكة الدار) في الأربعينات وروايتها (الفراغ العريض) في أوائل الخمسينات تضعها في الواقع ضمن أول عشرة رائدات كتبن القصة والرواية على مستوى العالم العربي ، مع العلم أن التوثيق للقصة والرواية العربية النسائية عموما يبدو غامضا وفيه كثير من الالتباس فهناك العديد من الأسماء التي برزت ضمن السياق التاريخي لهذا النوع من الأدب دون أن يتم التعرض لأعمالها أو التحقق من تواريخ ظهورها ومن هذه الأسماء : زينب فواز، عفيفة كرم ، لطيفه الهاشم وغيرهن ولكن مع وضع هؤلاء في الاعتبار فإن (ملكة الدار) ليست بعيدة بأي حال عن هذه اللائحة الشرفية. صحيح أن إنتاج (ملكة الدار) لم يكن غزيرا لكنه أسس لتاريخ القصة والرواية في هذا البلد ومهّد الطريق لشيوع هذا النوع من الأدب فكان أن جاء – وإن كان من بعد غياب-روائيات حملن الراية وأبلين بلاء حســنا أمثال: زينب بليل، بثينة خضر، نائله فزع وأخريات ربما لا تستحضرهن الذاكرة الآن .
لقد كان إيمان (ملكة الدار) بالأدب كقضية إيمانا عميقا بحيث أنها ظلت وفية لخدمته في كل محفل وقد قادها حبها للأدب إلى ارتياد الندوة الأدبية التي أسسها الراحل (عبد الله حامد الأمين) وهي الندوة التي كان يرتادها النخبة من الادباء والشعراء في ذلك الزمان حيث كانت محل الاحترام والتبجيل من الجميع. هنا صورة تقريبية رسمتها إحدى تلاميذتها للمعلمة (ملكة الدار) . تقول بدور عبد المنعم ( ورغما عني يقفز إلى الخاطر وجه داكن السمرة تطل منه عينان ما أن تنظر اليهما برهة حتى يعتريك إحساس غريب هو مزيج من الشفافية ورهافة الحس والطمأنينة ، إنها المعلمة الأولى – ملكة الدار محمد – التي أرضعتني ورفيقاتي عشق اللغة العربية شعرا ونثرا ) .
إن موهبة (ملكة الدار) لم تقف عند كتابة القصة والرواية بل كانت لديها مواهب أخرى مثل تلحين الأناشيد المدرسية بجانب حبها للغناء، كما أن الكثيرين قد لا يعلمون بأنها كانت عازفة بارعة على البيانو والمزمار في وقت كان من الصعب فيه إن لم يكن من النادر العثور على آلة مثل البيانو في ذلك الزمان ناهيك عن التعلم والعزف عليه. لقد ترقت (ملكة الدار) في عملها حتى وصلت درجة (مفتش تعليم) واستمرت في نشاطها العملي والأدبي حتى توفيت في 17 نوفمبر 1969، مخلفة وراءها عملا أدبيا ثمينا وضعت به بصمتها على دفتر الأدب السوداني، أمر يستحث الجهات المعنية إلى تبني جمع وإعادة طباعة جميع أعمالها القصصية والروائية والنقدية في مجلد واحد حتى يسهل الرجوع إليه وإتاحة الفرصة للأجيال القادمة للتعرف عن كثب على أعمال هذه الرائدة الرائعة التي تفوقت في مجالي القصة والرواية.
***-***
نُشر في مجلة جنى،
لقراءة المقال من مصدره: 

السبت، 2 ديسمبر 2017

Âmes sœurs

 écrit par/Tasnim TAHA



Sans rendez-vous, elles se sont rencontrées et dans une réalité hasardeuse.

Sans langage, elles se sont confessé la pénibilité de leur errance et leur recherche réciproque.

Sans étreintes, elles se sont entrelacées pour renifler cette agréable odeur d’une retrouvaille soudaine.

Sans voix, elles se sont crié avec joie: on se connait...on s’est déjà vu !

Comme deux papillons rêveurs, elles se sont pris par la main en s’envolant plus loin sur les fleurs de printemps pour apporter ce merveilleux parfum. Et sans craindre de tomber ou de se brûler, elles se sont jetées dans la flamme de la beauté de leurs touchantes retrouvailles.

Sans réfléchir et contre leur gré, elles ont suivi cette attirance d'un regard magnétique qui les a amené vers le font de l’océan pour leur raconter des belles choses non dites. Et elles n’avaient que croire à cette belle destinée qui leur a confié discrètement que les yeux ne peuvent pas mentir puisqu’ils sont le miroir des secrets.
Mais hélas !

Un gardien farouche se met devant elles en criant : Arrêtez-vous ! Ce ne se fait pas que vous vous tenez compagnie de cette façon. Vous n’avez pas le droit de suivre ce chemin et il faut respecter les codes !

La voix du conservateur était haute, la menace faisait peur: le bourreau est sans pitié.

Elles freinent. S’arrêtent. Se regardent. Hésitent. Espèrent. Reculent. Lui donnent la raison et décident. Elles se séparent. Elles saignent. La distance les dévore. Elles s’interpellent. Les voix meurent dans leurs gorges. Elles Se manquent. Se communiquent par télépathie.

Elles Souffrent.

C’est dur.

Coriace.

Frustrant.

Mais la loi est la loi.

N’acceptant pas ces délires ni ne comprenant pas à cette langue sans dictionnaire logique, le cerveau n’a qu’une seule religion à qui il croit : la programmation. Et toute action ne répondant pas à sa fameuse question « pourquoi » est caduque et toute voix chuchoté est à se faire étrangler.

Cependant....
Les belles âmes ne perdent jamais la résonance de leur voix et noble sera leur lutte pour tenir cette sacrée existence.
Dans la douleur, elles persévéreront pour ne pas laisser leur unique chance se faner par les profanes. Et telle qu’une fumée n’ayant qu’une seule fatalité que d'être vue, elles finiront par triompher.
Heureuses sont les âmes qui peuvent être soi-même en écoutant leur voix intérieure. Ce sont elles qui vont renaître dans la paix et sans crainte, elles ils vaincront tout obstacle venant d’une programmation antérieure.

Ce sont, elles, les seules qui ne regretteront aucune fuite de temps, aucune omission ni aucune inattention.

 

**-**

Paris/ 2 décembre 2015

08:53

مَوْسِمُ العَوْدِة إلى الشَّمال

قِصَّة قَصِيرة: مَوْسِمُ العَوْدِة إلى الشَّمال