الاثنين، 18 يناير 2021

فن اليوميات: كتابة التجارب الفارقة

 بقلم/كمال الرياحي



يمثل فن اليوميات أحد أهم الفنون التعبيرية العريقة في الثقافة الغربية، ويعتبر الأكثر تداولا بين الناس من فنون أخرى حتى وصف بأنه أكثر الأنواع ديمقراطية لعدم اشتراطه في من يمارسه سنا معينة أو علما أو انتماء لطبقة اجتماعية بذاتها، وقد انتشر هذا الفن بين الكتاب والفنانين والسياسيين وتلبس بأساليبهم وتنوع بحسب انتماءاتهم الايديولوجية والثقافية وتجاربهم الخاصة

وقد تجاوز هذا النوع من الأداء الكتابة لما هو أشمل منها ليقبض على كل أدوات التعبير الفني الأخرى من رسم وسينما ومسرح.

ولكن في المقابل ظل هذا النوع من الممارسة التعبيرية غير رائج في الثقافة العربية. ويرجع بعض النقاد عدم الرواج إلى أسباب كثيرة منها صلة هذا النوع بثقافة الاعتراف المسيحية باعتباره واحدا من فروع الكتابة عن الذات.

وهذه الندرة لهذا النوع عربيا انجر عنها غياب شبه كلي للاهتمام به نقديا فلم تظهر بحوث جادة تناقش هذه الممارسة الفنية لعقود خلت.

غير أن اهتمام دور النشر اليوم بهذا النوع من الممارسة الفنية واطلاق بعض المؤسسات الثقافية العربية، الخاصة والعامة، جوائز بشأن هذا النوع حرك الأقلام النقدية وبدأنا نسمع عن شروع بعض الباحثين في العمل على مدونة اليوميات والمذكرات بعد أن حظيت السيرة الذاتية وما جاورها ببحوث كثيرة أواخر القرن العشرين وبداية هذا القرن

أسلوب حياة أم حالة طارئة؟

تنقسم اليوميات حسب رؤيتنا إلى نوعين:

1-     نوع أول ما يمكن أن يسمى ب"أسلوب حياة" حيث يختار الكاتب أن يعيش كاتبا لليوميات وتصبح ممارستها شيئا ملزما في حياته لا ينقطع عنه إلا ليعود إليه وهذا ما نجده عند عدد من الكتاب شكلت اليوميات وجها من وجوه هويتهم الابداعية، ونمثل لهؤلاء بالكاتبة الفرنسية الأمريكية "أنييس نن" التي قضت حياتها كلها تكتب اليوميات لتترك مجلدات كثيرة والكاتب البلجيكي الشهير جورج سيمنون والذي جعل، بدوره، من اليوميات مشروعا حياتيا مواز لمشروعه الروائي في الرواية البوليسية وكان ينشر كل مرة كتابا في اليوميات عن تجربة معينة أو فترة معينة من حياته.

2-    أما النوع الثاني، وهو الأهم، فهو اليوميات الطارئة على الحياة وعلى المشروع الأدبي أو الفني حيث تنطلق من تجربة مخصوصة وجد فيها الكاتب نفسه؛ تجربة فارقة مثلت تحولا في حياته أو قطيعة أو حدثا جللا لا ينسى.

وقد أكدت الناقدة الفرنسية هيلين كاماراد في مؤلفها "كتابة المقاومة، اليوميات الحميمة تحت الرايخ الثالث " أن الحالات الفارقة التي يعيشها الكاتب تكون عادة دافعا لشروعه في كتابة اليوميات الحميمة. وبتأملنا في عدد مهم مما وقع تحت أيدينا من اليوميات العالمية والعربية وجدنا أن حالات اللاسلم و"اللاطمأنينة" هي التي دفعت أغلب الكتاب لخوض مغامرة تسجيل اليوميات.

ونستحضر من اليوميات العالمية في هذا النوع " يوميات أنا فرانك" في الحرب العالمية الثانية و"يوميات الحداد" لرولان بارت إثر موت أمه أو يوميات المجندين والمحاصرين والمساجين من الأدباء والفنانين وغيرهم الذين أقدموا على كتابة تجاربهم يوما بيوم ولم تكن تلك اليوميات تخطر ببال الواحد منهم قبل مروره بتلك التجربة.

ومن ثمة فالمشترك بينهم جميعا هو هذا الطارئ الذي يسمى "التجربة الفارقة".

ويلاحظ أن هذه التجارب الفارقة هي نفسها تنقسم إلى نوعين كبيرين تجارب جماعية وأخرى فردية.

ففي التجارب الجماعية أو المشتركة يمكننا أن ندرج يوميات؛ الحروب والحصار والثورات والانتفاضات أما ضمن التجارب الخاصة والفردية فيمكن أن ندرج فيها تجارب المرض والمنفى والاعتقال والفقدان والابداع.

والمتأمل في المدونة العربية لليوميات من بداية القرن العشرين إلى اليوم يلاحظ أنها الفترة المفصلية في تشكيل المشهد الجيوسياسي العربي وتشكل الوعي لدى هذه الشعوب العربية التي يعكسها ويسجلها صوت كاتب اليوميات. وهذا ما يكسب هذه الدفاتر، على قلتها قيمة استثنائية في رصد الوعي والتأريخ له وللأحداث لا من خلال الخطاب التاريخي الرسمي بل من خلال الخطاب الذاتي الفردي لصاحب التجربة؛ الكاتب والفنان.

ولأن هذه التجارب المنشورة في أغلبها كتبها كتاب وفنانون فهي خطابات نخبة عن تجارب خاصة وعامة ومن هنا تكتسب هذه الدفاتر أهمية أخرى في قراءتها بصفتها أعمالا

اليوميات فن الخطر

كتابة اليوميات هي في وجه من وجوهها تمرّد على الذات باعتبارها مؤسسة فرضت ضوابط حضورها الذي تواجه به الناس والعالم وكتابتها بطريقة أخرى غير التي تظهر بها هو تمرّد على قوانينها التي وضعتها بنفسها. ومن ثم فالذات الكاتبة تصبح في مواجهة أولى للذات المكتوبة نفسها التي ستتصدى لها بالتمنع وبردود أفعال أخرى مختلفة لردّها على ما عزمت عليه: الاعتراف.

فاليوميات تقترب من" الاعترافات، ويعد أدب الاعترافات من أهم الأجناس الأدبية، الحميمية، وهو بمثابة المراجعة للذات الإنسانية أو للتأمل فيها، أو التفكر فيما علق بها، أو فيما عاشته تلك الذات من تجارب، وقد وجدت نفسها مجبرة على كتمانه أو على إعلانه بطرق رمزية شتى، فإذا الكتابة تتأتى لإعلانه على حقيقته" .

وتستجير الذات المكتوبة باستحضار ترسانة من الموانع والمحظورات لتوقيف جنون الذات الكاتبة، ومن تلك الموانع الحرام الديني والعيب الاجتماعي ونواميس الحياة والقوانين الأخلاقية وطبيعة الحميمي واكراهاته والأسرار العليا و"واجب التحفظ "إن كانت الحوادث تهم الأسرة أو المؤسسة أو الوطن أو حتى الكتابة نفسها. ومن ثمة يعلو منسوب أسباب الإحجام عن ممارسة كتابة اليوميات من خطر الجرأة والفضيحة إلى تهمة الخيانة والوشاية والقتل العمد، فتحويل الأسرار من طابعها الشفوي إلى المكتوب يفضحها أو يضعها موضع خطر قد يهدد بقاءها سرا حتى لو لم يفكّر كاتب اليوميات في افشائها عبر النشر، وهنا يمكن أن نفهم ما أقدم عليه بعض الكتاب من حرق يومياتهم بعد أن باشروها ولنا في الأدب العربي الحديث عباس محمود العقاد، الذي أتلف يومياته الخاصة، مثالا

وفي حديث له عن اليوميات ميز بين نوعين من اليوميات أو المذكرات كما يسميها؛ المذكّرات التي تقتصر على الفكر والقراءة وهي التي كتب فيها ونشر الكتب. والمذكرات الأخرى المتعلقة بحوادث الحياة فيقول

-        "أما النوع الآخر وهو المذكرات عن حوادث الحياة وعوارضها فلم أشرع في الكتابة فيه إلا مرة واحدة طالت بضعة شهور، ثم مزقت ما كتبت وأحرقته ولم أعد إلى تجربة الكتابة في هذا النوع مرة أخرى، ولعلي لا أعود."  

وقد استدرك العقاد بأنه لا يحكم على أدب اليوميات كله بالتمزيق والإحراق كما فعل، بل يعترف بأن الموانع هي التي دفعته لذلك تبقى ذاتية وموضوعية فالمحظورات التي منعته من الكتابة وتمزيق ما كتبه مختلفة عن حدود الكتابة ومحظوراتها عند غيره

وأبان العقاد عن معرفة دقيقة بفن اليوميات في الغرب عندما أشار إلى ازدهاره عند الشعوب الأوروبية والإنجليز تحديدا. ولكنه يتجنبه لأسباب أخرى غير أدبية، فهو يصفه بأدب اليوميات وهذا دليل على أن العقاد يجل هذه الكتابة على عكس الآخرين الذين يعتبرونها كتابة أقل درجة من الأدب.

واعتبر العقاد أن ذلك النوع أنفع للمؤخرين والعلماء والمحللين وغيرهم من الناس العاديين فأولئك المختصين تساعدهم اليوميات على معرفة الفترات التي عاشها كاتب اليوميات ووثقها والتحولات التي عرفها مجتمعه ... فهذا الأدب، كما يقول، "موضع دراسة المؤرخ والناقد النفساني، والفيلسوف، والباحث العلمي، وكل من تعنيه سير الجماعات والأفراد؛ يشتركون في دراسته وبحثه تارة لبيان الأسباب التي تدعو الناس في فترة خاصة من الزمن إلى تدوين مذكراتهم والعكوف على أسرار ضمائرهم بمعزل عن الجماهير وشواغلهم العلنية، وتارة لتحقيق الوقائع واستكشاف دخائل الرجال، ويأتون في جميع هذه التعليلات والتخريجات بما يلذ الوقوف عليه ويفيد!" 

 بينما غايته التوجه إلى عموم الناس بما ينفعهم في يومياته التي استبعد منها الحميمي والحوادث التي عاشها.

ويعتبر العقاد أن ما دفعه إلى حرق يومياته الخاصة هما أمران الأول أنه لا يعنيه الاعتراف الذي يلمح أنه تقليد غربي مسيحي لذلك انتشرت تلك الكتابة عند الشعوب الأوروبية ضمن تقاليدها اليومية في الذهاب إلى الكنائس للاستغفار.

وثانيا لأنه لا يريد أن يؤذى بسببه أحد إن وقعت تلك اليوميات بين أيدي الذين يستغلونها لأغراض غير نبيلة ولتصفية حسابات مع أشخاص بعينهم، والذين سيجدون اليوميات بما يمكن أن تحمل من أسرار تلك الشخصيات في تقاطع حيواتهم مع حياته، أدلة لضربهم، وهذا ما دفعه إلى التخلص منها.

يجيب عباس محمود العقاد عن سؤال اليوميات من أحمد عبد اللطيف الحضراوي من المعهد البريطاني:

إنني دونت تلك اليوميات لأستعين بها على تاريخ الفترة وتحليل أخلاق رجالها. ثم رأيت في أثناء الثورة الوطنية وبعدها بقليل أن ملفقي التهم ومدبري المكائد يستعينون بأمثال هذه اليوميات على طبخ القضايا وإحراج الأبرياء، وظهر لي أن إثبات ملاحظاتي على رجال الفترة من العسر بمكان مع تعرض اليوميات للمصادرة والسؤال، فآثرت إحراقها أيام اشتداد المحكمات والمصادرات وأحرقت معها رسائل شتى وصوراً وأوراقاً لها في حياتي الخاصة اثر لا يزول، وفاتني بإحراق هذه وتلك نفع كبير في مراجعة الحوادث التاريخية وصيانة الذكريات النفيسة، ولكنه اقل من الضرر الذي كنت متعرضاً له ومعرضاً له غيري لو أبقيت عليها وحدث ما كنت أتوقعه بسبيلها

ومن خلال هذا المثال الحي نلاحظ بعض أشكال المقاومة التي تبديها الذات موضوع الكتابة لتقي نفسها من خطر الانكتاب، فالكتابة تتحول إلى جرم وارتكاب معصية ذاتية وأسرية واجتماعية ووطنية وتحريض ووشاية. وتجنبها هو عمل أخلاقي بالأساس يمنع الطغاة من ممارسة قمعهم ويحفظ أسرار الآخرين. فكيف يمكن للكاتب أن يتخلص من كل هذه المحظورات ليكتب يومياته؟ ومن أين يستمد مشروعيته لكتابتها؟ 

إن اقدام كاتب اليوميات على كتابة ذاته هو شأن فردي وهو شأن نفسي يتعلق بإحدى أشكال التصالح مع الذات من ناحية وشكلا من أشكال اثباتها بتوثيق تجربتها في الحياة وتقصي أثرها. فالحياة ليست سوى سلسلة من الآثار يوقعها المرء بجسده وفعله وقوله وفكره. ومن ثمة فجر تلك التجربة إلى التدوين هو اختبار وجودي للذات الكاتبة لتتعرف على نفسها.


 ---------------------------------------------------

نُشر في موقع رصيف 22، بتاريخ 26 سبتمبر 2021.

*لقراءة المقال من مصدره:

فن اليوميات... كتابة التجارب الفارقة - رصيف 22 (raseef22.net)


**لزيارة صفحة الكاتب:

https://www.facebook.com/kamel.r.novelist

الجمعة، 1 يناير 2021

5 روائيين يجيبون عن سؤال: كيف تكتب رواية؟


رغم أن هناك كمًا هائلًا من الكتابات الأكاديمية حول فن الرواية ونقدها وتاريخها، إلا أن أبدع الكتب وأمتعها في هذا الباب هي تلك التي يصدرها الروائيون أنفسهم، لأنهم حين يكتبونها يمزجون في بوتقة واحدة: الحب والخبرة، فتكتسب اللحظات النقدية مسحة من التشويق لا يمكن أن نجدها في الكتب ذات الطابع الأكاديمي الصارم، وتصبح شهادات الخبرة تلك أشبه بسير ذاتية للنصوص. هنا وقفة مع خمسة روائيين عالميين ممن كتبوا في حب الرواية، ويحاولون إجابة سؤال يتكرر، ببساطته وتعقيده: كيف تكتب رواية؟ 


1- ميلان كونديرا.. كواليس وموسيقى

ربما يكون الروائي التشيكي ميلان كونديرا من أكثر الروائيين الذي تحدثوا وأجابوا عن سؤال "كيف تكتب رواية"، من خلال ما نقرأه في ثلاثيته الشهيرة "فن الرواية"، و"الوصايا المغدورة"، و"الستارة". 

كونديرا في كتبه تلك يقيم علاقات غريبة بين البناء الروائي والبناء الموسيقي، كما يكشف ملامح خفية من أسرار نصوصه، فيبدو في الوقت الذي يحاول أن يقول فيه رأيه في الرواية ككل يقول أسرار مطبخه ورواياته.

في كتاب "فن الرواية" الذي كتبه في 1986، يتحدث عن ثلاث نقاط تتعلق بآلية كتابة الرواية الأوروبية، في الفصلين الأول والسابع يتحدث كونديرا عن فن الرواية الأوروبية، بينما كان الفصلان الثاني والرابع مخصصين لحوارين أجراهما كونديرا، يتحدث في الأول عن فن الرواية، وفي الحوار الثاني عن فن تأليف الرواية، وكيف تكتب رواية. أما الفصل السادس فهو قاموس شخصي يتضمن واحدًا وسبعين كلمة، الفصول الثلاثة السابقة تتحدث عن التجربة الروائية الشخصية لصاحب "كتاب الضحك والنسيان"، أما الفصلان الثالث والخامس فخصصهما لدراسة التجربة الروائية لكل من فرانز كافكا وهرمان بروخ.


 

2- غابرييل غارسيا ماركيز.. دزينة أحلام

لم يكتب ماركيز كتابًا مكرسًا للرواية، لكنه فعل ذلك في مقالات متفرقة، قام صالح علماني بجمع دزينة منها تحت عنوان "كيف تكتب الرواية؟" وهي مقالات نُشرت في فترات متباعدة في عدد من الصحف الأمريكية اللاتينية والإسبانية.

يوجّه ماركيز حديثه إلى الكتاب المبتدئين الراغبين في كشف السر عن سؤال "كيف تكتب رواية"، وهو يعني بذلك من يعتقدون أن "الأدب هو فن موجه لتحسين العالم"، أما الآخرون الذين "يرون أنه فن مكرس لتحسين حساباتهم المصرفية فلديهم معادلات للكتابة ليست صائبة وحسب، بل يمكن حلها بدقة متناهية وكأنها معادلات رياضية".

وعن آلية الكتابة الروائية يرى ماركيز صاحب "مائة عام من العزلة" أنّ "القصص القصيرة أمر لا مناص منه، لأن كتابتها أشبه بصب الإسمنت المسلح. أما كتابة الرواية فهي أشبه ببناء الآجر. وهذا يعني أنه إذا لم تنجح القصة القصيرة من المحاولة الأولى فالأفضل عدم الإصرار على كتابتها. بينما الأمر في الرواية أسهل من ذلك: إذ من الممكن العود للبدء فيها من جديد. وهذا ما حدث معي الآن. فلا الإيقاع، ولا الأسلوب، ولا تصوير الشخصيات كانت مناسبة التي تركتها نصف مكتملة. وتفسير هذه الحالة هو واحد أيضًا: فحتى أنا نفسي لم أقتنع بها".

بالإضافة إلى كل ما يقدمه "غابو" من أفكار ثاقبة، تحضر في مقالاته هذه روحه الصاخبة التي نقرؤها من خلال ولعه بالرواية اليابانية، وتمنيه لو أنه صاحب رواية "الجميلات النائمات" التي حاكاها في روايته "ذاكرة عاهراتي الحزينات". كذلك تحضر روح السخرية والتهكم في مقال "بيجي أعطه قبلة" و"الريف: ذلك المكان الرهيب حيث الدجاجات تمشي نيئة". قراءة أعمال ماركيز ومقالاته شرط لا غنى عنه لكل باحث عن سؤال: "كيف تكتب رواية". 


 

3- ماريو بارغاس يوسا.. دودة الكتابة الشريطيّة

في كتابه "رسائل إلى روائي شاب"، يقدم ماريو بارغاس يوسا من خلال اثنتي عشرة رسالة إلى روائي شاب مفترض طرقًا مختلفة يمكن استخدامها في الكتابة الروائية، مستشهدًا بنماذج مختلفة في أسلوب روائيين عالميين، من خلال الأسلوب والزمن والمكان والواقع الروائي، ليساعد في تقديم إجابة شبه شافية عن سؤال الكتاب الشباب عن "كيف تكتب رواية". 

يصف يوسا في رسالته الثانية طريقة كتابة الرواية بأنها "تعادل ما تقوم به المحترفة التي تخلع ملابسها، أمام الجمهور، حتى تظهر جسدها عاريًا. غير أن الروائي يمارس العملية في اتجاه معاكس"، مشبهًا إياه بـ"الكاتوبليباس" المخلوق الذي يلتهم نفسه بنفسه، من حيث أن الروائي يقوم بـ"النبش في تجربته الحياتية الخاصة، بحثًا عن دعائم ومرتكزات لكي يبتكر قصصًا". وعلى صلة بالتشبيه الأخير، يرى يوسا أن الكاتب يجب أن يشعر أن الكتابة دودة وحيدة، تمتص خلاصة حياته.

ميزة كتاب يوسا وإجابته عن سؤال "كيف تكتب رواية" هو أنه ينتمي إلى تطوير إبداعي لكتابات يوسا النقدية التي يكتبها بشكل منهجي كما في كتابه "حقيقة الأكاذيب"، لكنه هنا يتحول إلى ما يشبه راويًا لحكاية وتقنيات الكتابة، بعد اختراع ندّ افتراضي هو القارئ الشاب. وعمومًا يحفل تاريخ الأدب بكتابات إلى شباب، بعضها حقيقي مثل رسائل ريلكه، وبعضها الآخر متخيل مثل قصيدة محمود درويش "إلى شاعر شاب".


 

4- أورهان باموك.. الروايات هي الدرس

يفتتح أروهان باموك كتابه "الروائي الساذج والحساس"، بجملة يعتمدها عتبة أساسية لباقي فصول الكتاب، يقول فيها "هذا الكتاب هو كل متكامل يضم معظم الأشياء المهمة التي عرفتها وتعلمتها من الرواية". يستعير باموك عبارة "الساذج والحساس" من الألماني شيلر، ويعني بها الموهبة والصنعة، والروائي الجيد بالنسبة له من يجمع بين الاثنين. يعتمد باموك في كتابه على العديد من الأسماء الروائية مثل فرجينيا وولف، وفلاديمير نابوكوف، وهوميروس، والفردوسي.. وآخرين كثر، لتقديم رؤيته الشخصية للكتابة الروائية مع الشخصيات الأدبية، الحبكة والزمن الروائيين، وطريقة استخدامه الكلمات والصور والأشياء روائيًا، من خلال تجربته كقارئ رواية، وككاتب رواية في الوقت نفسه، ليكون كتابه من أهم ما يلزم الكاتب المبتدئ للبدء في الإمساك بطرف إجابة عن سؤال "كيف تكتب رواية". 

قارن أورهان باموك صاحب "اسمي أحمر" بين الرسم والسينما والرواية، وبين المتحف والرواية. في نهاية الكتاب يقول: "أردت الحديث عن رحلتي الروائية، عن الوقفات التي صنعتها على طول الطريق، ماذا علمني أسلوب وشكل الرواية، عن القيود التي فرضوها عليّ، كفاحي مع هذه القيود وارتباطي بها". لا يجد باموك ما ينصح به الكتاب الشباب الذين يسألونه عن كيف تكتب الرواية إلا أن يقول لهم: "أفضل طريقة لدراسة الرواية هو قراءة روايات عظيمة والرغبة في كتابة شيء مشابه لها".


 

5- أمبرتو إيكو.. جريمة الكتابة

بعد صدور روايته "اسم الوردة" عام 1980، وصلت إلى الروائي الإيطالي أمبرتو إيكو العديد من الرسائل والاتصالات مستفسرة عن العديد من الوقائع والأشياء المتعلقة بروايته التي كتبت بالاعتماد على مجموعة من الوثائق والكتابات المرتبطة بالعصور الوسطى، حيث اعتمد على أدب الجريمة كتكنيك ليخوض رحلة استكشاف كبرى للفلسفة في القرون الوسطى، والتاريخ واللاهوت والمنطق أيضًا. وبسبب إلحاح الرسائل وغزارتها وجد إيكو نفسه يكتب "حاشية على اسم الوردة"، وينشرها في العدد 49 لمجلة ألفابيتا الإيطالية عام 1983. ثم سيتم التعامل مع الدراسة بوصفها كتيّبًا مستقلاً.

يجيب إيكو في هذه الحاشية، على العديد من الاستفسارات التي وصلته حول الرواية البوليسية، وكيف تكتب الرواية من ناحية العنوان والمعنى والسيرورة الكتابية، وكيفية بنائه لعمارته الروائية، وطريقة اعتماده على مراجع ووثائق تعود إلى العصور الوسطى، والحبكة البوليسية التي يصفها بـ "السؤال الأس في الفلسفة (كما في التحليل النفسي، كذلك)، هو نفس السؤال الذي نجده في الرواية البوليسية: من المذنب؟".

يقول مترجم الكتاب سعيد بنكراد في المقدمة: "إن إيكو وهو يحكي سيرورته لا يتوقف عند تأويل أو تفسير لحدث ما، ولكنه يومئ إلى ما يقف خلف هذا الحدث ويحيط به ويبرره ويمنحه معنى: دوافع اختيار هذه الفترة التاريخية دون غيرها، دوافع اختيار المحقق، إحالات على قراءة الإمارات، صراع بين أجنحة الكنيسة، غطرسة التفتيش الكنسي.. إلخ، وهو في كل هذا لا يوحي بأنه يريد أن يضمن نصه معرفة (عالمة)، ولكنه يبث المعرفة في الحدث والشيء والشخصية". 

وهكذا نجد كل كاتب عظيم يقدم إجابة منفردة وفريدة من وحي تجربته الخاصة عن سؤال "كيف تكتب رواية"، وهو سؤال يكون نابعاً من فضول معرفي لدى بعض القراء، كما يكون نابعاً من أمل وحرص من قبل بعض الكتاب الشباب الباحثين عن إشارات تهديهم في تلك الطريق الطويلة للرواية وعالمها الفذ

 ***

نُشر في  ألترا صوت.

لقراءة المقال من مصدره:

https://www.ultrasawt.com/5-%D8%B1%D9%88%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D9%8A%D9%86-%D9%8A%D8%AC%D9%8A%D8%A8%D9%88%D9%86-%D8%B9%D9%86-%D8%B3%D8%A4%D8%A7%D9%84-%D9%83%D9%8A%D9%81-%D8%AA%D9%83%D8%AA%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%8A%D8%A9%D8%9F/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B1%D8%A7-%D8%B5%D9%88%D8%AA/%D8%A3%D8%AF%D8%A8-%D9%88%D8%AD%D9%8A%D8%A7%D8%A9/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9

الأربعاء، 16 ديسمبر 2020

قِصَّة قَصِيرَة: كِسْرَة فَتَرِيتَة

بقلم/تسنيم طه

  

عندما نهض وأمسك بالطنبور، صفق أصدقائه بحماسٍ، تصفيقًا دفع برؤوس المجموعات المجاورة تلتفت نحوهم.

 مجموعاتٌ متنوعة: رجال ونساء وشباب، جاؤوا إلى "الساحة الخضراء" (التي سيتغير اسمها إلى "ساحة الحرية" لما تنجح الثورة بعد عامٍ ونصف)، ليروحوا أنفسهم في الهواء الطلقِ بعيدًا عن ضيق المنازل والشقق وينسوا همومهم ومعاناتهم بسبب تدهور أحوال البلد، وليتناسوا سوء أوضاع المعيشة وغلاء الأسعار ويتشاغلوا عن قهرهم وربط مصائرهم بارتفاع سعر الدولار، ليكفوا ولو للحظات عن تكرار التذمر والشكوى من انتشار البطالة والفقر وهجرة الشباب هربًا من الوضع الاقتصادي الذي أبى أن يتحسن.

بنظرةٍ خاطفةٍ مسح الوجوه حوله، قبل أن يفتتح الغناء:

"بلادي أنا، بلاد ناسًا في أول شيء، مواريثهم كتاب الله

وخيل مشدود، وسيف مسنون حداه دِرِع

وتقاقيهم تسرج الليل مع الحيران،،، وشيخًا في الخلاوي ورِع"

فامتزج التصفيق والتصفير بحماس جوقة الأصوات المرددة معه " ﺑﻼﺩﻱ أنا، ﻳﺎ ﺑﻼﺩﻱ،،،أﻟﻒ ﺗﺤﻴﺔ ﻟﻴﻜﻲ ﻣﻦ ﺍﻟﻔﺆﺍﺩِ"، ليغمره شعور بالزهو، ذكره بعمه الذي علمه العزف على آلة الطنبور تحت أشجار النخيل على ضفاف النيل، فور أخذه لكافلته وهو طفلٌ في الخامسة، بعد استشهاد والده في مدينة كَبُويْتا، في واحدة من معارك حرب الجنوب الأهلية، أعنف وأطول حروب القرن العشرين، راح ضحيتها قرابة مليوني من المدنيين، ونزوح أكثر من أربعة ملايين.

 تشاغل بحنينه القوي لعمه بالترحم على روحه في سره، مجبرًا نفسه على عدم الانغماس في حنين أقوى لجروف البصل والفاصوليا والبامية ونخلات البلح "البَرَكاوي"، حتى يستطيع التركيز في الغناء والتواجد في اللحظة مع أصدقائه.

 لكن ما أن تغنى بمقطع "والله وكم نخلات تهبهب فوق جروف الساب، وبقرة حلوبة تِتْضَرَّع ولِيها ضَرِع"، حتى عاد يشعر بأنهار الحنين تسيل في روحه جداولًا حتى كاد يغرقه فيضانها عند تذكره لطفولته وذكريات لحظات لهوه مع الثيران أثناء دورانها مع السواقي لرفع المياه من النيل وسقاية جروف القرية، حيث رباه عمه.

وكاد يتوقف عن الغناء، عندما أحس بأنه سيقط صريع الحنين، مع سريان قشعريرة في كامل، ما أن تغنى بمقطع:

وساقيةً تَصَحِّي الليل مع الفّجْراوي،،،يِبْكِي الليل ويِدْلِق في جَداوْلو دَمِع،،، يِخَدِّر في بلادي سلام ".

واحتار هو يحاول فهم سبب تضاعف خفقات قلبه، دون أن يدري أيعزيها لكلمة "سلام" التي أيقظت تلهفه لأن يعم السلام بلاده وتتوقف كل تلك الحروب، أم لقوة حنينه لذكرياته مع عمه، ونخلاته وجروف حقوله ورائحة هبوب الولاية الشمالية.

وفي أثناء بحثه لفهم ما اعتراه من اضطراب، لمحها تنهض بأريحيةٍ وتنتصب كنخلةٍ شامخةٍ في وسط الدائرة، قبل أن تتمايل بثقة وجسم لين كغصن شجرةِ بانٍ، بينما ثغرها الباسم يواصل الترديد مع الأصدقاء:

" خُدُرْةٍ شارْبي مُوية النيل،،،تزرد في البوادي زَرِع"

وتضاعفت ضربات قلبه أثناء تفرسه في وجهها، الذي أعملته مَلاحَتَه بأن صاحبته ليست من طلاب كلية الاقتصاد، ولا بقية كليات جامعة الخرطوم المجاورة لقاعات دراستهم، وإلا لما كانت لتمر من أمامه دون أن يلاحظ سحرها. 

وتناسلت الأسئلة في رأسه عن أصلها وفصلها وقبيلتها. وتمنى أن تكون منحدرة، مثله، من قبال النوبة في الشمال، آملًا أن تفهم وتتقبل مغازلته عندما يعبر لها وقوعه في سحر جمالها بكلمة "آشْرِي"[1]

وأثناء انغماسه في حواره الداخلي لإيجاد مدخلٍ لحوارِ مع فاتنته، انتبه أن العيون تحدق في وجهه باستغراب، وبعض الأصوات تتهامس عن سبب توقفه عن الغناء. فأصدر نحنحة لتساعده على الخروط من ثمالته ليواصل الغناء. لكنه اكتشف أن التمعن في جمال الفتاة المتمايلة بلين قد أنساه أين توقف.

في تلك اللحظة، حلقت قريبًا من سماء الساحة الخضراء، طائرة "طيران الخليج" أثناء استعدادها للهبوط في مطار الخرطوم الدولي، فتلاشت في صخب محركاتها ضجة احتجاجات الأصدقاء على توقف الغناء، فوجدها فرصةً لالتقاط أنفاسه، والميل بتردد نحو فاتنته ليسألها عن اسمها. ولما أجابته بدلال "لمياء"، وسمع الجميع إجابتها بعد ابتعاد الطائرة، ليعيد الحياء اليه ذاكرته المسلوبة، ليستأنف الغناء فتستأنف الليماء رقصها المتمايل.

ومع استئناف أجواء الطرب، وملاحظة انضمام شباب من مجموعةٍ مجاورةٍ، كانوا يناقشون رواية "قواعد العشق الأربعون"، إلى مجموعته، غمره شعور بالفخر لرؤيته لحماسهم ومشاركتهم في الترديد التصفيق بانسجام مع أصدقائه، بينما أعينهم ترمقه بنظرات اعجاب. فواصل الغناء بحماسٍ وزهوٍ متلذذًا في نطق كلمات مقطع: "ﺑﻼﺩﻱ ﺍﻟﺠﻨﺔ ﻟﻠﺸﺎﻓﻮها، أﻭ ﻟﻠﺒﺮﺓ ﺑﻴﻬﺎ ﺳِﻤِﻊ،،،بلاد ناسًا تكرم الضيف".

 لكنه لم يكد يُنهي مقطع: ﻭﺣﺘﻰ ﺍﻟﻄﻴﺮ ﻳﺠﻴﻬﺎ ﺟﻌﺎﻥ،،،وﻣﻦ أﻃﺮﺍﻑ ﺗﻘﻴﻬﺎ شِبِع"، حتى تفاجأ بلكمة قوية أردته ساقطًا أرضًا بجوار طنبوره، ومنعته عن من الرد على صاحب الصوت الجهوري الغاضب:

-        يا زول إنت مجنون؟ كيف تغني لبلادك وتقول إنو الطير يجيها "جعان"، والرغيفة بقت بي جنيه؟ هسة عليك الله إنت لاقي عيش تشبع فيهو عشان تفضل منه للطير؟

ولما أفاق من صدمته وفتح عينيه، وجد اللمياء قد راكعة بجواره على الأرض، تطالع بهلعٍ قطرات الدم السائلة من فمه، لتبقع قميصه الأبيض.

-       أنا من العَصُر قاعد أقنع في الشباب عشان يواصلوا المظاهرات احتجاجًا على حالة الغلاة الضاربة البلد. وتجي إنت بي أغنية غبية زي دي تفسد عليَّ كل حاجة؟

غاب عازف الطنبور في عيني اللمياء البندقيتين وهما تطالعانه بخوف، ليدرك عدم استطاعته تلقين هذا المعتدي درسًا يستحقه في وجود هذه الرقة بجواره.

-       ده منو ده؟ وعندك معاهو شنو؟ تحب ننادي الشرطة؟

وقبل أن يجيب على سؤال الليماء، رأى مجوعة من أصدقائه ينهضون مندفعين نحو بالمعتدي، ليحكموا قبضتهم عليه، قبل أن يسألوه: 

-       تحب نسقيهو من نفس الكأس ونسيح ليك دمه؟ أو ننادي الشرطة؟

بصعوبةٍ، نهض العازف بعد أن التقط طنبوره، ثم أدار بصره برهة بين وجوه الأصدقاء المترقبة لإجابته، ووجه الللمياء الهلع، ووجه الجاني المتوعد، قبل أن يطالبهم بهدوء: 

-        فكوه!

-        كيف يعني نفكو؟ ده سيَّح دمك؟ وعايز تسيبوا يمشي بالبساطة دي؟

تجاهل عازف الطمبور جوقة صرخات أصدقائه المستنكرة، والتفت ناحية فاتنته اللمياء، ليزداد شعوره بالزهو عند ملاحظة تضاعف الهلع في وجهها، زهوًا أنساه آلام فكه، دافعًا به لتوجيه كلامه إلى الجاني بنبرة هادئة:

-       ح نفكك عملاً بنصيحة المسيح: " إذا ضربك أحدهم على خدك الأيمن، فأدر له خدك الأيسر"، وقدورة بسيدنا محمد "ص" وترديده للآية القرآنية: "خذ العفو وأمر بالمعروف وأعرض عن الجاهلين".

فاستشاط الجاني غضبًا، وسعى للفكاك من مطوقيه أثناء زمجرته:  

-       قصدك شنو؟ يعني أنا جاهل؟

لكن الشباب أحكموا قبضتهم عليه أكثر، ليمنعوه من التقدم نحو صديقهم، عازف الطمبور الذي رد على حثهم له القرار في أمر الجاني، بتكرار أمره بأن يفكوه.  فأطاع الأصدقاء مكرهين، تاركين الجاني يفلت قبضاتهم بضجرٍ، ويتقدم بوعيد نحو العازف مصوبًا نحوه نظرات كراهيةٍ قبل أن يهدد: 

-       لو سمعتك تاني تغني الأغنية ح أكسر ليك رأسك. فاهم؟

ولم تكد تمر لحظات، بعد ابتعاد الجاني الغاضب، حتى استعاد عازف الطمبور وقفته الواثقة محتضنًا طنبوره بذراعه اليسرى، قبل أن تستعيد أنامله اللعب على آلته بسلاسةٍ، تمهيدًا لاستعادة أجواء الطرب.

-       ما خايف يجي يكسر ليك رأسك؟، سألته اللمياء بقلق.

-       ما تخافي! أنا عارفه كويس، ده من شُلَّة المتقمصين لدور "تشي جيفارا"، وأغلبهم حاليًا يتلظون بنيران الزنازين في السجون، أجابها بكل هدوء.    

ولما رمقته بنظرةٍ مرتابة، اتسعت ابتسامته قبل أن يطالبها بدلال:

-         يلا نواصل غناءنا، وليك عليَّ أعزمك على العشاء!

فطال صمتها، فتردد ثم انحنى ناحيتها ليهمس شارحًا بأنه بعد تفاقم أزمة دقيق القمح وشحيح الخبز في المخابز، أرجعتهم أمه إلى أيام حياتهم القديمة في الريف، فعادوا يستمتعون بأكل "كِسرة الفَتَريتة".  ولما لاحظ التماع عيني الفاتنة وهي تصغي إليه وهي يسترسل في ذكريات طفولته في الولاية الشمالية، أضاف بفخرٍ ليؤكد لها أن والدته ستكون في قمة السعادة أن تَعُوسْ[2] لهما هذا المساء كسرة لتقدم لهما وجبة مفيدة من لدقيق الذرة الأحمر، إن وافقت على دعوته على العشاء معها في البيت. فوضعت الليماء يدها على فمها خجلًا، واستنكرت في سرها أن يدعوها من أول يوم تعارف إلى بيتهم ليقدمها لوالدته. وعندما طال صمتها، عمد لطمأنتها:

-       صدقيني "كِسرة الفَتَريتة" طعمها حلو.

وقد كان يظن أنها من بنات العاصمة المرتاحات، اللواتي تربين على أكل الخبز الأبيض الآلي المخبوز بالدقيق الأسترالي، ومعجنات البيتزا والحلويات الشرقية والغربية. ولما أخبرته بأنها هي أيضًا عاشت في الولاية الشمالية، وخبرت "كِسرة الفَتَريتة"، كما خبرت مثله، ركوب الحمير، واللعب بالطين والركض بين الجروف، وصيد اليرقات قرب حقول الذرة الشامية والفاصوليا والبصل، لم تسعه الفرحة، هتف بسعادة: 

-       يلا نواصل الغناء، وأوعدك ح تأكلي الليلة لمن تشبعي.

فابتسمت الليماء بسخاء، ثم أجابته بدلالٍ:

-       أكيد ح أشبع طال ما ح اقابل أمك.  وبعدين الفَتَريتة مالها؟ أهو نعمل "ريجيم" ونوفر قروش العيش الغالي المعدوم من الأفران.

تسنيم

باريس/ 16يناير 2018

**-**

اللوحة:  للفنان التشكيلي السوداني طارق نصر عثمان


[1]  كلمة "آشْرِي" تعني جميل باللغة النوبية الحلفاوية.

[2] العُواسة هي عملية (صُنع) الكِسْرَة (أشهر الأكلات الشعبية في السودان)، ويطلق على المرأة التي تصنع الكسرة "عَوَّاسة".

مَوْسِمُ العَوْدِة إلى الشَّمال

قِصَّة قَصِيرة: مَوْسِمُ العَوْدِة إلى الشَّمال