الأربعاء، 16 ديسمبر 2020

قصة قصيرة: باحة بروكا

 بقلم/ محمد حسن النحات

وضعتُ أمامي أوراقاً بيضاء، مَحبرَة نحاسية، ريشةً اختلستُهَا من بطة جيراني, أشعلتُ شمعةً وأحكمتُ تثبيتها على منتصفِ المنضدةِ ، ألصقتُ أطرافَ أصابع يدي وأسندتُ مرفقي على حافةِ الطاولةِ، كنت عارياً تماماً. تنزلق حُبيباتُ عرقي من أسفل عنقي إلى مُفترق مؤخرتي و عندها يختفي إحساسي بسريانها لتبدأَ حُبيبات أخرى الرحلة من محطة العنق. كتمتُ أنفاسي مترقباً هُبوط الوحي.

عشر دقائق ، نصف ساعة ، ساعة... و لا شيء حدث… تصاعدتْ رائحةٌ مقززة من جسدي وفترتْ مؤخرتي من تقبل عرقي و حَملي. فأطفأتُ ببؤسٍ الشمعة وأدرتُ مروحة السقف وارتميتُ منهكاً على السرير.

أفقتُ من نومتي متكدراً برأسٍ ثقيلٍ، و أطرافٍ مُتيبسةٍ، تلصصتُ على أوراقي علها مُلئت ، بالطبع كانتْ بيضاء فزمان المعجزات قد ولى. قمتُ مترنحاً صوب الحمام ، تبولتُ واقفاً وأنا أراقبُ خَيط البول المُصفر بتمعنٍ لا معنى له. وقفتُ تحت الدش مغمضاً عيني متنصتاً على دوشةِ الماء و عراكه مع درن جسدي. أرخميدس هبط عليه الوحي و هو عارٍ مثلي ، إلا أنه للأسف لم تكن لي رفاهية البانيو.

كانت الساعة تقاربُ العاشرة مساء عندما هاتفتُ جارتي الأرملة، وأنا أداعبُ عضوي الضامر... أجابتني بهمسٍ و تعذرت بضيوفٍ لديها ، شتمتها بأقبحِ الألفاظ؛ فأغلقتْ المكالمة في وجهي. كنتُ في حاجةٍ لإفراغ طاقتي عسى أن تخطر على عقلي أية فكرة. طوّفتُ بأنحاءِ المنزلِ؛ لأخلص إلى تناول عشائي، ازدردتُه مرغماً وأنا أتخيلُ دمائي الجائعة تعدو من كل جهات جسدي لتتكدس عند معدتي، فتتفاجأ بجبنٍ باردٍ و قطعَ خبزٍ جافة. ضحكتُ حتى شَرِقتُ.

عند ظهيرة اليوم التالي كنتُ قابعاً في ركني المفضل من المقهى، كنت دوماً أفضلُ المقاعد الخلفية؛ فمنها استطيعُ الاطلاع على العالم، اتسمرُ لساعاتٍ مراقباً الناس، و تنقلات النادل بينهم، طريقة حمله لطلباتِ الزبائن، تأرجح السوار النحاسي على معصمه، و صوت احتكاك خواتمه العديدة على أسطح الطاولات كلما وضع طلباً، و على الرغم من لحيته الكثة إلا أنني أراهن دون دليلٍ ملموس على أنه شاذ جنسياً. تكرعتُ كوب الماء على معدتي الخاوية و طقطقتُ ظهري متلمساً مواضع الألم عند نهايته، كانت ليلة أمس مكتظةً بالأحداثِ المُرهقة. لم أنمْ أبداً و ظللتُ أعمل طوال الليل دون طائل. كانتْ لدي العديد من عُلب الدهان التي لم تستخدم فرصصتها عند إحدى حوائط بيتي، و بفرشاةٍ قديمة أخذتُ ألطخُ الجدارَ كيفما اتفق، تداخلت الألوانُ في نفورٍ و امتلأَ المكانُ برائحةِ الطلاء المُسكرة، ثم وقفتُ متصلباً أمام اللوحةِ الجدارية، في يدي أوراقٌ و قلمٌ، تركتُ عيني تتمشيان على الألوان علّ فكرة ما تنبجسُ من رأسي، لو كنتُ أنا و لطخات الألوانِ هذه جزءاً من لوحة سيريالية لرُبما نالت استحسان النقادِ، و بيعتْ في مزاداتِ أوربا بأبهظ سعرٍ.

خمنتُ أن الأفكارَ تتمنع عني لأن الألوانَ المتداخلة تشتتُ تفكيري؛ فقررتُ طلاءَ الجدارِ بلونٍ واحدٍ. تزاحمَ أمامي الأبيض و الأحمر والأزرق فاخترتُ الأخضرَ الداكنَ عسى أن تتراءى أمامي كُل غابات أفريقيا بشجارات قردتها وقفزاتِ غُزلانها المتهورة و كَسَل أسودها، و رقصات قبائلها. لكن الأخضر لم يمنحني سوى رؤية باعوضةٍ تعيسة عَلقتْ في الطلاءِ اللزجِ، فمكثتُ أراقبها حتى همدتْ.
ازدادَ عددُ زوارِ المقهى، عجائزٌ فاتهم قطار الإبداع ، شبابٌ عبقري الحرفِ لا يجدُ مساحةً لدس كِتاباته في عُقول نُقاد أصابتهم الكلاسيكيات بالتخمة، آخرون يزجون بالعضو الذكري بين كُل كلمةٍ و أخرى، الباحثون عن مأوى و جماعة، و البوهيميون الذين تزكم روائحهم الأنوف، و أنا الروائي الذي لم تجد رواياته الثلاث سوى صدى قذفَ حجر في نهرٍ. آلام الظهر تزداد، شتمتُ الأمريكي " دان براون " على نصيحته الغبية، بالأمس تشقلبتُ_ كما قرأت في مقالته _رأساً على عقب على عارضة الباب، طنتْ أُذناي و أحتقن وجهي بالدماء. المأفون أكد أن هذه الوضعية تجلب الأفكارَ لكنها أصابتني فقط بالدوار؛ فسقطت على ظهري بمهانة لا تُناسب عمرَ الأربعين.
تحاشيتُ النظرَ إلى زميل المهنة " عبدالرؤوف " لكنه بكُل لُزُوجته المعتادة التصق بطاولتي، احتضنني بتكلف و احتضنته بتكلف، و جلسنا نتجاذب سراويلَ الحديثِ. عليك كمثقف عندما تحادثُ مثقفاً أن تنفخَ صدركَ، تنظرُ بعيداً خلفه إلى اللاشيء، تصمتُ لهنيهاتٍ كحكيم صيني، و أنْ تستخدمَ بضع كلماتٍ كمتلازماتٍ لغوية مثل: اندغام، تماهي، أفريقانية، الأنجلو سكسونية.
و كَمَن رأى أمراً طريفاً على الفيس بوك قلتُ له و أنا أعيد هاتفي إلى جيبي: هل مررتَ بشُح في الكتابةِ؟
نظر إليَّ مطوَّلاً ثم قال: لا طبعاً!... المبدعُ معينه لا ينضبُ، كما تعلم فأنا سنوياً أصدر كتابين، هل تَمُر أنتَ بحبسةِ الكاتب؟

_تراجعتُ بظهري على المقعد كَمَن يتقي شرَ سهمٍ طائشٍ : لا... مستحيل!... إنه شابٌ راسلني يطلبُ علاجاً لهذا المرض

_شبك يديه قائلاً: همنجواي وروث يقولُ : الحيلة للتخلص من حبسة الكاتب هي أن تقوم بالكتابةِ فحسب.

_صحيح!... أجبته كاتماً غيظي عليه و على همنجواي هذا.

و استرسلنا في الحديث حتى شاهد " عبدالرؤوف " شاعرةً شابةً تدلفُ إلى المقهى فقطع جلسته معي وودعني حاملاً معه مشروبي الغازي و هرَع إليها.

أخبرتُ النادل ذا الخواتمِ العديدة بطلبي، أمسكتُ قلمي مبارزاً الأوراقَ البيضاءَ، وأنا أحتسى القهوة، و كُلما نفدَ قدحى جلبَ لي النادلُ واحداً أخراً، قرأتُ أن الكاتبَ العظيم " فولتير " كان يشربُ أربعين قدحاً من القهوة عندما يكتبُ، و اليوم سأحطمُ رقمه هذا، و أنهي عجزي الكتابي. عندما وصلتُ للقدحِ العاشرة قال لي النادل بنظرة متشككة : أستاذي هل أنت متأكد من أنك تريدُ المزيد ؟! .

عند القدح الخامسة عشرة شعرتُ بتنميل في أطرافي, ظل يزدادُ بوتيرةٍ متسارعةٍ ليشمل كل جسدي، الطاولة اللعينة أصبحت تدور بي برعونة، فتقلصتْ معدتي و فقدتُ السيطرة تماماً على بلعومي الذي أفرغ عُصارة بطني الصفراء المُبقعة بسوادِ القهوة على الطاولةِ وعلى قميصي، بعد كل دفعة قيء أخذتْ غازات بطني تنفجر بفضائحية، كنتُ كمن ترفرفُ روحه في السقفِ مراقبةً تراجيديا الجسد، تَحلّقَ الجمعُ من حولي؛ يحاولون مساعدتي، شاهدتُ شاباً عربيداً يخرجُ هاتفه؛ ليدونَ تغريدةً بالحدثِ، أو فكرةً تصلحُ لقصةٍ قصيرةٍ مركزها بشاعة موقفي. أخيراً التقطتُ أنفاسي وبدأت ضرباتُ قلبي تنتظم، خيروني بين الذهاب بي إلى مشفى أو إلي بيتي لكنني فضلت البقاء للملمة نفسي. و شيئاً فشيئاً ابتعدتْ أنظارُ الناسِ عني و عدتُ وحيداً على طاولتي بعقلٍ خاوٍ، و أوراقٍ بيضاء.

ثم أخذتِ الأمورُ منحى خطيراً عندما دلفَ إلى المقهى عملاقٌ ضخمٌ استطاعَ بمشقةٍ العبور من البابِ، و بالكاد بعدت رأسه بوصات قليلةٍ عن السقف، و في صحبته عجوزٌ ذات صوتٍ عالٍ وضحكة خشنة رجولية، تجاهلا أعين الجميع و توقفا فقط عند طاولتي!. أجلستْ المرأةُ الرجلَ الضخمَ في مقعدين تحملا بمشقةٍ وزنه، بينما سحبتْ كرسياً في مواجهتي ويدها اليُسرى تتمشى على فخذ رَجُلِهَا و باليُمنى أشعلتْ سيجاراً

بللتُ لساني بريقي؛ لأقولَ : منْ أنتما ؟

و بصوتٍ رنان : أنا بت مجذوب و هذا "استبيان"

بحلقتُ فيهما ببلاهة! ، كانتْ بت المجذوب متوسطة الطول، لونُها فاحمٌ مثل القطيفةِ السوداءِ ، ما يزال فيها إلى الآن و هي تقارب السبعين بقايا جمال. بينما كان " استبيان" أطولَ رجلٍ يمكن أن تقابله، قوي البنية، ذا وجهٍ طفولي طيب، يرتدي سروالاً صنع من أقمشة الأشرعة، و قميصاً من الكتان الفاخر، يداه ضخمتان ناعمتان متوردتان، ملامحه لاتينية مثل اسمه.
نادتْ بت مجذوب على النادل بصوتٍ مِغنَاج و طلبت حليباً للضخمِ، و شاياً لها ثم غمزته وهي تضربه بفجور على مؤخرتِه, فتلقى الصفعة بحبور لا يليق برجل!.

تجرعَ " استبيان " كوبه في جُرعةٍ واحدةٍ، بينما شفطتْ بت مجذوب الشاي مُحْدثةً جلبةً عاليةً.
_ من أنتما ؟ و ماذا تريدان ؟

ردتْ بت مجذوب : ألستَ كاتباً ؟ ألم تعرفنا ؟! أنا بت مجذوب من عوالم " موسم الهجرة إلى الشمال " للطيب صالح. و هذا استبيان من قصة " أجملُ رجلٍ غريق في العالم " لماركيز.
فغرتُ فاهي دهشةً، قرصتُ فخذي تحتَ الطاولةِ؛ لأتأكد أنني لا أحلمُ!
_ يا رجل أَزَل عنك هذهِ الدهشة الغبية، علي الطلاق ما أقوله كله صدق، كُنتُ حبيسة مثلك بين دفتي كتاب لكنني بحيلة ما استطعت الفِكاكَ من براثن الحبرِ و الورقِ، و طوفتُ كل أنحاءِ العالمِ ، تعرفتُ على العديد من الرجالِ، إلى أن قابلتُ حبيبي "استبيان" فأنساني أزواجي الثمانية، ومغامراتي الطائشة... لديه شيءٌ أمتن من الوتد و أَمضى من .... الخ.
كانتْ امرأةٌ فاجرةٌ كما قرأتُ عنها و كما تخيلتها، ثرثارةٌ بصورةٍ مزعجةٍ. بينما اكتفى "استبيان" بالنظرِ بوداعةٍ إلى يديهِ.

قاطعتها : و ماذا تريدين مني ؟

_ أثناء تجوالي مررتُ بعالمك؛ فأشفقتُ عليكَ يا عزيزي!. أنتَ حبيسُ قصةٍ ركيكةٍ لكاتبٍ مغمورٍ، أنت مثلنا شخصية من بناتِ أفكار كاتبٍ لكن لسوء حظك كاتبك شاب لا صيت له و لن يقرأ قصتك أحدٌ؛ أخرج من سجنك هذا... العالم بالخارج فسيحٌ و ستجدُ ما يسعدكَ كما وجدتُ أنا حبيبي هذا.

جذبتْ رَجُلِها الصموت الذي لم يجعل له ماركيز لساناً. خرجا بعد أن أحدثا فوضى عارمة داخلي.
سرتُ مترنحاً نحو المرآة ليطالعني رأسٌ أصلعٌ لوجهٍ غاضبٍ، بعينين منطفئتين، و عوينات كبيرة قبيحة، لم أحب يوماً وجهي، من قال إنني أحبُ ارتداءَ هذا القميص المزركش، كأنني سائحٌ على شواطئ المحيط الهادئ؟! نزعتُ القلمَ المزروع بتبجحٍ في أعلى ياقتي و قذفته بعيداً، نقمتُ على من كتبني، الفاشل لم يجد لي إلا شاربَ هتلر هذا؟!. الكلب جعلني أضاجع جسدَ الأرملة المترهل المقزز مرات و مرات، جعلني دون أسرة، وبالطبع دون أطفال، وحيداً أعاني من عسرٍ في الكتابة، أدور حول نفسي في عالم مغلق فقير بين بيتي و المقهى الثقافي، ثم " عبدالرؤوف" الذي سرق مشروبي البارد و هرع حالما رأى فتاةً، حطمتُ المرآة بقبضتي دون أن تسيلَ قطرةُ دمٍ منها، خرجتُ من المقهى محدثاً زوبعةً ألجمت الجميع ، البُلَهاء لا يعلمون أنهم شخوص ثانويون في قصة بائسة، لا قيد بعد اليوم، سأرحل عن هذه الصفحات لأبحث عن عوالم أخرى، ربما أصير ملكاً فرعونياً، أو راهباً تبتياً، أو حتى مراهقاً فرنسياً، سأشبعُ كل نزواتي و أغترفُ من متعِ الحياةِ بمِعْولٍ، و عندما أسأَمُ تماماً سأحلّقُ فوقَ السحابِ و أجتبي منحوساً يعاني من حبسةِ الكاتبِ؛ لأومضَ في عقله فكرةً تنجيه من الجنون، وفداحة التشقلب رأساً على عقب.

 **-**

* باحة بروكا : النصّ القصصي الذي حاز على جائزة محمّد سعيد ناود للقصّة القصيرة في دورتها السادسة للعام 2020م التي تنظمها سنوياً - “مكتبة أغردات العامة.


لقراءة القصة من مصدرها  / الانطولوجيا:  http://alantologia.com/blogs/34980/

الاثنين، 14 ديسمبر 2020

قصة قصيرة: خط ميترو الأنفاق الدائري "The Circle Line"

بقلم / ليلى أبو العلا

ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي


لا يسيح الجبن في مكان مثلما يسيح في لندن. ولا يختلط فيها القديم بالجديد مثل ما يفعل في غيرها. لندن مدينة مُسْعَدة. غير أنه يمكن لفتاة أن تنتحب في شوارعها، ولا يقف عندها أحد، ولا يرتفع حاجبا أحد من الناس، أو يسألها أحدهم عن سبب انتحابها. آه، هي مدينة الفرص المتاحة والسلالم الوظيفية والشهرة. كنت قد وعدتني بإمكانية البدء من جديد، وصنع ثروة لنفسي. أن أصعد وأحلق بعيدا. غير أن العمر يتقدم بي بينما الفرص أمامي تتجمع، والمسارات تتلاقي. فأنا أعيش في مرحلة التَضَييّق والتَقْيِيد والإغلاق التام

أفضى ذلك التَضَاؤُل والانكماش للعيش حياة مُتَوَاضِعة، بل فاشلة في الواقع. فتحت بابا سريا على ما خلت أنه أقل مني قدرا. بالوعة من الجريمة المريرة المسعورة. كان خطيبي قد أعتقل الشهر المنصرم بتهمة غسيل الأموال. لا أعلم عن ذلك الأمر… ليست لدي أدنى فكرة عنه. قال لي الناس إنه من حسن حظك أنك لم تعتقلي معه. لم يشغلوا أنفسهم بحال قلبي.
ولما انفصلت عنه، دأبت أمي على أن تبعث لي بخُطَّاب بديلين. من الأسهل لي أن أقابلهم هنا في لندن. في “أبو ظبي” لا بد أن يكون معنا شخص ثالث، أو على الأقل نتظاهر بذلك. هنا يمكنني أن أقابله بمفردي. هنا كل شيء أسرع: من اللقاء المُحْرَج الأول، إلى معرفة حقيقة الشخص رغم قشرة المظهر الكاذب، ورعاية شرارة (الحب)، وإيقاف مشروع قبل أن يعلن رسميا. مسموح لنا هنا ببداية أكثر خصوصية وحيويةً.

صحوت على رَنَّة رسالة قصيرة منها. وتحدثت معها عن طريق (اسكايب) وأنا أتناول خبزي المحمص. كان توقيتها متقدما على الوقت عندي بثلاث ساعات، وكان واضحا أنها في مزاج مرح. قالت لي: “بعد تجربتنا التراجيدية الأخيرة، يجب أن نلزم العائلات التي نعرفها.”
كان لطيفا منها أن تستخدم كلمة (تجربتنا) لتضم نفسها لي في الذل والمهانة التي حاقت بي. غير أن ذلك من الممكن أن يكون مجرد خُدْعَة من جانبها لتليين موقفي. أعرف حيلها جيدا.
واصلت الحديث في ثقة: “أتذكرين هشام، ولد دكتور سعاد؟ لا بد أنك تتذكرينه منذ ذلك الوقت الذي التقيت به في الإسكندرية. كم كان عمرك وقتها؟13 أو 14 سنة؟ أعطيته رقمك. هو في لندن لعدة أيام فقط. لا بد أن تلتقي به.”

عاد بي عقلي لعقدين من الزمان إلى صورة هشام … شاب نحيل يرتدي زي سباحة داكن الزرقة. كان يردد وهو يزيح قطعا من الأعشاب البحرية: “هذا يمكن أن يؤكل! هذا يمكن أن يؤكل!”. ولم يشاركه أحد في إثارته تلك. وكنت أعرف وأنا في الرابعة عشر من العمر شيئا عن الوله والتعلق. وكنت أعرف من يعجبني ومن لا يعجبني. وفي تلك السن قيمت هشام هذا وخلصت إلى أنه ليس من نوعي ولا يناسبني.

قلت لأمي: “أنا مشغولة.”
أنت في الرابعة والثلاثين.”
ثلاثة وثلاثين.” عيد ميلادي سيكون في نوفمبر.
تغير مزاجها. قالت لي: ” بعد قليل من السنوات سوف لن يكون الموقف مزحة.”

كنت قد سمعت تلك القصة مرارا وتكررا. تطير السنوات، وتقل الخصوبة. كم صرت أكثر استقرارا في حياتي، وكم صرت لا أرى أن هنالك رجلا مثاليا.

سألتها: ” وما هي الخدعة مع هذا؟”. كنت أجد عيبا ما في كل الخُطَّاب. فأول خاطب بعثت به كان قصيرا جدا، والثاني لا يتحدث معي إلا ليقول لي إنه يكره لندن. أما الثالث فلا بد أن يكون جيدا – فرقم ثلاثة رقم جيد، على كل حال. ولكنه أعترف لي بأن عائلته هي من ضغطت عليه ليقابلني، رغم أنه في الواقع يحب فتاة أخرى. وكان في الرابع غلو مفرط في التدين.

تنهدت أمي وقالت: “العَرْقَلَة منك. أنت العائق الوحيد.”


****     

اِتَّصَلَ بي هاتفيا وأنا أدلف لهايد بارك. قبل أن أبدأ رياضة الرَكْض التي أمارسها بعد العمل، وأشرع في التنفس بشدة. اليوم مشمس. تَبَطَّحت الفتيات على العشب، وبدأ دِمام شفاههن يسيل من حر الشمس. خطوت عبر أجهزة الراديو والسي دي المحمولة، والكلاب ذات الرائحة الكريهة، والآيس كريم الفاتر الذي يقدم للأطفال. أخبرني هشام إنه يقيم بفندق في بيز ووتر، وإنه قد ترك وظيفته في إحدى منظمات المجتمع المدني العاملة في دارفور بعد أن قضى فيها 18 شهرا. وسيسافر بالقطار لأدنبرا بعد أيام قليلة لزيارة شقيقه الذي يدرس هناك.
قلت له: ” أنا في المساء أعطي دروسا خاصة في اللغة العربية. قد تعجب من كثرة الطلب على تعلم العربية. يدفعون جيدا ليتعلموها!”

رد ضاحكا بأن هذا أمر جيد ومثير للاهتمام. وقفت ساكنة في مكاني وأنا أنظر للمُنْتَزَه. صبي عربي بدين يلهث وهو يلعب في حفرة رملية، تراقبه مربيته الفلبينية وهي تضع يديها النحيلتين على وركيها. كانت وظيفتها هذه قد أخذتها من بلادها الشديدة الخضرة عبر الدوحة أو البحرين. غير أنها ستسير الآن فوق عشب لندن المُرْهَق. وستغدو في صور العطلة ومقاطع وفيديوهاتها زهرةً أجنبية غريبة في خلفية المشهد.

قال لي: “أسفت عندما سمعت بخبر فسخ خطوبتك.”

أجبته بالهمهمة بشيء ما.

بدا صوت هشام يبتعد وكأنه ينظر بعيدا وهو يقول لي: “يمكن أن تضيق الحياة بسبب الحاجة للمال. غير أن بعض الناس ليس لديهم مُثل وأخلاق، أو حتى ضبط للنفس.”

كان آخر ما أود مناقشته هو أمر خطيبي السابق. لذا حاولت أن أجعل صوتي أقل حدةً وأنا أقول له: “لقد صرت فيلسوفا يا هشام.”

نعم. وأعجب من “خط ميترو الأنفاق الدائري”، وكل الأشياء التي تعطى أسماءً غير دقيقة.”

معذرة؟ ماذا تقصد؟

” في ميترو الأنفاق. أخذت الخط الدائري، ولم يرجعني إلى المحطة التي بدأت منها. يبدو أن القطارات لم تعد تكمل الدائرة، بل تسير لنصف دائرة فقط، وهنالك الآن في الواقع خطين.”
تذكرت الآن الغرابة التي لمستها عند هشام. فكان أحيانا يبدو عبقريا غريب الأطوار، وفي أحيان أخرى يكون مفعما بالعاطفة. وكان يقوم أحيانا، في جدية تامة، بذكر معلومات أو ترديد أشياء لا بد أنه قرأها في مكان ما، أو تذكرها من التلفزيون. فيقول مثلا دون مناسبة “الميرلين هو نوع من الصقور” أو “نهر النيل هو أطول الأنهار في العالم” و”الأعشاب البحرية تؤكل.”
والآن يريدني أن أريه معالم لندن.

اتفقنا على اللقاء في اليوم التالي. ربما لن يكون يوما حارا مثل اليوم. في مثل هذا اليوم الحار أشتاق أكثر شيء لابي ظبي. أفتقد تلك المولات الضخمة وهبات النسيم البارد الآتية من المكيفات الضخمة. هنا تبدو شمس الإمبراطورية الآن وكأنها أتت لتزور المدينة وتعبر عن احترامها وتقديرها لها. وتفيض لندن وتتضخم بأعداد مهولة من السائحين تحملهم إليها مئات الطائرات. سُيّاح لهم شهية عالية، ونقود كثيرة، ولعابهم يسيل وأعينهم تتسع من الدهشة.
سمعت أماً تقول مغمغمة: ” يا للأجانب الأوغاد … كل صيف لعين!” بعد أندفع عدد كبير من السواح نحو الحافلة في شارع أكسفورد وأزاحوها هي وبنتها من باب الحافلة.
كانت الحافلة مليئة بالنساء. نساء يدفعن عربات الأطفال ونساء عجائز صغيرات الحجم يرتعشن. وطالبات مدارس حالمات يعاكسهن بعض الشباب المُتَنَمِّرٌين. والحافلات الحمراء البطيئة مبجلة مكرمة كما الملكة.

مدينة تتميز بكرم لا مثيل له في الاستيعاب: استيعاب نساء كبيرات في عباءاتهن السوداء وحجاب أوجههن وهن يقمن بزيارة الأطباء الأخصائيين في شارع هارلي، ومراهقين مُشَاكِسين يبحثون في متحف مدام توسو عن بعض ما يلهيهم ويسليهم. وذهب مصر القديمة يرقد باردا في متحف. والتنس في ويمبلدون، والحَمَامُ في ميدان الطرف الأغر. والانصاف، وإلزام النفس بفعل ما يصلح من الأشياء والأحوال ولو قليلا بطريقة بسيطة ما. وتحت “قوس الرخام / ماربل آرش” أحس بثِّقَل التاريخ.

وترى في الشوارع حلقات الأنف، وضفائر الشعر المجدل، وحليقي الرؤوس، ودبابيس محفورة خلال الحاجب، ورجلا يرتدي ملابس نسائية، وكلبا أُلبس ملابس رجل، ولافتة مرفوعة عاليا مكتوب عليها “المسيح عائد”.

ولكنها أيضا مدينة صَرْعَات الأزياء. يبدو السواد الأعظم من سكان المدينة حسني المظهر. يهتمون بالشعر والملابس الجديدة، فاللندنيين يبذلون مجهودا، ويولون صفحات المجلات الصقيلة الأوراق كامل ثقتهم. إما هذا أو الساري والعمائم: والنيجيريات في ملابس الجنة الخضراء وأغطية الرأس الضخمة التي لا تستطيع سواهن حملها.

وفي الأسفل كان الطّقْسُ في محطة قطار الأنفاق أكثر دفئا. يا ترى ما هو شكل هشام الآن بعد مرور كل تلك الأعوام. تعجبت من كوني لم أبحث عنه في الفيس بوك. خط اليوبيل ثم خط العاصمة (ميتروبولتان). كريستال بلاس وماربل آرش. وماذا أقول له عن الخط الدائري، وكيف أن “سيرك أكسفورد” ليس بسيرك؟

لا يمكنه أن يعرف لندن حقا حتى يعيش فيها في فصل الشتاء، بضبابه، والقفازات، وأضواء عيد الميلاد.  وهنالك أيضا الأسرار المخبوءة تحت تلك المعاطف السوداء والأشجار العارية من الأوراق، وخطوط الدخان المنبعث من الأنفاس وأضواء الشارع. ومن المهم أيضا تذكر أن ليس كل من يتحدث أو يقف في “ركن المتحدثين” هو مخبول. ليس كل فرد هناك.


 

*****
تقابلنا في أحد المقاهي بالقرب من شارع ريجنت. كانت جدران المقهى مزينة بصور من مات من نجوم هوليود، وكانت قائمة المشروبات والمأكولات فيه تميل إلى الذَّائِقَة الأميركية. كانت الساعة تشير إلى العاشرة، وبدأ أن تلك الساعة مبكرة جدا بالنسبة للندن، فقد كانت نظيفة وحركة المرور فيها قليلة، وليس في الجو حرارة الصيف المرتفعة.

غمرتني فجأة مشاعر حنين لزج عندما وقعت عيني عليه لأول مرة. كتفاه الآن أعرض، وشعره أقصر. ولبرهة قليلة تاقت نفسي لجنون سنوات صبانا الباكر، وسَفْعَة الشمس، وأزياء السباحة التي تثير في أجسامنا حكة، وتلاطم أمواج البحر، وآباءنا وأمهاتنا في الخلفية يتسامرون ويضحكون. يا ترى ماذا سيكون حالي إن لم أرزق أبدا بأطفال؟



 **-*

نُشر في موقع الراكوبة، بتاريخ 16 أكتوبر، 2019

لقراءة القصة من مصدرها: 

 https://www.alrakoba.net/31329512/%d8%ae%d8%b7-%d9%85%d9%8a%d8%aa%d8%b1%d9%88-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%86%d9%81%d8%a7%d9%82-%d8%a7%d9%84%d8%af%d8%a7%d8%a6%d8%b1%d9%8a%d8%8c-%d9%84%d9%8a%d9%84%d9%89-%d8%a3%d8%a8%d9%88-%d8%a7%d9%84%d8%b9/

الثلاثاء، 24 نوفمبر 2020

قِصَّة قَصِيرَة: شَنْدِي ذَاتَ مَسَاء

بقلم/تسنيم طه



-        ما أقصى ما يمكن أن يفعلونه بي؟ أن يضعونني في السجن؟ ستكون مناسبة لتأليف كتابٍ عن حياة السجناء، قالت في نفسها وهي تتابع تفرسهم في وجهها بفضولٍ وتأهبٍ، في انتظار إجابتها.

وتشاغلت عن تلهفها بسرعة الرد عليهم بالتلفت حولها، لتكسب بعض الوقت تستعيد فيه رباطة جأشها، وتستجمع قوتها الداخلية قبل الاعتراف بجرمها.  لكن الشرطي الأسمر، حرمها مواصلة مماطلتها بسؤاله المباغت:

-         ما الذي دفعك لتضييع ثلاثة ساعات من وقتك في عملٍ لا طائل منه وبلا أجر؟

فأفهمها سؤاله بأنهم كانوا يراقبونها منذ بدء عملها في الساعة الرابعة فجرًا مع بدء شقشقة العصافير الأولى وذهاب المصلين إلى مسجد "بانيوليه-Bagnolet" لأداء صلاة الفجر. ولما ألجمتها الدهشة، واصلت التحديق في وجه الشرطي الشاب الأسمر رقيق الملامح، لتتخيله من أصولٍ تنحدر لسكان جزر الكاريبي، إحدى مستعمرات فرنسا القديمة.  

فقادها خيالها إلى ما رواء البحار وجعل لعابها يسيل وهي تستعيد طعم فواكها المفضلة (المانجو والأناناس والموز والباباي) التي تستوردها فرنسا من "غوادلوب" و"مارتينيك" و"لاريونيون"، و"هاييتي" وغيرها من جزر أمريكا الجنوبية الفرانكوفونية.

لكن بسرعة خرجت من شرودها اللذيذ على أثر حركة الشرطي الأسمر يعقد يديه أمام صدره في انتظار اجابتها.  فرجعت تطالعه باستغراب متسائلةً عن ردة فعله لو أخبرته بأنه شديد الشبه بحبيبها، قبل أن تخرج من تساؤلاتها مع اقتراب الشرطية البدينة الشقراء منها لتطالبها، وفي عينيها نظرة استهجان، ببطاقة هويتها.  

تراجعت الفتاة خطوة للوراء، وفتحت حقيبة يدها، بترددٍ لتخرج البطاقة وتمدها للشرطية، التي حدجتها بنظرة اصابتها بقشعريرة دفعتها لخفض بصرها، ناحية حذائها والتساؤل بتوجسٍ أتكون بطاقتها السبب في أن تُرحل إلى وطنها الأم رغم اشتداد وطيس الحرب الضروس في وطنها.

ولما رفعت بصرها وانتبهت لضخامة يد الشرطية، انحرفت نحو تساؤلٍ آخرٍ مستغربٍ كيف وصلت هذه المرأة ذات العيون الزرقاء لهذا الوزن بينما نساء بلدها يراقبن أطعمتهن بالسعرات الحرارية من أجل ليظللن رشيقات.

-        هل تعرفين من يكون "شَنْزي"، الذي طمستي اسمه عندما استبدلتِ حرف "الزاي" بحرف "الدال"؟ سألها الشرطي الأبيض النحيف، الأصغر سنا من بين مستجوبيها الثلاث.

بالتأكيد كانت تعرف الإجابة، وتستحضر تفاصيل حوارها مع حبيبها قبل عامين عن هذا القاسم المشترك بين اسم الجنرال الفرنسي واسم المدينة حيث رأى النور في نفس اليوم الذي اندلعت في ثورة أبريل 1985، التي أطاحت بحكم الرئيس جعفر النميري. لكنها لم تتسرع لتتباهى بمعرفتها أن الجنرال " ألفرد شَنْزي"، شارك في حرب الجزائر وفي معركة "سُولْفِيرِينو-Solférino"، المعركة التي هزم فيها نابليون الثالث الجيش النمسوي بقيادة الامبراطور "فرانسوا جوزيف".

 وظلت تبحث عن طريقة ذكية تمكنها من الإجابة على سؤاله بسؤالٍ يختبر ثقافته العامة، لتحدثه أكثر عن "الكنداكات" النوبيات، أو ملكات "كوش" المحاربات، اللاتي هزمن الاسكندر الأكبر وأقمن قريبًا من مدينة "شَنْدِي" التي تشترك حروفها مع اسم الجنرال الفرنسي.

وأحست بالحماس يملأها وهي تتخيل أن سؤالها سيكون مناسبة للحديث عن مدينة "شَنْدِي" مسقط رأس حبيبها، حيث جنائن المانجو والليمون، والتقاء النيل بالصحراء، والأحبة الذين غنى لهم مصطفى مضوي: " يلا شَنْدي نزور الحبايب،،،والفِريع الهَدَلو الربيع".

أخرجتها الشرطية من سهومها وحوارها الداخلي، بطرح السؤال الذي كانت تخشاه: 

-         بطاقة إقامتك منتهية الصلاحية منذ ثمانية أشهر، هل يمكنك تفسير ذلك؟

وهنا شعرتْ، بفوضى الأفكار تجتاحها وتجردها من قوتها، لتلجم لسانها دون أن تدري بأيهم تبدأ بالإجابة على سؤاله:  

-        الشرطية الشقراء البدينة التي ترمقها بنظرة زرقاء حادة، وملامح صارمة متربصة؟

-        أم الشرطي الأبيض النحيف، الذي تتمنى أن ترد له الصاع صاعين، وتثبت ضحالة ثقافته في الحضارات والممالك الإفريقية القديمة، وخاصة حضارة "كوش" بالقرب من مسقط رأس حبيبها؟

-        أم الشرطي الأسمر، سليل سكان جزر الكاريبي، وشبيه حبيبها، الذي لولا مشيئة التقاليد الاجتماعية لكانت قد تزوجت به وأنجبت منه ابناءً كانوا سيحملون خليط دماء نصفها من حضارة "سبأ" ونصفها الثاني من حضارة "كُوش"؟

رفعت الفتاة رأسها إلى السماء الصافية، لتستجدي ضوء الشمس المتسلل من الأفق أن يلهمها القرار السليم والاجابات الشافية.  

وكتمت أنفاسها وهي تستعيد الحماس الذي رافقها، قبل قليل، طوال فترة إنجازها مهمتها أثناء استماعها لأغاني إذاعة "شَانْتْ-فْرَانْسChant-France"منذ نقطة البداية في أول شارع " شَنْزي-Chanzy " في مدينة "بَانْيُولِيه-Bagnolet"، قبل أن يفاجئها أفراد الشرطة عند نهايته مع تقاطعه بساحة "جاك ديوكلو"، على بعد أمتار من محطة ميترو "Croix de Chavaux".

 لكن شعاع الشمس، لم يخادعها لينقعها بإخفاء الحقيقة.

فتخللتها مشاعر راحة، تحولت سريعًا إلى خوفٍ من أن تسوقها الحقيقة إلى حتفها، لشكوكها أن يتفهم أفراد الشرطة إقدام فتاة أجنبية على تغيير اسم أطول شارع يصل بين مديني "مُونْتْخُويْ" و"بَانْيُولِيه" ليربطهما بمدينة باريس شرقًا، لمجرد قرارها الوفاء لذكرى عيد ميلاد حبيبها.

وأصابتها حيرة تحولت لضيقٍ مع استشعار اختفاء حماسها، ثم إلى خيبةٍ ومرارةٍ مع تذكر الخسائر النفسية التي لحقت بها بسبب الحب وحالة الاكتئاب التي أورثها لها طيلة أشهر. فأغمضت عينها وبلعت ريقها لتخفف من الغصة التي صاحبتها منذ أن أخبرها حبيبها بقراره عودته النهائية إلى السودان.

ورغم خشيتها إنفاذ صبر أفراد الشرطة، إلا أنها أطالت البقاء وراء ظلام عينيها المحاطة بهالاتٍ من كثرة البكاء والسهاد تحسرًا على حب حياتها الضائع. وعندما فتحتهما، وأحست بحرقة حصى الدمع في مقلتها، أدركت بأنه قواها ستخونها.  وأوشكت على الاستسلام ترك العنان لدموعها ونوبات ألمها الهستيرية، لتصرخ وتعاتب الظروف والحياة على ظلمها، وتطالبها بالتوقف عن معاملتها بقسوةٍ وجورٍ. 

لكن لما لاحت أمام عينيها مقولة جلال الدين الرومي: " لا تجزع من جرحك، وإلا كيف للنور أن يتسلل إلى داخلك"، أطلقت زفرة ارتياح وقررت مواصلة طريقها بشجاعة حتى لا يظن أفراد الشرطة، إذا رأوا عقد دموعها ينفرط، بأنها تتهرب من مسؤولية ما قامت به. فعزمت على الصمود ورفض دور الضحية مهما كلفها الأمر، عازمةً على متابعة اللعبة باستبدال سيناريو التراجيدية بأخر كوميدي. فاجتاحتها نشوة دغدغتها لبرهة عند تخيلها لنفسها مجنونة بالفعل وليس ممثلة. وبينما ثغرها يفتر عن ابتسامة انتصار، أخذت تتفرس بتحدٍ في الوجوه المترقبة لسماع اجابتها، قبل أن ترفع يدها اليسرى النحيلة لتفرد شعرها الاسود الطويل علي جانب كتفيها، وتتقدم نحو الشرطي الأبيض لتبادره بحديثٍ واثق: 

-        اسمح لي أيها الشاب اللطيف أن أجيبك بأن الاسم الذي ظننتَ أنه بلا معنى، هو اسم لمدينة كبيرة في شمال السودان، شهدت معركة من نوعٍ آخر لا تختلف عن تلك التي انتصر فيها "ألفرد شنزي" على الجيش النمسوي.

ولما رأت انعقاد حاجبيه دهشة، توقفت قليلًا قبل أن تواصل:

-        في "شَنْدِي" دارت معركة من نوعٍ خاص. لأن "المَكْ نِمِر"، لما لم يتحمل إهانة الخديوي "إسماعيل باشا" قائد حملة الغزو التركي على السودان (الذي وبخه لأن أهالي "شندي" هاجموا قوافل الرقيق المتجهة إلى مصر، ثم صفعه بغليونه عند اعتراضه على دفع الغرامة) قرر الانتقام لكرامته باستعمال الحيلة والدهاء. فأعد وليمة دعا لها الخديوي، ثم حاصره بالقش، قبل أن يأمر بحرقه هو ومن معه في مدينة "شَنْدِي". أرأيت يا سيدي أن اسم الشارع الجديد لن يكون بلا معنى؟

ثم صمتتْ برهة لتبلع ريقها، وتستزيد من الشجاعة التي انبثقت في عروقها أثناء قراءتها لملامح الدهشة على وجوه مستجوبيها، الذين كانوا يطالعونها بأفواه فاغرة.

وبعد أن ملأت صدرها بالهواء، وجهت حديثها إلى الشرطي الأسمر:

-        اسمح لي أيها الوسيم أن أخبرك بأن الساعات التي قضيتها في هذا العمل لم تكن بدون أجر كما ظننتْ، لأن الفائدة التي جنيتها لا تضاهيها قيمة مادية، لكونها معنوية ونفسية تشعرك بالامتلاء والرضا، سَمِّها "الحُب" أو "الجُنون"، فلا فرق بينهما......

ثم توقفت عن الكلام عندما أحست بوخزة قوية في قلبها، وبمشاعر حزنٍ عميقة تجتاح دواخلها، وتحطم أسوار شجاعتها، لتخور قواها وتترك العنان للدموع. لا دموعَ غبنِ أو مرارةِ أو خذلان، بل دموع حبٍّ وحنينٍ أضرمت نيران الأشواق في جوفها.

وأحست بأطرافها تتجمد مع تفاقم الحنين عند استحضار ذكريات جميع الأماكن التي ارتادها مع حبيبها خلال عامين كاملين: ساحة "سان ميشيل" والتسكع حول السيَّاح ا ثم الذهاب لأكل ساندويشات الفلافل في مطعم "ماؤز-Maoz" المجاور، كاتدرائية "نوتردامNotre Dame-" التي خلدها فيكتور هوغو في روايته الشهيرة  الحاملة لنفس الاسم، شارع "الشانزيليزيه" ومقاهيه المزدحمة بعرب الخليج العربي، ثم حديقة "تْوِيلْغِي-Tuileries"، فحي "مونت ماغتخ-Montmartre" وبرج "إيفل" وغيرها من الأماكن السياحية والأحياء الشعبية، والمؤسسات الإدارية كمكتب الفرنسي لحماية اللاجئين "OFPRA" ومحكمة الاستئناف "CNDAحيث عملا سويًا كمترجمين لنقل أقوال مهاجرين ناطقين باللغة العربية قدموا من سوريا والعراق واليمن وليبيا وارتريا والصومال، واقليم دارفور في غرب السودان.

بلعت ريقها بصعوبةٍ علها توقف تفاقم عبرتها، وأزاحت خصلة متمردة وارجعتها وراء أذنها اليسرى، مقررة عدم السماح لحنينها أن يهزمها ويدفعها لإعلان الهزيمة، ثم توجهت بالحديث للشرطية: 

-         بالنسبة لبطاقة الإقامة، اسمحي لي يا سيدتي أن أخبرك بأنني مررت بظروف نفسية قاسية تسببت طردي من العمل، فاستنتجت عدم جدوى الذهاب وطلب تجديدها ما لم أعثر على وظيفة أخرى ما يزال بحثي الدؤوب عنها متواصلًا.

ثم توقفت عن الكلام لتستشف إن كان زوج العيون الزرقاء الذي يطالعها بقسوة قادر على أن يلين أذا ما كفت عن الدفاع عن نفسها، قبل أن تواصل بانكسار:

-        اعترف أن هذا خطأٌ ثاني وسأتحمل نتيجته ايضاً.

وساد صمتٌ ثقيل تبادل فيه أفراد الشرطة نظراتٍ محتارة، قبل أن يعودوا ليتفرسوا في وجه الفتاة باستغراب وريبة.  فهذه أول مرة يواجهون فيها مخالفة من هذا النوع.  ففي هذه المنطقة من مدينة "مُونْتْخُويْ-Montreuil"، تدور المخالفات القانونية حول فلك ترويج المخدرات، وقيادة السيارات من قبل القاصرين بدون رخصة، أو غسيل أموال لمهاجرين غير شرعيين، لا يملكون أوراقًا قانونية تسمح لهم بالإقامة والعمل داخل الأراضي الفرنسية.

سمحت حالة الحيرة المرتسمة على وجوه أفراد الشرطة، للفتاة أن تستعيد بعضًا من هدوءها. فأدخلت يدها في شعرها قبل أن تواصل حديثها مع الشرطية: 

-        قد أكون ارتكبت مخالفات يعاقب عليها القانون، لكنني اشعر بالراحة والرضا لقيامي بما أملاه عليّ واجبي تجاه مشاعري، وسأتفهم إن وضعتموني في السجن، بل سأكون ممتنة. هل تعرفون لماذا؟

اذادت ملامح الاستنكار وجوه محدثيها، وكأنها بذلك تجزم بجنون الفتاة التي واصلتْ بثقةٍ:

-        لأن السجن سيوفر لي فرصة الاختلاء بنفسي بعيدًا عن صخب المدينة، ويجنبني الركض لهاثًا من أجل الحصول على لقمة العيش اليومية، فأتجنب بذلك رؤية عائلات سعيدة تتنزه في الشوارع تدفعني للاكتئاب والرثاء لحالي، وتجبرني على تجديد حدادي على أهلي، الذين وصلني خبر موتهم بقذائف الحوثيين التي ما زالت تمطر العاصمة صنعاء. سأكون ممتنة للسجن لأنه قد يساعدني على الكف عن التفكير في حبيبي، الذي هجرني وظن أنه سينال بِر والدته إن حقق لها رغبتها بالزواج من ابنة أخيها اليتيمة، ليتركني وحيدة مع ذكريات حبٍ سقته أمالنا وأحلامنا ودماء قلوبنا طيلة عامين كاملين و......

ولما خنقتها العبرة، تقوفتْ. ثم خفضت بصرها عندما شعرت بقطرات الدموع تقف على حواف مقلتيها. وما أن جفلت برموشها الغزيرة، حتى تسابقت مياه عينيها لتستقر على حذائها الرياضي الأزرق ماركة "أديداس"، فبلعت ريقها بصعوبة، وبذلت مجهودًا جبارًا لإنزال غصتها لكيلا تستسلم لرغبتها في النشيج، قبل أن ترفع رأسها لتجد جميع الوجوه تطالعها بنظرات أسىً وتعاطف.

وساد صمتٌ طويلٌ، تخللته حركات الشرطية وهي تخرج هاتفها "الآيفون" من جيب سروالها الضيق، الراسم لردفيها الممتلئين بدقةٍ، لتأخذ به صورًا لبطاقة إقامة الفتاة، قبل أن تعيده إلى مكانه في الجيب الخلفي.

وشعرت الفتاة باقتراب النهاية عندما أعادت لها الشرطية بطاقتها. فأسرعت بإدخالها في حقيبة يدها الزرقاء، دون أن تنطق بكلمة واحدة. فقد كانت مشغولة باسم عنوان الكتاب الذي ستؤلفه أثناء اقامتها في السجن، وبالمجهود الذي عليها بذله لكي تكسب ثقة السجينات لكي يحكين لها حكاياتهن، لتحولهن من سجينات بائسات إلى بطلات سعيدات يتنقلن داخل روايتها بحرية تامة دون أي قيود، ويتجولن في جميع أسواقها وشوارعها، وأهمها شارع "شَنْدي" الذي كان ذات صباحٍ شارع "شَنْزي".

وافترت شفتيها عن ابتسامة رقيقة مع تخيلها لنفسها تقلب صفحات كتابها المستقبلي بين اصابعها وتتهجي عنوانه "شَنْزِي ذات صباح-شَنْدِي ذات مساء"، وتتلمس غلافه البني الحاضن لصورة الجنرال الفرنسي ببذلته العسكرية وطربوشه الأسود، ولصورة اهرامات البَجْرَوِايَة، شمال مدينة "شندي" وهي تغوص في الرمال.

واتسعت ابتسامتها مع تماديها في الأحلام وتخيلها للفوائد التي ستجنيها من بقائها في السجن عامين كاملين، ستكتب فيهما قصصًا عن يومياتها ويوميات  حياة السجينات بطريقة شيقةً تشبه قصص أليس مونرو، وادغار ألان بو، ويوسف إدريس، ومحمد زفزاف، ومحمود تيمور، فتمسح بالكتابة أحزان الماضي، وتستعيد عافيتها النفسية، فتخرج قوية من السجن علَّ الحرب تكون قد وضعت اوزارها، فتحزم حقائب العودة النهاية إلى اليمن، علَّها تلتقي في وطنها الأم، برجلٍ يحبها ويتزوجها ويبني معها أسرة تعوضها سنوات الغربة، وفقد الأهل والأحباب والأوطان.

خرجتْ منتفضةً من أحلام يقظتها، عندما تقدمت منها الشرطية وحدجتها بنظرة حادةٍ عابسةٍ قاسيةٍ، قبل أن تأمرها بحزمٍ: 

-    كُفي عن هذا الهراء، واذهبي وابحثي لك عن معالجٍ نفسيٍّ، فما زلت شابة وأمامك مستقبل فلا تضيعيه بين أروقة السجون بتهور الركض وراء ووهمٍ يسمونه "الحُّبْ".

فوقفت الفتاة مذهولة لا تدري أتشكرهم لهذه الحرية التي أعطوها لها، أم تلموهم على اجهاضهم حلمها خوض تجربة العيش في زنزانة بعيدًا عن صحب المدينة والركض وراء لقمة العيش، وكتابة قصتها مع شارع "شَنْزِي"، وفاءً لذكرى حبيبها الأسمر سليل مدينة شَنْدِي.

ولما أفاقت من ذهولها، كان أفراد الشرطة قد ابتعدوا عنها كثيرًا. فظلتْ تراقبهم برهة وهم ينصهرون داخل حشد من البشر يحيط بساحة "جاك ديوكلو".

ثم أطلقت زفرة ارتياح، واستدارت في الاتجاه المعاكس بينما التساؤلات تتناسل في رأسها عما إذا كان "الحبُّ" حقًا وهمًا؟ أم أنه لم يطرق بعد جدران قلب تلك الفرنسية البدينة الشقراء؟

  

 **-**

تسنيم /الخرطوم 24 نوفمبر 2020

مَوْسِمُ العَوْدِة إلى الشَّمال

قِصَّة قَصِيرة: مَوْسِمُ العَوْدِة إلى الشَّمال